«يوميات عجوز أزعر» (1969) و«الحب كلب من الجحيم» (1977) و«الليلة الأخيرة على الأرض» (1992) تنضح بجمل مغمسة ببرك الوحل، التي انتمى إليها دائماً، فصارت معادلاً رمزياً للحياة.

في أميركا، بقي لفترة طويلة هامشياً، كالمهن التي عمل بها حتى انخراطه الشعري الأول في باكورته «زهرة، قبضة، وجدار بوهيمي» (1959). لاحقاً، سيتضح أن مهنه العادية لم تكن سوى ممارسات شعرية، لكن بمقود وعجلات الشاحنة، وبصناديق البريد، وفي المسلخ، وعلى مقاعد سباق الخيل، قبل أن يتبنى، أخيراً، مهنة الإفساد، بالداكتيلو. قابل الشاعر الأميركي سنواته الأربع والسبعين بإصبعه الوسطى، فلم ينل الكبر من نبرته الفجّة.

تلك النبرة التي ربطها كثيرون بجيل الـ Beat كآلن غينسبرغ وكرواك وفرلينغتي وغيرهم، أثبتت أنها تعلو على أي تصنيف. خرج صوته مبحوحاً عكراً، ومنحرفاً عن كل الأوساط الثقافية والأكاديمية الأميركية، لينال شهرته في الخمسين من عمره في أوروبا، قبل بلده. الذكرى الواحدة والعشرون على رحيله باللوكيميا، مرت قبل أيام، مؤكدة فرادة تجربته و»شذوذها». هو الذي لم يكن متزلفاً لنيل بطاقة الانخراط في المؤسسة الأدبية الرسمية. بل تلذذ في خدش طموحات الشعراء ونجاحاتهم، والهزء من فكرة الاستيقاظ باكراً للالتحاق بدورة الإنتاج اليومية. وبينما كان هؤلاء يلهثون خلف الشهرة، كان بوكوفسكي يمجد الكسل. يستلقي على أريكة عملاقة، ويردد مع الماغوط: «يشرفني ويسعدني أن أجوع وأفشل إلى ما لا نهاية».
في مدينته المفضلة لوس أنجلوس، عاش كمن يقف على قدم واحدة. يمشي ولا يصل. تكفيه شهوته وعينه الثاقبة في تفحص النساء وأجسادهن، فصارت كتبه، بسببها دليلاً لنساء لوس أنجلوس؛ للمرأة القبيحة والجميلة والسمينة والنحيلة والقذرة والمومس والنادلة. بلغته المليئة بالدمامل، قرأنا قصائد طالعة من برّاد البيرة، ومن شراشف الأسرّة، ومن مؤخرات النساء المترهلة، ومن أقذر زوايا الحانات. إنه التطرف نحو «الرداءة» ولكل ما هو سفلي. عرفنا الغزل النتن كما في قصيدته «حرية» عندما يقول «عادت عند الثالثة فجراً/ رثة كخنزير يجتر الروث». المسافة المتبخرة بين الشر والخير، الجنس، السكر، العنف، التسكع، الحانات وغرف الفنادق الرخيصة وحب النساء وكرههن... ثيمات ومصطلحات راح يمضغها كعلكة، منذ كتابه الأول، ليصنع منها بالوناً كبيراً ويفقعها. إنّها تعويذة لعوبة لتصريف القلق في هذا السيرك البائس وتكراراته اللامجدية.
كان بوكوفسكي في الثانية من عمره حين غادر مع والديه مدينة أندرناخ الألمانية إلى أميركا. مع الكساد الاقتصادي الكبير هناك، عاشت العائلة حياة صعبة. الوالد عاطل من العمل، محبط محطّم ملعون، يسب ويضرب. ذكريات قاسية لطفولة قرأناها في «موسيقى المياه الحارة» (1983)، مجموعته القصصية التي يتحدّث فيها عن موت والده، ويشكر الله فيها على ذلك. هل كان خائفاً من الموت؟ لدى بوكوفسكي إجابة بالطبع، لكن بعد أن يتناول رشفة من كأسه. في مقابلة تلفزيونية، أجاب المحاور بأنه لا يخافه ما دامت الأحداث تصبح مع الوقت جاهزة ومكررة. وحتى قدوم الموت؟ عليك أن تعزف «على البيانو سكراناً، كما الآلات النقرية، إلى أن تتقطع أصابعك من النزف» (عنوان مجموعته الشعرية الصادرة عام 1979). شكراً للكحول على أي حال، ولأرداف النساء، ولأقدام الخيول السريعة. شكراً لزجاجات البيرة الرخيصة التي يصبح ابتلاعها معادلاً لصلاة خافتة، تخرج من فم رجل في زاوية الكنيسة، رغم معرفته بأن الله غير موجود.