تنتشر العديد من المفاهيم الخاطئة حول الرأسمالية الإسكندنافية. فمن الشائع الاعتقاد بأنه نظراً إلى أن الدول الإسكندنافية طوّرت اقتصادات رأسمالية قوية، من دون حيازتها سابقاً لأي مستعمرات خاصة بها، فإنها تشكّل تفنيداً واضحاً للادّعاء بأن التطوّر الرأسمالي لا يمكن أن يحدث من دون الإمبريالية. هذه حجّة موجودة منذ عقود، لكنها تستند إلى مفهوم خاطئ، ليس فقط حول الدول الإسكندنافية ولكن قبل كل شيء عن الإمبريالية نفسها.

في الواقع، يمكن للمرء أن يقول أشياء إيجابية حول التنازلات التي انتزعتها الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية الإسكندنافية من الرأسمالية (رغم أن العديد من هذه الأنظمة مهدّدة في العصر الحالي للنيوليبرالية). لكن القول إن الدول الإسكندنافية تشكّل مثالاً على الرأسمالية غير الإمبريالية، يمثّل قراءة خاطئة تماماً للرأسمالية. ربما لم يكن لدى الدول الإسكندنافية مستعمرات في السابق، لكنها ركبت على ظهر إمبريالية القوى الأخرى سواء قبل أو بعد الحرب العالمية الثانية. دعونا نُلقِ نظرة على الترتيب الإمبريالي بشكل مفصّل.

