«القاعدة الأولى في وول ستريت: لا أحد، حتى و إن كنت المُستثمر وارين بافيت، أو جيمي بافيت... لا أحد يعلم إن كانت مؤشّرات السوق سترتفع أو تنخفض أو تدور حول نفسها... إنه غُبار سحري، أمرٌ لا وجود له، شيء لا يُمكن لمسه، شيء غير ماديّ غير موجود على جدول العناصر. إنه شيء غير حقيقي!»

من فيلم ذئب وول ستريت

الكل في حالة ترقب. هذه هي. هكذا ستبدأ الحرب العالمية الثالثة. كان يوماً كاسراً لروتين الكوكب المملّ؛ رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، تزور تايوان فجأة. زيارة لم تكن على جدول الأعمال. رئيس بلادها، جو بايدن، لم يكن يرغب في حصول هذه الزيارة، كما أعلن. والمتحدث باسم البنتاغون يكرّر على الإعلام أن أميركا تدعم سياسة الصين الواحدة. وتوماس فريدمان، في مقالته، لم يجد أي سبب يدفع بيلوسي للزيارة. عجيبٌ أمر هذه السيدة. وفي المناسبة، حظها يفلق الصخر كما يقال. زوجها يقوم بأنجح عمليات التداول في الأسهم. يبدو الأمر كأنهم على علم مسبقاً بما سيحصل في البورصة وأسعار الأسهم. أو أن هذا ما يحصل فعلياً؟
تداول الأسهم بناءً على معلومات داخلية (insider trading)، هو تداول من قبل أفراد لديهم إمكانية الوصول إلى معلومات سرية أو جوهرية غير متاحة للناس حول الشركة. وتعد الاستفادة من هذا الوصول المميز خرقاً للقانون. كما أن الكونغرس الأميركي، أقرّ قانوناً خاصاً في عام 2012 يدعى (stock act)، صُمّم لمكافحة التداول بناءً على معلومات داخلية. كما أن القانون يحظر استخدام المعلومات غير العامة لتحقيق أرباح خاصة، بما في ذلك التداول من الداخل من قبل أعضاء الكونغرس وغيرهم من الموظفين الحكوميين. ويطلب منهم الإفصاح عن أي تداولات في غضون 45 يوماً. بمعنى أنه لا يمكن لمشرّع أو سيناتور أميركي، أن يستخدم معلومات حصل عليها خلال جلسات سرية داخل الكونغرس، ويعلم أنه سيكون لها تأثير على أسعار أسهم شركات محدّدة، فيشتري الأسهم أو يبيعها (short) لتحقيق مكاسب مالية مضمونة مئة في المئة.
لكن دعنا من العالم المثالي الذي تحاول الرأسمالية حشره في عقولنا. فالفساد موجود في كل مكان. بما في ذلك مركز «العالم الحرّ». والقانون فشل في منع التداول. إذ بحسب مقال نشرته «نيويورك تايمز» مطلع العام الحالي، فإن إثبات حصول تجارة معينة نشأت عن معلومة معينة أمر صعب للغاية، لدرجة أن المدّعين لم يوجهوا أي اتهامات بناءً على القانون. كما أن عشرات أعضاء الكونغرس تجاهلوا شرط الكشف عن التداول، خصوصاً أن الغرامة القياسية لعدم الإبلاغ عن صفقة في الوقت المحدد هي 200 دولار فقط للمرّة الأولى. عملياً، لا رادع حقيقياً أمام هؤلاء.
ويكشف تقرير نشره موقع «ماركت واتش»، أن المشرعين الأميركيين تداولوا ما يقدر بنحو 355 مليون دولار من الأسهم خلال العام الماضي. حتى أن هناك موقعاً إلكترونياً اسمه: capitoltrades، لديه عمل وحيد وهو أن ينقل عمليات التداول التي يقوم بها ساسة واشنطن، إلى الناس كي يستفيدوا من تحركات أعضاء الكونغرس المالية. وكأنه روبن هود رقمي من نوع ما.
إذاً، هل يحصل زوج نانسي بيلوسي على معلومات داخلية تجعل العائلة من ذئاب «وول ستريت»؟ في الواقع، لدى هذه السيدة تاريخ طويل من العمل في السياسة. وكان لها لحظات إعلامية شهيرة، مثل تمزيق أوراق خطاب الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، وهي كانت تقف خلفه. ومن ثم بدأت التصفيق بشكل مسرحي ساخر. كما أن بيلوسي قد تبدو تائهة أحياناً خلال مؤتمراتها الصحافية، البعض يعزو ذلك إلى إدمانها على الكحول، والبعض الآخر يقول إنها أمور تحدث لشخص في مثل سنها، 82 عاماً. كل هذه الأمور وغيرها، جعلت من بيلوسي مادة دسمة لصناعة الـ«ميمز» (MEMEs) عند قبائل الإنترنت الأميركية. صانعو الـ«ميمز» كشفوا بأنه منذ أسابيع قليلة، وقبل أن يقرّ الكونغرس قانون دعم صناعة أشباه الموصلات محلياً بـ52 مليار دولار بشكل مباشر، اشترى بول بيلوسي (زوج نانسي)، 20 ألف سهم في شركة «انفيديا» الأميركية (واحدة من أكبر الشركات إنتاجاً لمعالجات الرسومات وبطاقات العرض المرئي وشرائح الكومبيوتر وأنظمة ألعاب الفيديو) في حزيران الماضي. إضافة إلى 5 آلاف سهم كان قد حصل عليها في تموز 2021. أي أنه اشترى أسهم شركة معنية بشرائح الكومبيوتر، قبل أيام من تصويت مجلس الشيوخ على الموافقة النهائية للتشريع الذي سيوفر نحو 52 مليار دولار من الدعم الحكومي لتوطين صناعة وإنتاج أشباه الموصلات في الولايات المتحدة. ومع انكشاف هذه المعطيات للعموم، اندفع بيلوسي إلى التخلّي، ومن دون تبرير، عن كل الأسهم التي اشتراها متكبداً خسارة تقدر بنحو 340 ألف دولار.
بهذه الخلفية، أثارت زيارة بيلوس إلى تايوان الكثير من التساؤلات حول خطوة آل بيلوس المقبلة. الكل كان يبحث عن رابط بين أكبر وأهم شركة لصناعة أشباه الموصلات الدقيقة في العالم، «تي اس ام سي» (TSMC) التايوانية، وبول بيلوسي. والأخير، لديه تداولات معلنة لأنه زوج نانسي، ولا يوجد فيها أي استثمار بأسهم «TSMC». إنما بعد التدقيق، تبين أن الثنائي يملكان أسهماً في «AllianceBernstein Holding L.P. (AB)»، والتي بدورها تملك أسهماً عديدة في «TSMC». و«AllianceBernstein» هي شركة عالمية لإدارة الأصول تقدم خدمات إدارة الاستثمار والبحث في جميع أنحاء العالم للمستثمرين من المؤسسات وأصحاب الثروات المالية العالية والمستثمرين الأفراد. واشترت بيلوسي 10 آلاف سهم منها في 28 شباط الحالي.

