عندما فازت واحدة من قصصي الأولى، وكانت بعنوان «صورة أبي»، بجائزة أفضل نصّ أدبيّ كان يمنحها برنامج «هواة الأدب» في الإذاعة الوطنيّة التونسيّة، ظننت أن الأدب سيكون مستقبلي. لذلك كتبت في دفتري: «أعتقد أنه لن يعنيني مستقبلاً شيء آخر في الحياة غير الأدب... وأملي أن أكون ذات يوم نجيب محفوظ أو الطيب صالح!». وقتها، كنت في الثامنة عشرة من عمري. والمبلغ الذي حصلت عليه سمح لي بشراء كتب كان من العسير عليّ الحصول عليها قبل ذلك.


من بين هذه الكتب رواية جيمس جويس «صورة الفنان شابّاً». التهمتها بسرعة. كما التهمت رواية فلوبير «التربية العاطفيّة». حال انتهائي من قراءتهما، وجدتني مفتوناً بهما، راغباً في أن أكتب ذات يوم رواية أروي فيها جوانب من سيرتي كفنان شاب قادم من الريف الفقير الى العاصمة حيث «الصخب والعنف»، بحسب عنوان الرواية الشهيرة للكاتب الأميركي وليم فوكنر. لكن حال دخولي الى الجامعة، انصرفت عن الأدب لأنشغل بالسياسة، منجذباً مثل أغلب أبناء جيلي في ذلك الوقت الى الأفكار الماركسية واليساريّة. وتحت تأثير ذلك، رحت ألتهم كتب ماركس، ولينين، وتروتسكي، وماوتسي تونغ، وغير ذلك من الأدبيّات الشيوعيّة. ولم أعد أقرأ من الروايات إلا ما يستجيب الى ميولي الإيديولوجية الجديدة مثل «الوضع البشري»، و«الأمل» لأندريه مالرو، و«طريق التبغ» لآرسكين كالدويل، و«عناقيد الغضب» لجون شتاينبيك، و«الأم» لمكسيم غوركي. بل أحياناً كنت أجبر نفسي على قراءة روايات تافهة لكي أرضي نوازعي الايديولوجيّة فقط لا غير.
وكنت في الثالثة والعشرين من عمري حين خضت تجربة سيكون لها تأثير هائل في حياتي وأفكاري. فقد قمت مع مجموعة صغيرة من الشبان بتوزيع مناشير في مدينة بنزرت في أقصى الشمال التونسي تحرّض على التظاهر ضد النظام، وضدّ الرئيس بورقيبة الذي كان يتهيأ للقيام بزيارة الى المدينة المذكورة. وفي الليلة التي قمنا فيها بتوزيع المناشير، تمّ القبض علينا لنجد أنفسنا صبيحة اليوم التالي في أقبية «سلامة أمن الدولة». هناك، أمضينا شهراً كاملاً ذقنا فيه من العذاب ما جعلنا نندم على ما فعلناه. بعدها تمت محاكمتنا. وكان نصيبي عامين سجناً. غير أن الرئيس بورقيبة سرعان ما عفا عنا، مستجيباً لنداء حارّ وجهتُه إليه من خشبة مسرح قرطاج الروماني الفنانة اليسارية جون بايز، وفيه رجته إصدار عفو عن الطلبة المسجونين! عليّ أن أشير إلى أنني شرعت في مراجعة أفكاري وتوجهاتي وأنا في الزنزانة حيث القمل والفئران والروائح الكريهة. والكتاب الوحيد الذي كان يخفّف من وطأة محنتي هو «أناشيد مالدورور» للوتريامون. غير أن تلك المراجعة تطلبت مني جهوداً مضنية، وسنوات عديدة عشت فيها آلام البطالة وأوجاعها ومهاناتها. وفي نهايتها، وجدتّ نفسي على وشك الانهيار العصبي. ولم ينقذني من ذلك غير الأدب. فقد عدتّ الى الكتابة وأنا في الثامنة والعشرين من عمري. وفي قريتي في أحراش القيروان في وسط البلاد، أنجزت مجموعتي القصصية الأولى «حكاية جنون ابنة عمّي هنيّة» مستوحياً أجواءها وعوالمها من حياة أهلي من الأحياء والأموات. ولمّا حصلت على جواز سفري خلال «الربيع الديمقراطي» القصير الذي عاشته تونس مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، تركت بلادي غير آسف لأعيش تجربة المنفى الاختياري على امتداد ما يزيد على عشرين عاماً. متنقلاً بين المدن والعواصم الأوروبية في بداية هجرتي، لم أكن أفعل شيئاً آخر غير القراءة، مكتشفاً كتّاباً جدداً من جميع أنحاء العالم، ومتردّداً على المتاحف الكبيرة، ومستمعاً الى الموسيقى القديمة والحديثة، ومتعرفاً على الثقافات واللغات وأحوال الناس وتاريخ البلدان. وكلّ هذا ساعدني في تعميق تجربتي، وفي التحاور مع نفسي ومع العالم من حولي، متخلّصاً من العوائق الإيديولوجيّة، ومن الأوهام اليسارية التي وسَمَتْ حياتي في فترة الشباب الأولى. وفي ميونيخ، حيث استقرّ بي المقام عام 1985 بعد تيه طويل، شرعت أكتب يومياً تقريباً، ملقياً في صندوق المهملات ما لم يرق لي في اليوم التالي. وكانت الأعمال الكلاسيكية لكبار الكتاب العرب، خصوصاً الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي، وأيضاً كتب المؤرخين والرحالة القدماء من أمثال ابن بطوطة وابن جبير خيرَ معين لي لابتكار لغة سلسة، من ذلك الصنف الذي يسمونه «السهل الممتنع».

