رغم أنّ الفضاء الروائي لـ»ربيع بزاوية مكسورة» (1984) للأورغواياني ماريو بينيدتي (1920-2009) الصادرة باللغة العربية (دار نينوى، دمشق - ترجمة علاء شنانة) يدور حول السجن، وتحديداً السجن السياسي، غير أنّ هواة التصنيف لن يعثروا في هذه الرواية على ما يمكّنهم من تصنيفها تحت خانة أدب السجون. بينيدتي اختار الابتعاد عن وصف عالم السجون، وأساليب التعذيب، التي لطالما أغرت الأدباء، وتحديداً العرب، بمقاربتها ووصفها بدقّة حتى غدت مادّة منفّرة للكثير من القرّاء. ورغم أنّ سانتياغو ـ بطل بينيدتي ـ أمضى في سجنه، كمعتقل سياسي، خمس سنوات وشهرين وأربعة أيّام، غير أننا لم نعرف عن تفاصيل حياته داخل السجن سوى ما يفكّر به. وعلى غرار كتاباته، القليلة المترجمة إلى العربية، رغم غزارة إنتاجه وأهميته، لم يبدُ بينيدتي معنياً بتوصيف آلام آنيّة تتشابه لدى كلّ المعتقلين.


راح يغوص في أعماق أبطاله، حتّى تلاشت الحدود بين السجن والحياة خارجه، لتتحوّل الحياة برمّتها إلى سجن كبير، حيث آثار الاعتقال لن تقتصر على جسد السجين، بل ستتعدّى ذلك إلى أناس يرسمهم بينيدتي كامتداد لبطله خارج القضبان. هذا الأمر استدعى منه استخدام تقنيات سرديّة متنوعة، وعبر مستويات تعدّدت على عدد شخوصه، مقسّماً روايته إلى مقاطع قصيرة عنونها بعناوين فرعية تحت عناوين رئيسة تكرّرت بما يشبه لازمة موسيقيّة يبتدئ بها كلّ مقطع، لتمضي شخوص الرواية في سرد حكايتها، كلّ منها بصوتها الخاص، ووفق زاوية رؤية مغايرة لما يراه الآخرون. يمضي القارئ متنقّلاً بين السجن والمنافي، من دون أن يغفل بينيدتي دوره كراوٍ يحضر في مقاطع منفصلة ليقصّ حكايات أناس التقاهم مصادفة في منافيهم. ورغم أنّ هذه الحكايات تبدو خارجة عن سياق الرواية، إلّا أنّها أتت بمثابة جسر يصل الحكاية المفترضة بواقع استمدّت منه. ينتقل بينيدتي في «ربيع بزاوية مكسورة» بين أصوات رواته برشاقة. بينما تتسم لغة سانتياغو، وهو يتحدّث من داخل السجن، بالوجدانية والشاعريّة، نجد أنّ لغة زوجته غراثيللا أكثر واقعيّة وجديّة، حتى لتبدو مجرّدة من العاطفة، في قراءة بالغة الدقّة من قبل الراوي للفرق بين الحياة خلف الجدران والحياة خارجها، وإن كانت في المنفى. يقول سانتياغو في إحدى رسائله إلى زوجته: «عندما يكون المرء مضطراً لأن يكون جامداً بدون إمكانية إلا أن يكون كذلك، فمن المذهل الحركة الفكرية التي يمكن أن يمتلكها.

أسئلة الحرية، والإنسان، والمنفى، والربيع
بإمكانه توسيع الحاضر كما يحلو له، أو ينطلق نحو المستقبل بسرعة مدهشة، أو العودة للخلف، وهو أكثر الأمور خطراً. لأن الذكريات ترصدنا هناك، كل الذكريات، الجميلة، العادية والبغيضة. هناك هو الحب، أي أنتِ، الوفاءات الكبيرة، وأيضاً الخيانات الكبيرة. هناك ما كان المرء يرغب بعمله، ولم يقم به. وأيضاً ما كان بالإمكان أن لا يعمل وعمله.» وفي مقابل ذلك، تعترف غراثيللا لصديقتها: «المشكلة بأنّ الانفصال القسري جعل منه شخصاً حنوناً أكثر. وفي المقابل أنا أكثر قسوة. لأقول لك بكلمات بسيطة. مع الوقت أشعر أني بحاجة أقل له»، إذاً فبينيدتي يلاحق التغيرات النفسية التي أصابت شخوصه جرّاء حضور السجن في حياتهم كواقع. وبينما يزداد السجين ارتباطاً بذاكرته وبالأشخاص الذين تركهم وراءه (زوجته، ابنته، والده، صديقه) فإنّ زوجته تعيش ازدواجيّة عاطفيّة بين ارتباطها به، والحياة التي عليها أن تمضيها وحيدةً، وبالتالي تشعر بالابتعاد عنه، والانجذاب إلى صديقه المقرّب إليهما. العلاقة المتطوّرة بهدوء مدروس بين غراثيللا ورونالدو تنتفي عنها صفة الخيانة حين يسرد بينيدتي تفاصيلها بحرفيّة، دون الوقوع في مطبّ الميلودراما. أسئلة قديمة متجدّدة يخوض فيها بينيدتي في هذه الرواية. أسئلة تتعلّق بالحرية، والإنسان، والمنفى، والسجن، والربيع (ما قبل الربيع العربي بكثير)، الربيع الذي سعى إليه سانتياغو، ودفع ثمن سعيه من دون أن يفقد الثقة به، رغم أنّه ربيع بزاوية مكسورة كما يقول.
أمام هذه الرواية، لا بد من الوقوف عند ملاحظتين مهمتين: الأولى تتعلّق بمترجم العمل الذي كان أميناً على المفردة، لكنّه كان خائناً للرواية، فجاءت ترجمته ركيكة أفقدت النصّ روحه الأصليّة. وهنا تستوقفنا الملاحظة الثانية التي أضافت إلى خيانة المترجم خيانة من نوع آخر يتحمّل مسؤوليتها الناشر، وهي الأخطاء النحويّة والمطبعية التي غصّت بها الرواية. وهنا سيفقد الناشر ما كان يمكن أن يحسب له باختياره لهذه الرواية لنقلها إلى لغة الضاد، ليغدو متّهماً مع المترجم بارتكاب جريمة بحقّ رواية يستحقّ قارئ العربيّة أن يطّلع عليها بشروط أفضل بكثير.