ترجمة وتقديم: محمد الخضيري

إثر موت أمه في خريف 1977، انطلق رولان بارت (1915-1980) في حمى كتابة تدوينات، يخطُّ فيها أثر فقدانها، مختبراً مقدار الألم عبر الكلمات. لكن هذه التدوينات (1977- 1979) لم تكن منذورة للنشر، ولم يحدث أن طبعت إلا في عام 2009. أثار نشر هذه الوثيقة الحميمة عن اليُتم، الكثير من الجدل في الأوساط الثقافية الفرنسية، إذ اعتبر البعض نشرها تعدياً على حميمية الكاتب.

بدأ بارت كتابة هذه اليوميات، مباشرة بعد وفاة أمه، وعلى الرغم من أنه كان قد بلغ الستين، إلا أن حادث وفاة الأم شكل شرخاً في ذاته. تبدأ الكتابة لاهثة. بجمل قصيرة، مضطربة، مفككة، وذات معنى منغلق أحياناً، ثم تمتد لترصد يومياته. وكأنه يكتشف الموت لأول مرة. كتابة مهدت أمامه الطريق للتفكير في موته الشخصي، الذي صار أمراً قابلاً للتحقق، ولم يطلْ إذ رحل بعد ثلاث سنوات على وفاة أمه. الحداد هنا، ومعه مرارته، يتخذ مكانه في اكتئاب اليومي. يصير إشباع الحاجات الاعتيادية، كالذهاب إلى المخبز، مبرراً آخر لفعل البكاء. وهنا تشكل يوميات الحداد علامة على الحساسية المفرطة للعاشق الأبدي رولان بارت. في ما يلي مقاطع مختارة من يومياته:

26 أكتوبر 1977

ليلة العُرس الأولى
لكن ليلة الحداد الأولى؟

27 أكتوبر 1977

- لم تعرف جسد المرأة!
- عرفت جسد أمي سقيماً، ثم وهي تحتضر.

27 أكتوبر

كل صباح، حوالى السادسة والنصف، خارجاً في الليل، كانت جلبة حاويات القمامة.
تتلفظ بارتياح: أخيراً انتهى الليل (أمر شنيعْ، تألَّمت في الليل، وحيدة).

■ ■ ■



ما أنْ يهلك كائن، بناءٌ محمومٌ للمستقبل: (تغيير الأثاث، إلخ ..): هوس المستقبل.

27 أكتوبر

من يدري؟ ربما بعض الذهب ضمن هذه التدوينات؟

27 أكتوبر

- س. س: سآخذ بيدك، سأجعلك تتّبع علاجاً من الهدوء
-ر. ش: منذ ستة أشهر كنتَ مكتئباً، لأنك كنت تعلم. حداد، اكتئاب، عمل، إلخ - على الرغم من هذا بلباقة، على عادته.
غضب. لا، الحداد (الاكتئاب) هو شيء آخر عدا المرض. مِمَّ يُراد لي أن أشفى؟ كي أجد أي حال، أية حياة؟ إذا ما كان هناك من عمل، فإن من سيتمخّض عنه لن يكون كائناً مسطحاً، بل سيكون كائناً معنوياً، موضوعاً للقيمة – لا للاندماج.


27 أكتوبر

يخمّن الجميع - أحس بالأمر - درجة شدة الحداد. لكن من المستحيل (علامة سخيفة، متناقضة) قياس مدى إصابة الواحد به.


27 أكتوبر

- «أبداً مرة أخرى، أبداً مرة أخرى!».
- مع ذلك تناقضْ: هذه الـ«أبداً مرة أخرى» ليست أبدية لأنكم بأنفسكم ستموتون يوماً ما.
«أبداً مرة أخرى» عبارة للخالدين.

28 أكتوبر

ننقل جثة مام. من باريس إلى أورت. (رفقة ج. ل. والمكلف بالنقل): توقف من أجل الغداء في حانة صغيرة شعبية، بسوريني (تأتي بعد مدينة تور). يلتقي الناقل «زميلاً» (شحن جثة إلى هوت - فيين) ويتناول الغداء معه. أتمشى بضع خطوات مع جون لوي على طرف الساحة (قرب النصب التذكاري المريع للموتى). أرض واطئة، رائحة المطر، لا بروفانس البائسة. وعلى الرغم من ذلك ما يشبه رائحة الحياة (بسبب الرائحة العذبة للمطر)، بداية الانعتاق؟ كما لو أنها خفقانٌ وجيز.

29 أكتوبر

أمرٌ غريب. صوتها الذي كنت أعرف جيداً، الذي نقول إنه بذرة الذكرى بذاتها (النبرة العزيزة..)، لا أسمعه. كما لو أنه صممٌ موضعي.