ربح بول بيلوسي 5.3 مليون دولار عام 2021 بعد تداوله بأسهم شركة «الفابت» - الشركة الأم لـ«غوغل» قبل أسابيع على تصويت اللجنة القضائية في مجلس النواب الأميركي على تشريع مكافحة الاحتكار


في الواقع، لم تكن هناك حاجة فعلية إلى ذهاب بيلوسي إلى تايوان. وعدا عن أن رحلتها كلفت دافعي الضرائب الأميركيين أكثر من 90 مليون دولار من أجل تأمين سلامتها، فإنها تعدّ مثالاً عن جني الأرباح فعلاً في عالم الأسهم والبورصة بالاستفادة من المعلومات الداخلية المسربة. هكذا هي حلقات النخب ومنظرو الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، يستغلّون مناصبهم الحكومية من أجل مؤشر أسهم في وول ستريت. فهي ليست المرّة الأولى التي يقوم بها الزوجان بيلوسي بهذا الأمر، إذ إنه بحسب «بلومبرغ»، ربح بول بيلوسي 5.3 مليون دولار عام 2021، بعد تداوله بأسهم شركة «الفابت»، الشركة الأم لـ«غوغل». وحصل ذلك في الأسابيع التي سبقت تصويت اللجنة القضائية في مجلس النواب الأميركي على تشريع مكافحة الاحتكار الذي يسعى إلى تقييد هذه الشركات بشدة. وفي إفصاح مالي وقعته نانسي بيلوسي في 2 تموز من العام الماضي، أبلغ زوجها عن شراء 4 آلاف سهم في «Alphabet»، بسعر قدره 1200 دولار، وأضاف عمليات شراء لأسهم في «أمازون» و«آبل». حقّقت له هذه التجارة مكاسب قدرها 4.8 مليون دولار، وارتفعت إلى 5.3 مليون دولار منذ ذلك الحين مع ارتفاع الأسهم. وانتهت الصفقة «قبل أسبوع واحد فقط» من قيام اللجنة القضائية بمجلس النواب بتقديم ستة قوانين لمكافحة الاحتكار، أربعة منها تستهدف «غوغل» و«أمازون» و«آبل» و«فايسبوك».



