في 20 كانون الثاني الماضي فتحت وزارة الشؤون الاجتماعية باب المنصّة الإلكترونية لتسجيل الفقراء. خلال 40 يوماً تسجّل نحو 620 ألفاً. هذا الرقم لا يدلّ على عدد الأفراد الذين يصنّفون أنفسهم فقراء، بل يشير إلى عدد الأسر التي يصنّف معيلها نفسه فقيراً أو غير قادر على إعالة أسرته بالشكل الكافي. بشكل عام، كل شخص سجّل اسمه على المنصّة، يمثّل أسرة مع هامش «خطأ» أو «كذب» بهدف الانتفاع، كان يقدّر في السنوات الماضية بنسبة 20% قياساً على الخروقات التي سجّلت في برنامج استهداف الفقر. هذا المعدل من الخروقات تحقّق في السنوات الماضية في ظل أوضاع شبه طبيعية، أي عندما كانت قنوات التوزيع مموّلة جيداً بالمال العام، وعندما كان شبح الانهيار مجرّد شائعات سخيفة وتافهة يركّبها «مشعوذون» أو أولئك الذين يريدون النيل من سمعة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والمصارف... اليوم لا يمكن الاعتداد بهامش الخطأ هذا، وخصوصاً بعدما أصيب عدد كبير من عائلات الطبقة الوسطى بعلامات الفقر الناتجة عن تراجع قدراتها الشرائية أو البطالة. رغم ذلك، إذا احتسبنا هامش الخطأ بنسبة 20%، فإن هذا يعني أن نحو 500 ألف أسرة في لبنان باتت تصنّف نفسها فقيرة.



اللجوء إلى برنامج استهداف الفقر لا يمكن اعتباره «فعلاً انتفاعياً» من أجل الحصول على المزيد، كما كان يحصل سابقاً عندما كان سعر صرف الدولار يساوي 1500 ليرة، وكان الانتفاع «مفيداً» إلى حدّ ما. فالانتفاع اليوم هو بقصد الحصول على القليل، أي إنه بات أمراً قسرياً على العائلات (1) التي كانت فقيرة أصلاً وانزلقت أكثر نحو قاع الفقر، وعلى العائلات (2) التي كانت مداخيلها تسمح لها بأن تصنّف نفسها ضمن الطبقة الوسطى، لكنها انحدرت إلى ما دون خطوط الفقر العليا. قد يكون من بين المسجّلين عائلات لديها مدخول كاف لتكون على حافة الخطوط العليا للفقر، لكن هؤلاء معرضون بين لحظة وأخرى إلى الانزلاق نحو الفقر.
ويشي هذا العدد الكبير من الأسر التي تصنّف نفسها فقيرة أو تعتبر أنها مؤهلة أكثر من غيرها للاستفادة من برنامج استهداف الأسر الأكثر فقراً، بأن تقديرات البنك الدولي عن معدلات الفقر كانت أقلّ من الواقع. فبحسب وثيقة برنامج استهداف الفقراء المنشور على موقع البنك الدولي، فإن التقديرات لغاية منتصف 2020 كانت تشير إلى أن معدلات الفقر ستبلغ 45%، وهذا يعني أن هناك أكثر من 1.7 مليون فرد، أو نحو 350 ألف أسرة باتت فقيرة، من ضمنها 156 ألف أسرة أو 841 ألف فرد يعانون من الفقر الغذائي. أرقام التسجيل على المنصّة تكاد تكون مضاعفة عن تقديرات البنك الدولي.
بمعزل عن التصنيف ومعاييره، فإن «برنامج استهداف الأكثر فقراً» ليس مصمّماً لاستيعاب كل هذه الأعداد، بل هو مخصّص ليغطّي حاجات أولئك الذين يصنّفون الأكثر فقراً وفق معايير معيّنة، قد تكون مختلفة تماماً عن المعايير التي تعتمدها الأسر لتصنيف نفسها فقيرة. ربما يصل الحدّ الأقصى للبرنامج إلى 200 ألف عائلة تعاني من الفقر المدقع، وهو ما يفوق توقعات للبنك الدولي.
والبرنامج نفسه، هو نسخة محدثة من أداة للزبائنية تستخدمها السلطة من أجل تطويع الناخبين. لذا، فإن زيادة معدلات الفقر سيرفع قدرة السلطة على احتواء الشعب وابتزازه، لكنه في المقابل يزيد المخاوف من حصول اضطرابات اجتماعية عنيفة. ربما لن تتكّرر الفرصة السياسية التي خلقتها لحظة 17 تشرين الثاني، لكن هذا لا يعني أن التعبير عن الفقر سيأخذ شكلاً عنيفاً في المرحلة المقبلة.
كذلك، فإن ارتفاع معدات الفقر العامة، أو أولئك الذين انزلقوا ضمن خطوط الفقر العليا، يعني ارتفاعاً في معدلات الفقر الغذائي أيضاً. هذا يعني ضغوطاً إضافية على القطاع الصحي ضمن المدى المتوسط، وارتفاع أكلاف التغطية الصحية، وتدنّي معدلات العمر المتوقع. القطاع الصحي حالياً ينزف أطباء وممرضين ماهرين هاجروا إلى الخارج، تماماً كما هو النزف الحاصل في قطاعات أخرى فيها عمالة ماهرة أو متخصّصة.
في عزّ هذه الأزمة، تتلهى السلطة بنقاشات حول «ترشيد الدعم». نقاشات عقيمة تماثلهم عقماً، وآخرها تلك الجلسة التي دعا إليها المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأسبوع الماضي. النقاش اليوم يتعلق بمدى كفاية احتياطات مصرف لبنان لدعم استيراد السلع الأساسية من غذائية ومحروقات وقمح وأدوية ومستلزمات طبية. معادلة ستتحوّل إلى كارثة عندما «نصرف المصريات». الأنكى من ذلك هؤلاء الذين يشيرون إلى أن هذه الأموال هي للمودعين. ما رأيكم أن نوزّعها على المودعين الذين سيموتون جوعاً في اليوم التالي عندما يصنّفون أنفسهم فقراء أيضاً؟ إنقاذ الأسر من الفقر لا يجب أن يكون سياسة اقتصادية قائمة على التسوّل، بل يتطلب إنقاذاً اقتصادياً. المساعدات والدعم ليس سوى أدوات تخدير للاستعمال الزبائني. الإنقاذ الاقتصادي مسألة أخرى تتطلب إعادة النظر بكل البنية الاقتصادية والاجتماعية.

تابع «رأس المال» على إنستاغرام

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا