ترجمة: مازن معروف

في 12 أيلول 2008 انتحر الكاتب الأميركي دايڤيد فوستر والاس شنقاً في باحة منزله. كان عمره آنذاك ستة وأربعين سنة، أمضى أكثر من نصفها يصارع الاكتئاب الذي فاقمه رفضُ كتّاب ونقاد لأسلوبه الأدبي. فوالاس شاكس منذ بدايته بنية الجملة الإنكليزية مستفزاً قواعدها، ومفككاً هيكلها الصارم، قاطعاً بذلك شوطاً حتى عن ريموند كارڤر، أبرز العابثين بأسلوب السرد المعهود. وصلت روايته «الملك الشاحب» التي تركها غير مكتملة، إلى نهائيات «جائزة بوليتزر» لعام 2012. كما اختيرت روايته «دعابة اللامتناهي» ضمن أفضل مئة رواية مكتوبة بالإنكليزية بين عامي 1923 و2005.

العقاقير التي عكف على تناولها، أبقته دون اليقظة التامة، موفرة له نشاطاً ذهنياً أسهم في تشكيل جملته وكتاباتها بطريقة هذيانية نوعاً ما. آخر المجددين في القصة الأميركية وأوّلهم راديكالية، كان يعتبر أن الأدب الجيد هو الذي يجعل الإنسان يعيش وحدته بصورة أجمل. أما مقالاته الطويلة، فيبرز فيها فيلسوفاً يعالج العالم سياسياً وإعلامياً واجتماعياً بلغة البوب آرت. طريقة في الموت بدت أشبه باستطرادات والاس التي تملأ كتاباته في الرواية والقصة القصيرة.
في ما يلي ترجمة لقصتين له:

مثال آخر على مسامية الحدود المطلقة

كما في بقية الأحلام الأخرى، أنا برفقة شخص أعرفه، لكني غير ملمّ بمعرفتي به، وهذا الرجل يشير فجأة إليّ بأنني أعمى. كما في المعنى الحرفي للكلمة، أعمى، محروم البصر، إلخ. أو أنني فجأة أدرك عماي بحضور هذا الشخص. فأشعر بالحزن حين أدرك ذلك. هذا ما يحدث. كوني أعمى مسألة تجعلني حزيناً بشكل لا يصدّق. وهذا الشخص يعرف بطريقة ما كم أنني حزين، فيحذرني بأن البكاء سيؤذي عينيَّ بطريقة ما فيفاقم من عماي، لكني لا أستطيع منع نفسي. فأجلس وأشرع في البكاء بشدة. وأستيقظ باكياً في سريري، بل أبكي بشدة حتى لا يعود بامكاني رؤية شيء أو تمييز شيء من شيء آخر. ما يفاقم من بكائي بشدة أكبر. وصديقتي تكترث للأمر، فتستيقظ وتسألني ما الخطب، وتمر دقيقة أو أكثر قبل أن أستجمع المسألة برمتها بصورة كافية تجعلني أدرك أنني كنت أحلم وأنني مستيقظ وفي الحقيقة لستُ أعمى وليس من سبب يدعو للبكاء، ثم أخبر صديقتي بالحلم ما يسعها أن تضع مداخلتها فيه. وطوال اليوم خلال العمل أكون، وبدرجة غير معقولة، واعياً لنظري وعينيّ أيضاً، مفكّراً كم من الجيد أن يكون باستطاعتي رؤية الألوان ووجوه الناس، وأن أدرك بالضبط أين أنا، وكم هي هشة آلية عين الإنسان والقدرة على البصر وكل هذا، وكم هو سهل أن يتم خسرانها، وكم أنني أشاهد دوماً أشخاصاً عمياناً حولي بعصيّهم ووجوههم غريبة السمات، وكيف أنه مثير للاهتمام أن أُمضي بضع ثوان ناظراً إليهم من دون أن أفكّر قط بأن لديهم أي علاقة بي أو بعينيَّ قط، ويا لها من مصادفة ميمونة أن يكون باستطاعتي الرؤية بدل أن أكون واحداً من أولئك الذين أشاهدهم في طريقي إلى محطة المترو. وطوال اليوم خلال العمل، كلما انتابتني هذه الفكرة تغرورق عيناي بالدموع من جديد، فأتهيأ للبكاء، لكني أمتنع عن هذا بسبب تقسيمات ديكور العمل التكعيبية التافهة وكيف أن الجميع سيمكن له رؤيتي وسيجزع، ويمضي اليوم بطوله هكذا بعد الحلم والأمر مرهق بلا أدنى شك، أما صديقتي فسيكون رأيها أن الأمر مستنزف للعواطف، فأُسجِّل خروجاً مبكراً من العمل وأعود إلى المنزل وأنا متعب بشدة وخامل وبالكاد أستطيع إبقاء عيني مفتوحتين، وأصل المنزل وأدلف إلى الداخل مباشرة وأزحف على السرير عند الساعة الرابعة بعد الظهر فاقداً صوابي تقريباً.