29 أكتوبر

في الجملة: «إنها لم تعد تتألم»، لماذا، لمن تحيلُ «الهاء»؟ ما الذي يرغب في قوله هذا المضارع؟

29 أكتوبر

فكرة - مدهشة ولكن غير مؤسفة - أنها لم تكن «كل شيء» لديّ. وإلا لم أكن لأكتب أعمالاً. منذ أن شرعت في علاجها، قبل ستة أشهر، كانت فعلاً «كل شيء» بالنسبة لي، ونسيت كلياً أنني كتبت. صرت كلياً لها. قبل ذلك كانت تجعل من نفسها شفافة كي أتمكن من الكتابة.

29 أكتوبر

وأنا أكتب هذه الملاحظات، أُفصح عن مكنوني للابتذال الذي بداخلي.

29 أكتوبر

الرغبات التي راودتني قبل موتها (خلال مرضها) لا يمكن أن تكتمل الآن، لأن هذا يعني أن موتها هو الذي مكّنني من إتمامها – أن موتها قد يكون بشكل ما محرراً لرغباتي. لكن موتها غيّرني، فلم أعد أرغب في ما كنت أرغب فيه. يجب الانتظار – على فرض أنه قد يتحقق هذا - إلى أن تتشكل رغبة جديدة، رغبة ما بعد موتها.

29 أكتوبر

قياس الحداد: (لاروس، ميمينتو): ثمانية عشر شهراً للحداد على الأب، على الأم.

29 أكتوبر

في أورت: حزين، وديع، عميق (بلا تشنّجات)

30 أكتوبر

.. أن لا يدمرني هذا الموت كلياً، يعني بشكل قاطع أنني أرغب في العيش بشكل مفتون، حد الجنون، وبالتالي خوفي من موتي الشخصي لا يزال حاضراً، ولم يتزحزح شبراً واحداً.

29 أكتوبر

كثيرون لا يزالون يحبونني، لكن من الآن فصاعداً لن يَقتُلَ موتي أحد.
- وهنا جِدّة الأمر.
(ولكن ميشيل؟)

31 أكتوبر

الاثنين، الثالثة بعد الزوال: أعود وحيداً للمرة الأولى إلى الشقة. كيف سيمكنني أن أعيش هنا وحيداً. وبالموازاة مع ذلك يقينُ أنه لا لايوجد مكانٌ لتغييرها.

31 أكتوبر

جزء مني يسهر في اليأس، وبالموازاة معه يتخبط جزءٌ آخر لتوضيب بعض أغراضي عديمة الجدوى ذهنياً. أحس هذا كما لو كان مرضاً.

31 أكتوبر

أحيانا، بعجالة، تحدث لحظةُ بياض – كما لو من عدم الإحساس- ليست لحظة نسيان. هذا يرعبني.

31 أكتوبر

بديهة جديدة، غريبة، لرؤية قبح أو جمال الناس (في الشارع).

2 نوفمبر


(أمسية رفقة ماركو)
أدرك الآن أن حدادي سيكون فوضوياً.

3 نوفمبر

من ناحية، تطلُبُ مني كل شيء، كلَّ الحدادِ، مُطْلقَهُ ( لكن ليست هي، بل أنا من أدفعها لتطلب مني هذا). ومن جهة ثانية (بأن تكون هي تماماً) تنصحني بالخفة، الحياة، كما لو أنها لا تزال تقول لي: «لكن اذهبْ، اخرجْ، رفِّهْ عن نفسك».

4 نوفمبر

هذه الليلة، للمرة الأولى، حلمت بها، كانت ممددة، لكنها ليست مريضة على الإطلاق، في قميص النوم الوردي من ماركة uniprix ...

5 نوفمبر

ظهيرة حزينة. تبضّع سريع. لدى صاحب المخبز (أمرٌ غير مجدٍ) أشتري حلوى كيك. تقول النادلة الصغيرة وهي تلبي طلبية زبونة: ها هو. هي الكلمة التي كنت أقول وأنا أحضّر شيئاً ما لأمي حين كنت أعالجها. مرة، حين اقتربت النهاية، ردّدت وهي نصف واعية: ها هو. (أنا هنا، كلمة أخبرنا بها بعضنا البعض كل الحياة).
كلمة النادلة هاته أفاضت الدموع في عينيّ. بكيتُ مطولاً (بعد عودتي إلى الشقة الكاتمة للصوت).
هكذا يسعني أن أدرك حدادي.
ليس مباشرة في الوحدة، الإمبريقية، إلخ. أتصرف هنا بنوع من الدِّعة، والتحكم. يبدو أنه يجعل الناس يظنون أنه ينتابني أسى أقل مما يعتقدون. إنه هنا حيث تتمزق علاقة الحب مجدداً، في عبارة «كنا نحب بَعْضَيْنا». من النقطة الأكثر إحراقاً إلى النقطة الأكثر تجريداً.