في «ذاكرة الرصيف» (دار الساقي)، يحضر الوصف مقروناً بالحكاية التي تجمع اليومي والملموس، مع تلك الأشياء التي نتخيّل، صادقين، أنّها مرسومة في اللوح المحفوظ، أو في الذاكرة الكبيرة للبشر، بينها الذاكرة المفتوحة على المستقبل العائد بنا الى بدايات المخيّلة ونشأتها الأولى. إنّها التقنية ذاتها التي تميز بها القاص العراقي عبد الستار ناصر، مع فارق أنّ المؤلفة التونسية رؤى الصغير تمعن في استدعاء أشدّ الأشياء التصاقاً بالمعيوش، ولكن الأكثر غرابة عن الحسي والاعتيادي، وعما يصدر عادة من قلمٍ أنثوي.


إنّها تنتفض على كل خصوصيّات الكتابة النسوية، إلى الحدّ الذي ينسى المرء، وهو يقرأ الرواية، بأنه أمام نصّ مشفوعٍ باسم امرأة، هو العهد الأول لها في عالم الرواية. الشريد الذي يحتمي بجداره «العلوي» العاري؛ لا يكفّ عن التهام «التراب»، والتأنّق بالسراب، والتنقيب عن جلاّده وناشر مآسيه، كأن الأخير بات ملحَه الذّائب في أوصاله. غربة المثقف هنا معفاةٌ من الصّقْل، أو الاحتفاء، لكنها أيضاً لا تخلو من التّقديم الحاضن، الآسر، ومن الموهبة الجاذبة التي تُناجز «حضارة الصّرصور» العصيّة على الاندثار، أو مملكة الكلام التي لا نملّ من هجْرها. محمدٌ، اليتيمُ، رغم وجود والديه. الشريدُ، رغم سقوطِ الثّروة بين يديه، ينتظر حبيبته «أسيل» كما انتظار العاجز لـ «عودة المسيح». عند الجدار الذي يلتصق به الشريد؛ ثمّة حضور للإله، وحواليه تبدو «أسفار» العرفاء، وغيبيّاتُ المتصوّفة، ومُنكرَاتُ الرّجال، ودعويّاتُ «الشيخ عبد الغفور»، وديماغوجيّة المجتمع المنكوب بعاداته. أسيل المتّهمة بالعهر، وأمّها الأجنبيّة التي تزوّجت والد أسيل في الاتحاد السوفيتي، وانقلب أمرهما في تونس، لتُصبح، هي، ملتبسةً باستسلام الشرق، ولينزع، هو، عن نفسه التمرّد الذي أرسله إلى موسكو وأنجب ابنته قبل وثيقة الزواج. صورٌ، ومشاهد، وأسماء، وخياراتٌ تختصر أزمة الهوية، وتسردُ مخاضات الصراع بينها، وعليها، وفي أفقٍ زمني يُقرّب بين السنوات المتقاطعة التي تخلّلَ فيها صُنْع الطاغيةِ والداعيةِ معاً. ترسم الصغير تفاصيل دقيقةً لهذا الملكوت الفقير، العاري، والمليء بأوجاع الأرض، وأوساخها. الجسدُ، في هذا السّور، فانٍ، خافتٍ أو يكاد، إلا من توهماتٍ عابرة، وقبلاتٍ خاطفة، وليلةٍ عاجلة على السّرير سبقت افتراق الحبيبين الطارئين، محمد وأسيل. الحضرة، أعظمها، للذاكرة التي تستقي صورها من العالم السفلي، و»من الدرك» المتخم بالسخافات المُبهرة، ومن الحدود القصوى الغارقة في الإنكار والجنوح. في هذه الحفنة من الضياع، والجنون؛ يمارس محمد ذاكرته، يفرش ذكرياته، ويُجرّب أن يُغذّيها بالرسائل المكتوبة إلى «أسيل». في هذه الرسائل، يفتح عوالمه، المملوءة بـ «العفن»، ويستنشق منها جوانبَ الدّنيا التي هربَ منها، أو تعالى عليها. بعد كل رسالةٍ، تنفتح الحكايةُ، وتتمّتُها. هندسة سرديّة تُضفي على الرواية شكلاً من التّبادل الوظيفي بين الذات والعرض، أو بين الرجل مع حبيبته، والرجل مع حبيبات الآخرين. من المدهش أن تكون كاتبةً - وهي تحتفلُ بأوّل أبنائها/كتبها - قادرةً على رسم أعقد المشاعر التي تجتاح الرجل، صغيراً، صبياً، ثم فحلاً مكتشفاً أسرار اللعب، ووظائف العضو الذي يفرز سوائل مختلفة في الرواية (خرير البول، وصفار المرض، وماء الرجولة). تقنياً، يصعب اكتشاف المواصفات التقليدية للكتابة النسوية في «ذاكرة الرصيف». ملمحٌ يُضفي على العمل قدرته على كسْر التصنيف المسبق. الوظائف في الرواية تُصبح مختلطة، أو مختطفة. الأم غير مجدية. هي حاضرة، حاضنةٌ، وتكافح لأجل أبنائها، ولكنها لا تحظى بالودّ حال وجودها، ولا الحنينِ لها ساعة الافتراق، وهي تُصبح سبباً لقذف الأبناء إلى دار الأيتام، ووحشة الأقدار. أما الأب، فهو غائب، مجهول. هارب في الضفةِ الأخرى، أو مُغيَّبٌ في سجون النظام. ينتظره الأبناء كأنه إمامٌ موعود، أو فجرٌ صادق يظهر في أعقاب أحلامٍ كاذبة. وحين يظهر، بسوادِه العالق، ننسى أنّه محض ذَكَر مُخادِع، شتّام. ننسى لأن ذاكرة الرواية تُعالجُ فينا هذا الحقد الجنسانيّ الأبدي، الأرعن. ثمّة صفاء سردي، ووصف حاشد لكلّ اتجاهات الحدث وانقطاعاته. الأنفاسُ يُعاد اكتشافُها حينما تتعلق بمحمد وصديقه أسعد لحظة هروبهما الأول من الميتم. مهاتفة أسيل مع والدتها تُصبح محطة إنسانية غير مسبوقة في عالم الطفولة المغدورة. الجدّةُ، العاهرةُ، العجوز المغشوش عليها، كلّ هذه الذّواتُ تسكنُ في حافّة واحدة. حلول الرئيس المحبوب عنوةً، وظهور رجل الدّين فجأة، وهبوط الأب العائد بالمال الفاحش، والتقاء الحبيبين غير الجامع بينهما إلا الأسرة المكسورة، ثم افتراقهما على عجلٍ. كلّ ذلك يُوضع في سلسلة وصفيّة مغموسة في الحدث السّردي، لكن مع تمايز واضح للأصوات، وتوزيع منطقي لأدوار الراوي/ البطل، كأننا، بالفعلِ، أمام الحقيقةِ المخبوءة عنّا جميعاً، حقيقة هذه الأبدان، والأوطان. تقدِّم الروايةُ تفسيراتٍ صادمةً لهذه الحيوات، لكنها تفسيراتٌ تقترح علينا الرّواية نفسها ألا نصدّقها، دوماً، لأنّ الاغتراب و»الحبّ العاجل» صنوان من نكبة، ومكيدة، واحدة.