انجل بوليغان ــ المكسيك

لا يحتاج كل بلد رأسمالي ناجح إلى إمبراطورية خاصة به. هناك نظام إمبريالي شامل يحدث فيه التطور الرأسمالي، والكثير من البلدان الرأسمالية المتقدّمة تستفيد من هذا النظام، حتى عندما لا يكون لديها أي إمبراطوريات خاصة بها. في ذروة الإمبريالية البريطانية، على سبيل المثال، كانت السوق البريطانية مفتوحة أمام البضائع القادمة من القارّة الأوروبيّة. لم يكن على الأخيرة أن تجد أسواقاً خاصة بها لأنه كان بإمكانها الدخول بحُريّة إلى السوق البريطانية لبيع بضائعها. وقد نجحت أوروبا في القيام بذلك لأن «البداية المبكرة» لبريطانيا جعلت إنتاجية العمل لديها أقل مما كانت عليه عند الدول الصناعيّة الجديدة، وبالتالي جعلت كلفتها الإنتاجيّة أعلى. وبالمثل، استخراج الإمبريالية البريطانية للمواد الأولية من مستعمراتها، وشبه مستعمراتها، سهّل وصول أوروبا وغيرها من البلدان الرأسمالية الأخرى إلى هذه الموادّ، من دون أن تضطر هذه الدّول إلى اتخاذ ترتيباتها الخاصّة للحصول على مثل هذه الإمدادات.
هذا دور تؤدّيه جميع البلدان الإمبريالية الرائدة في أي وقت. إنه مكوّن أساسي من دورها القيادي، الذي يسمح بانتشار الرأسمالية إلى البلدان المنافسة، وبالتالي لا يثير أي تحدٍّ جدّي لقيادتها من جانب الدول الصناعية الجديدة. يمتصّ «القادة» البضائع من القوى المنافسة المنخرطة في تطوير رأسمالياتها الصناعية الخاصة، وفي الوقت عينه يتجنّبون الدخول في عجز غير مستدام في الحساب الجاري من خلال الترتيب الإمبراطوري. تجنّبت بريطانيا مثل هذه العجوزات من خلال «الاستنزاف» الذي فرضته على مستعمراتها.
كانت الولايات المتحدة، التي خلفت بريطانيا في ريادة العالم الرأسمالي، تفتقر إلى ممتلكات استعمارية من النوع الذي كانت تمتلكه بريطانيا. لكنها تمكنت من إدارة عجز حسابها الجاري عن طريق طباعة الدولارات - العملة التي تقرّر في نظام بريتون وودز أنها «في نفس جودة الذهب» (كون النظام جعلها قابلة للتحويل إلى الذهب بسعر 35 دولاراً للأونصة). حتى في وقت لاحق، بعد انهيار اتفاقية بريتون وودز، تم قبول الدولارات بحكم الأمر الواقع على أنها «بنفس جودة الذهب» من قبل أصحاب الثروات في العالم، الذين لم يترددوا في التمسك بها.
باختصار، الدولة الرأسمالية الرائدة تدعو العالم الرأسمالي بأسره للركوب على أكتافها. صحيح أن بعض الدول المتقدمة قد تجد هذا الأمر مقيِّداً لها وتحاول إنشاء إمبراطوريات خاصة بها، لكنّ الدول التي لا تفعل ذلك، مثل الدول الإسكندنافية التي لا يمكن اعتبارها تبني رأسمالية خاصة بها من دون أي لجوء إلى الإمبريالية. فهي تحصل على فوائد إمبريالية القوة الرأسمالية الرائدة.
هناك نقطتان إضافيتان يجب ملاحظتهما هنا؛ أولاً، تتمتع القوى الرأسمالية المنافسة الناشئة بحريّة الوصول إلى سوق الدولة الرأسمالية الرائدة، حتى عندما تفرض هي نفسها تعرفات جمركية في أسواقها للحد من الاستيراد، بما في ذلك من الدولة الرأسماليّة الرائدة. فعلى سبيل المثال، فرضت ألمانيا والولايات المتحدة تعرفات جمركية في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى لتطويق أسواقهما الوطنية لعواصمهما، حتى أثناء الوصول إلى السوق البريطانية. كان عدم التناسق هذا هو الذي سمح لها بالتصنيع رغم «الانطلاقة المبكرة» التي حصلت عليها بريطانيا. وينطبق الشيء نفسه على البلدان الأخرى في أوروبا. ثانياً، لم يكن لهذه القوى المنافسة فرصة للوصول إلى السوق البريطانية فحسب، بل أيضاً إلى أسواق المستعمرات البريطانية، على الأقل حتى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
أُدخل «التفضيل الإمبراطوري» في فترة ما بين الحربين إلى المشهد. وهو عبارة عن فرض بريطانيا تعرفات تفاضلية، أي تعرفات أعلى على السلع المنتجة خارج الإمبراطورية البريطانية مقارنة بالسلع المنتجة داخل الإمبراطورية. هذا الأمر كان بمثابة قطع للعلاقة غير المتناسبة بين الإمبراطوريّة البريطانيّة والدول الرأسماليّة الناشئة المنافسة. لقد تم تصميم نظام التعرفات هذا بشكل أساسي لمواجهة الدفع الياباني الكبير للاستيلاء على أسواق المستعمرات الآسيوية البريطانية. ولكن رغم أن اليابان كانت الهدف الرئيسي «للتفضيل الإمبراطوري»، فإن التعرفات التفاضلية كانت تعني تغييراً عاماً في النظام الإمبريالي. وقد كانت سبباً عارضاً للتنافس الذي اندلع بين الإمبرياليين خلال الكساد الكبير. التوسع الاقتصادي الياباني أزعج ترتيبات ما قبل الحرب العالمية الأولى، فأحبطته الإجراءات الدفاعية لبريطانيا، ليتحوّل إلى توسّع عسكري. قبل ذلك، كانت الأسواق الاستعمارية البريطانية منفتحة على البضائع، ليس فقط من بريطانيا، ولكن أيضاً من القوى الرأسمالية المنافسة، بما فيها اليابان.
هكذا، إن تطور الرأسمالية الإسكندنافية، رغم حقيقة أن الدول الإسكندنافية لم تكن لديها مستعمرات خاصة بها، لا يُعدّ دحضاً لضرورة الإمبريالية لنموّ الرأسمالية. إنه يؤكد فقط تعقيد الترتيب الإمبراطوري. ويترتب على ذلك أن الدول الإسكندنافية لها نفس القدر من الاهتمام بالحفاظ على الترتيب الإمبريالي مثل أي دولة رأسمالية كبرى أخرى. ليس لأسباب سياسية فقط، مثل أن انهيار الترتيب «الأمني» الإمبراطوري يجعل بقاء الرأسمالية في أي بلد متقدم أكثر صعوبة من خلال تشجيع تطويقها السياسي. بل إن هذا الترتيب هو ضرورة اقتصادية، لضمان توفر مجموعة كاملة من السلع الاستوائية وشبه الاستوائية غير القابلة للإنتاج في العاصمة الرأسمالية، والتي ستتعطّل إمداداتها مع إضعاف الترتيب الإمبراطوري.
فوجئ الكثيرون، أخيراً، بقرار السويد وفنلندا التقدّم بطلب للانضمام إلى الناتو، وما ورد عن استعدادهما للدخول في اتفاق مع تركيا للتغلب على اعتراض الأخيرة على عضويتهما. لا شكّ بأن حرب روسيا مع أوكرانيا قد وفّرت الخلفية المباشرة التي عبّرتا على أساسها عن رغبتهما في الانضمام إلى الناتو، لكن تغيير موقفهما يدل على شيء أعمق، وهو التحوّل الأساسي الذي يحدث في العالم الرأسمالي.
الإمبريالية الغربية تنهار تحت تأثير الأزمة الطويلة التي دخلت فيها النيوليبراليّة


