تتضارب التقارير المنشورة في وسائل الإعلام الأميركي، حول ما تعنيه إحصاءات مكتب التحليل الاقتصادي لجهة تحقّق الركود الاقتصادي. ففي ضوء هذا التضارب، تحوّل النقاش إلى أخذ وردّ، حول «التعريف التقني» للركود رغم أن النتيجة واحدة سواء كان الركود المسجّل «تقنياً» يعبّر عن انكماش الحركة الاقتصادية على مدى «بضعة أشهر»، أو على مدى فصلين متتاليين. فالركود تحقّق في الحالتين، وهذا أمر يستوجب من الفيدرالي التعامل معه من خلال إجراءات وخطوات تؤدّي غاية أساسية: إعادة الاقتصاد نحو النموّ، وتقليص معدلات التضخّم إلى المستويات التي تصنّف «صحيّة».


(نهاد علم الدين ــ لبنان)

بالنسبة للفيدرالي، إن رفع أسعار الفائدة هو استخدام للأداة الأهم تأثيراً على السلوك الاقتصادي للأفراد، وانعكاساتها تتسلل إلى الاقتصاد عبر قنوات عدّة. والفيدرالي يستطيع التحكّم بأسعار الفائدة قصيرة الأجل، وهي الفوائد التي يسلّف المصارف على أساسها، أو ما يعرف بأسعار فائدة أموال الفيدرالي. لذا، إن تحرّك هذه الفائدة، صعوداً أو هبوطاً، ينعكس على كل أسعار الفائدة في السوق، سواء كانت الفائدة على القروض بين المصارف، أو بين المصارف والمقترضين. وعندما يرفع الفيدرالي أسعار الفائدة، هو يُبلغ السوق بأن «كلفة النقود» أو «كلفة الاستدانة» سترتفع، ما يفرض على الفاعلين الاقتصاديين تغيير أنماط استهلاكهم انسجاماً مع ارتفاع الكلفة عليهم لتسديد قروض السيارة والمنزل التي ستقضم حصّة أكبر من المداخيل، ما يعني إنفاقاً أقل وتراجعاً في الاستهلاك.
الهدف الذي يسعى إليه الفيدرالي، هو كبح الاستهلاك من خلال تقليل عرض كميات النقد المتاح للاستعمال في السوق. فخلال جائحة كورونا اتّبع الفيدرالي الأميركي سياسة نقدية توسعية أدّت إلى ضخّ كميات هائلة من الدولارات في السوق. وبالإضافة إلى حزم الإعانة التي سلمتها الحكومة الأميركية للمقيمين في الولايات المتحدة، أصبحت كلفة الاستدانة قريبة من الصفر ما أسهم في تحفيز الاستهلاك. وهذا كان هدف السياسات التوسّعيّة أصلاً. إنما مع تضخّم الكتلة النقدية المتاحة في السوق، وحدوث أكثر من خلل في سلاسل التوريد العالمية من ضمنها أزمة توريد أشباه الموصلات، وأزمة حاويات نقل البضائع، حصل خلل كبير بين العرض والطلب في الأسواق، ما أدّى إلى ارتفاع الأسعار. وبالتالي صار النقد المتاح للتداول عاملاً مغذياً لارتفاع الأسعار. لكن حصل إضافي في الأشهر الأخيرة غذّى هذا التضخّم أيضاً، ناتج من الحرب الروسية - الأوكرانية التي خلقت خضّة واسعة في سلاسل توريد الأغذية والأسمدة وكان لها انعكاسات واسعة على أسعار النفط والغاز حول العالم.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

الفيدرالي الأميركي، الذي يمثّل مدرسة اقتصادية لديها اتجاهات واضحة للتعامل مع هذا النوع من الأزمات وفق «قواعد» أو «وصفات» و«أدوات» محدّدة مسبقاً، لجأ إلى رفع الفوائد من أجل كبح الاستهلاك، ما يثير سؤالاً أساسياً عن مدى فعالية هذه الأدوات في مواجهة أزمات يتداخل فيها تضخّم الأسعار بالركود. والأمران ناجمان من أزمات عالمية، مثل جائحة كورونا بكل ما فرضته من إغلاقات وتقطعات في سلاسل الإنتاج والتوريد والاستهلاك أيضاً، والحروب في دول تنتج سلعاً أساسياً مثل القمح والشعير، ومواد أساسية لإنتاج أشباه الموصلات، فضلاً عن الأسمدة، وسيطرتها على جزء كبير من سلاسل توريد الغاز عالمياً... إذاً هل يقود الفيدرالي الركود التضخمي الأميركي نحو هبوط هادئ؟
قبل رفع الفوائد، روّج الفيدرالي الأميركي لخطواته اللاحقة عبر استخدام مصطلح «الهبوط الهادئ» (Soft Landing). إذ يُستخدم هذا المصطلح لوصف المرحلة التي تأتي بعد النموّ وتتّسم بانخفاض معدّلات النمو أو حتى بانعدامه إنما من دون أزمات واسعة. لذا، كان الهدف لجم التضخّم من خلال رفع أسعار الفائدة ولو أنه كان يدرك أن هذه الخطوة ستنعكس سلباً على النشاط الاقتصادي. المشكلة أن وعد لجم التضخّم لم يصدق بعد، بل إن معدلات التضخّم ما زالت مرتفعة قياساً على أرقام شهر حزيران الماضي، ويتوقّع أن يبقى مرتفعاً حتى في النتائج المرتقبة لشهر تموز الماضي. في المقابل ظهر أن الناتج المحلّي الأميركي عانى من انكماش في الفصلين الماضيين.
كان هدف الفيدرالي لجم التضخّم من خلال رفع أسعار الفائدة مع علمه أن رفعها سينعكس سلبياً على النشاط الاقتصادي


بات واضحاً أن الهبوط لن يكون هادئاً. فالانكماش الاقتصادي أمر متوقع إذ إن كبح الاستهلاك من خلال رفع أسعار الفائدة قد يكون له تأثير واسع في هذا المجال. لكن هناك مشكلة أخرى متصلة بنتائج رفع أسعار الفائدة، إذ إنها مؤشّر على انخفاض الاستثمارات في السوق بسبب ارتفاع كلفة الاستدانة التي تدفع الشركات إلى الإحجام عن الاستثمار في مشاريع إضافية، ما يسهم في انكماش الناتج أيضاً. ويترجم الأمر مستقبلاً في تراجع فرص العمل. فإذا كان أحد شواهد الإدارة الأميركيّة والفيدرالي على نجاح التعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا، هو عودة معدلات التوظيف إلى ما كانت عليه قبل الجائحة، فإنه في الأشهر القليلة الماضية سجل ارتفاعاً في عدد طلبات التأمين على البطالة، وهو مؤشّر إضافي إلى التراجع في الحركة الاقتصادية.