ما يفسّر إقبال القراء على روايتي أنها شكّلت وثيقة مهمة ومتميّزة عن جيل السبعينيات التونسي الذي حلم كثيراً، غير أن أحلامه سرعان ما ذوت وتحطمت
وشيئاً فشيئاً، بدأ يتبلور في ذهني مشروع رواية عن سيرتي في فترة الشباب، وعن أحلام وأوهام أبناء جيلي الذين كانوا يطمحون الى تغيير العالم، فإذا بهم يجدون أنفسهم في النهاية محطمين تمزقهم خيباتهم المرّة، ملقيةً بهم في مهاوي اليأس والقنوط. والبعض منهم ماتوا وهم في عزّ الشباب بسبب أمراض خطيرة أصيبوا بها في السجن، أو وهم يعيشون أوضاعاً مزرية بسبب البطالة والتشرّد. آخرون ارتدّوا عن الأفكار والنظريات الثورية التي كانوا متعلقين بها، ليصبحوا مضادّين ومعادين لها. فقط قليلون منهم حافظوا على ما يسمونه بـ «النقاوة الايديولوجية».
ذات فجر، استيقظت، فإذا بميونيخ مغطاة بالثلوج. أبهجني المشهد فشرعت في كتابة روايتي الأولى «هلوسات ترشيش». وترشيش هو الاسم القديم لمدينة تونس قبل الإسلام. والجملة التي افتتحت بها روايتي كانت: «خان أجداده البدو في كلّ شيء إلّا في الترحال والتيه...». وفعلاً هذا ما فعله ياسين، الشخصيّة الرئيسيّة في الرواية. هو يترك وطنه اختيارياً، وينفصل عن عائلته وعن أهله وعن قريته المهملة في الصحراء ليعيش الترحال والتيه عبر أوروبا بحثاً عن هويّة جديدة، تساعده في القطع مع أجداده القدماء الذين كانوا مجبرين على التنقّل بين مناطق مختلفة بحثاً عن المراعي، وفراراً من القحط الذي يتهددهم طوال الوقت. وبعد أن يتعب، وتظهر شعرات بيضاء في مفرقيه يعود الى بلاده محطّماً يائساً ليجد أصدقاءه في الوضع نفسه. أما صديقه، الشاعر الألمعي، فقد انتحر بعدما عاين أن حياته ليست غير سلسلة من الأوهام والأحلام المهشّمة، وأن الأفكار الظلاميّة التي تدعو الى العودة الى الماضي، وتنشر الفتاوي الصفراء هي التي باتت تتحكم في المجتمع، وتحدّد مصير مواطنيه. وفي النهاية، يقرّر ياسين العودة الى قريته. غير أنه لا يكمل رحلته اليها. وفي فلاة مقفرة، ينزل من الحافلة، ويمكث في الصحراء التي كان الليل قد بسط عليها ظلمته!
صدرت «هلوسات ترشيش» عن دار «توبقال» المغربيّة عام 1995. وفي «معرض تونس للكتاب» في السنة المذكورة، كما في السنة التالية، كانت على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً. ولعلّ ما يفسّر إقبال القراء عليها، وإعجاب النقاد بها، أنها شكّلت وثيقة مهمة ومتميّزة عن جيل السبعينيات التونسي الذي حلم كثيراً، غير أن أحلامه سرعان ما ذوت وتحطمت. أما على المستوى الفنّي، فقد أشار النقاد إلى تمرّسي في الأساليب الفنيّة الحديثة، والى ابتكاري للغة سرديّة متعدّدة النغمات، وخالية من الفخامة اللغويّة. وعندما ترجمت الرواية الى اللغة الألمانيّة، حصلت على جائزة «توكان» التي تمنحها مدينة ميونيخ لأفضل كتاب. وكان ذلك عام 2000. وفي تقريرها، أشارت اللجنة إلى أن الرواية مثّلت وثيقة فنية مهمة للتعرف إلى جوانب من التاريخ التونسي المعاصر من خلال جيل تحطّمت أحلامه وآماله أمام واقع سياسي واجتماعي وثقافيّ قاس ومرير.