«بينجارا»

ضاحية ميتة تماماً، كلها هضاب إسمنتية صغيرة، يدفنون تحتها الموتى مع الويسكي. جارنا الشاب شرطي أحمر الخدين وقصير، وزوجته ألمانية فارعة الطول وشديدة البياض. لون عينيهما أخضر مثل الشجر في منتزه الضاحية القريب، ومثل رقع الأرض المستطيلة، المربعة، المهندسة بدقة أمام وخلف كل بيت. تلمع أمامي عندما تستقبل الجريدة التي ألقيها كل صباح قبل باب بيتهم بسنتيمترات قليلة، أسرع على البدّال مرعوبة.

الدراجة ثقيلة، وبنطالي الجينز الجديد أكبر من مقاسي برقمين. اشترتْه زوجة الشيخ كهدية للكريسماس. بابا نويل كان يضحك قرب المدفأة، عندما اختلس النظر ناحيتي وأنا أغرق بداخله.
اشتريت هارمونيكا صغيرة بحجم الكف، فضية منقوش عليها كلمة «Jambone». أركن الدراجة وأجلس داخل دائرة فارغة في سور منخفض، أرتجل، وفي كل مرة تأتي البلوز.
ألوك الكلمة في فمي «Jambone» وأنادي: مستر جامبوني، أنا لم أتمَّ السابعة عشر بعد، مستر جامبوني، أنا شعري طويل وبلون البندق، مستر جامبوني هل يمكن أن أعجبكْ؟
صوت الهواء بين غصون الشجر يصفّر برتابة، وأشعر بقلة الحيلة و اليأس، لكن أعاود مرة أخرى: مستر جامبوني لم تتركني زوجة الشيخ أبكي، رأسها تحجب اللمبة في السقف، قالت: نساء العائلة لا يبكين. جحظت عيناها الخضراوان اللزجتان، وقطّرت سائلاً بنفس اللون فوق فمي.
في «باراماتا» إبن الشيخ انتظرني. لم يتحدد لون عينيه حتى الآن مستر جامبوني، تفاصيل رؤيا أبيه التي خطبني له فيها النبي محمد مستر جامبوني، تداخلت مع أشباح هلاوس الـ «سكتسوفرينيا»، وجعلته أيضاً يفزع من ضحكي وبكائي، فقرر أن يتوقف عن المحاولة.
لكني لم أبكِ. المستر الدكتور صالح أخذ بكارتي مستر جامبوني، بمقبض بلاستيكي شفاف له رائحة السافلون، مسحها من فوقه بالكلينيكس، وأعطاني علبة كاملة. وراء الستار، كانت ركبتاي ترتعشان بشدة مستر جامبوني، ونظرت إلى صورتي في المرآة للحظة، فوقها، آية الكرسي مذهّبة. ثم سرقتني رائحة علبة الكلينكس من غرفة الكشف، كانت لها رائحة الفراولة، أنا أحب الفراولة مستر جامبوني، وبكارتي حمراء بلون الفراولة، التريكتي تريكتي تريك، فراولة. مرّ بضع عام ولم أشمّها منذ ذلك اليوم. بينجارا خضراء ميتة مستر جامبوني، أتمنى أن لا تكون عيناك خضراوين، لا أريد أن أدفن هنا، هل يمكن أن تقبلني الآن، لم يقبلني أحدٌ بعد.
* قاصة مصرية