الحجة التي قدّمتها الإمبريالية لشرح التغيّر في موقف هاتين الدولتين، تركّز على التهديد الذي يشكله «التوسّع الروسي». لكن هذه الحجة لا تصمد بعد التدقيق فيها. فحتى لو افترضنا أن روسيا عازمة على أن تكون «توسّعية»، فقد افتُرض حتى الآن أن «توسّعها» يغطي الأراضي التي كانت ذات يوم جزءاً من الاتحاد السوفياتي، فيما لا السويد ولا فنلندا تندرجان ضمن هذه الفئة. بالإضافة إلى ذلك، فإنه في ذروة الحرب الباردة، عندما كانت القوى الأوروبية تبكي بصوت عالٍ بسبب شبح التهديد السوفياتي، وكانت الشعوب الأوروبية تتعرض للقصف اليومي من قبل مناهضي السوفياتية، ظلت هاتان الدولتان بعيدتين عن الناتو. فلماذا إذاً تتقدّمان فجأة بطلب للحصول على عضوية الناتو الآن، بعد أن انهار الاتحاد السوفياتي، وعندما انحسر التحدي الإيديولوجي للهيمنة الإمبريالية؟
تكمن الإجابة في حقيقة أن الإمبريالية الغربية تنهار تحت تأثير الأزمة الطويلة التي دخلت فيها النيوليبراليّة. إن التعرض لأزمة طويلة الأمد يهدّد هيمنة الإمبرياليّة الغربيّة. يبدو أن العالم على أعتاب تغيير تحاول القوى الغربية جاهدة منعه، من خلال اتخاذ موقف شديد العدوانية. الخوف من هذا التغيير الوشيك، مع تراجع الهيمنة الغربية وظهور الصين وروسيا كمركزين بديلين للقوة، هو الذي يربط الدول الغربية معاً كما لم يحدث من قبل، بما في ذلك حتى الدول الإسكندنافية. لذلك، فإن التغيير في موقف الدول الإسكندنافية، بعيداً عن إظهار عدوانية روسيا المفرطة، هو أحد عوارض العدوانية المفرطة للقوى الغربية في وضع تتعرّض فيه هيمنتها للتهديد بسبب غرقها في أزمة اقتصادية طويلة الأمد.

* هذا المقال نُشر على موقع www.networkideas.org في 18 تموز 2022