أهمّ صفقات آل بيلوسي 2021 - 2022
بحسب ياهو فايننس، فإن غالبية الصفقات التي صرّحت نانسي بيلوسي عن حصولها بموجب قانون التداول الذي يشمل أعضاء الكونغرس وعائلاتهم، تنطوي على ربح «مذهل» وفق التوصيف الوارد في تقرير ياهو. والسبب وراء هذا الربح المذهل، هو لحظة الاستثمار التي نفذتها بنجاح بين الانخراط في عملية الشراء بسعر قابل لتحقيق الربح الأكيد مستقبلاً. لا بل توصف استثمارات آل بيلوسي في السوق المالية، بأنها تتفوق على استثمارات أهم شركات التداول. وأبرز هذه الصفقات التي سجّلت في السنتين الأخيرتين، بحسب ياهو فايننس، هي على النحو الآتي:

«AllianceBernstein»
شراء 20 ألف سهم في 22 كانون الأول 2020
شراء 15 ألف سهم في 18 شباط 2021
شراء 25 ألف سهم في 23 شباط 2021
شراء 10 آلاف سهم في 27 كانون الأول 2022

«Alphabet Inc. - Class A»
شراء 4 آلاف سهم في 18 حزيران 2021

«Amazon»
شراء 20 ألف سهم في 21 أيار 2021

«أميركان إكسبريس»
شراء 5 آلاف سهم في 21 كانون الثاني 2022

«Micron Technology»
شراء 10 آلاف سهم في 21 كانون الأول 2021

مايكروسوفت (MSFT)
شراء 15 ألف سهم في 19 آذار 2021

«بايبال»
شراء 5 آلاف سهم في 21 كانون الثاني 2022

«تيسلا»
شراء 2500 سهم في 22 كانون الأول 2020

«فيزا»
بيع 10 آلاف سهم في 21 حزيران 2022

«آبل»
شراء 10 آلاف سهم في 21 كانون الثاني 2022.


نموذج الإنتاج
صناعة أشباه الموصلات هي عملية صعبة جداً. تحديداً الشرائح البالغة الصغر التي تدخل في صناعة الطائرات والغسالات والسيارات والأسلحة والحواسيب... هذه الصناعة اعتمدت على النموذج التالي: التصميم والهندسة والعمارة البرمجية للشريحة تأتي من الولايات المتحدة الأميركية. الإنتاج بغالبيته العظمى في آسيا، وتحديداً «TSMC» بينما الجهاز الذي ينتج أشباه الموصلات الدقيقة يأتي من شركة «ASML» الهولندية، فضلاً عن معادن وغازات نادرة من الصين وروسيا وأوكرانيا.


نحو إعادة التوطين في أميركا
في السنوات الأخيرة تعاظم قلق الولايات المتحدة من الاعتماد على هذا النموذج. خصوصاً مع تنامي فكرة إعادة ضم الصين لتايوان. دفعت هذه المخاوف أميركا إلى الضغط على «TSMC» لبناء منشآت تصنيع في الولايات المتحدة. وفي أيار عام 2020 ، وافقت الشركة على بناء مصنع بقيمة 12 مليار دولار في ولاية أريزونا لإنتاج أشباه موصلات بقياس خمسة نانومتر، وهو نوع عالي التقنية من أشباه الموصلات. وفي تقرير نشرته «واشطن بوست» قال أحد الأشخاص المطلعين على اجتماع بيلوسي مع «TSMC» في زيارتها، إن الشركة تدرس الآن توسيع خططها لبناء مصانع إضافية في الموقع. وبحسب مقابلة في حزيران ، قال الوزير التايواني وعضو مجلس إدارة «TSMC»، مينج هسين كونغ، إن وتيرة بناء الشركة في أريزونا ستعتمد على تمرير «قانون الدعم الفيدرالي»، الذي «وافق عليه الكونغرس الأسبوع الماضي». وأضاف أن إحدى العقبات التي تواجه «TSMC» في أريزونا أنه «لا يوجد عدد كافٍ من مهندسي أشباه الموصلات المدربين في المنطقة لتوظيف المنشأة». وقال إن الشركة بدأت في إرسال موظفين جدد إلى تايوان للتدريب، بما في ذلك المهنيين المهرة في أنواع أخرى من الهندسة. وكشف أن حوالى 250 شخصاً بدأو التدرّب بالفعل.