الشيطان يتدخّل في شؤون غيره

قبل ثلاثة أسابيع فعلت شيئاً لطيفاً بحق أحدهم. لا يمكن لي أن أبوح بالمزيد، وإلا سيفرغ ذلك ما فعلته من كل قيمة حقيقية ومطلقة. يمكنني فقط أن أقول: شيء لطيف. في السياق العام، كان للأمر علاقة بالمال. لم تكن المسألة تماماً «وهب مال» لشخص. لكن شيئاً من هذا القبيل. بل يمكن تصنيفه كـ «تحويل مسار» مال لشخص «يلزمه». لا أستطيع، شخصياً، أن أكون أقل خصوصية.
كان قد مضى أسبوعان وستة أيام عندما حصل ذلك الشيء اللطيف الذي تسببتُ بفعله. ويمكنني أن أذكر أيضاً بأنني كنت خارج البلدة – ما يعني، بكلمات أخرى، أنني لم أكن موجوداً حيث أقيم. أمّا أن أفسر لماذا كنت خارج البلدة، وأين، أو كيف كان الوضع العام لما كان يجري، فمن شأنه، ولسوء الحظ، أن يعرّض قيمة ما فعلتُ لخطر أكبر. لهذا، كنت صريحاً مع السيدة أن الشخص الذي سيتسلّم المال ليس عليه، ولا بأية حال، أن يعرف هوية ذاك الذي حوّل المال. خطوات صريحة اتُخِذتْ بحيث يبقى اسمي مبهماً ضمن الترتيبات التي سترمي إلى تحويل المال. (رغم أن المال، تقنياً، لم يكن لي، إلا أن الترتيبات السرية التي بموجبها حوّلتُ المال كانت كما ينبغي قانونية. هذا قد يدفع المرء للتساؤل ما معنى أن المال لم يكن «لي»، غير أني ولسوء الحظ، أعجز عن شرح التفاصيل. مهما يكن، فالأمر صحيح). هذا هو السبب. من جهتي، افتقار الاتفاقية لاسمي وبقائه مبهماً من شأنه أن يحطم القيمة المطلقة لهذا الفعل اللطيف. أي أن ذلك سيلوث «الدافع» وراء لفتتي اللطيفة تلك – ما يعني، بكلمات أخرى أن جزءاً من دافعي سيكون مردّه، ليس السخاء، وإنما الرغبة في نيل العرفان بالجميل، المودة، ومباركتي تبعاً لذلك. كدلالة على اليأس، فإن دافعاً أنانياً كهذا، سيُفرغ اللفتة اللطيفة من أية قيمة مطلقة، وسيُفضي مرة أخرى إلى فشل جهودي في أن أُصنَّف رجلاً لطيفاً أو «طيباً». بالتالي، فقد أظهرتُ تعنُّتاً حول سرية اسمي خلال الترتيبات، والسيدة، التي كانت الشخص الوحيد الذي أحيط علماً بكل تفاصيل الاتفاقية كما بدت (هي، وبسبب مهمتها، صنفت كـ «جهاز» تحويل المال)، أذعنت، على حد علمي، كلياً وبالتمام.
بعد أسبوعين وخمسة أيام، واحد من الناس الذين فعلت تلك اللفتة اللطيفة بحقهم (التحويل السخي للتمويل كان لشخصين – تحديداً، وبقانون العرف والعادة، زوجاً وزوجة – لكنّ واحداً منهما فقط اتصل بي) اتصل وقال «هالو» وسأل إذا ما كنت على علم، وبأية مصادفة محتملة، بالمسؤول عن _____، لأنه يريد أن يقول لذلك الشخص «شكراً!»، وإنها ويا لها من هبة - إلهية هذه الـ____ دولار، التي وصلت، على ما يبدو فجأة، من _____، وكانت.. إلخ.
فوراً، وكوني، احترازاً، قد تدربت على هذا الاحتمال بإسهاب، رددتُ بنبرة باردة وخالية من أي انفعال، قائلاً «لا». ولا بد أن سهام المتصل طاشت تماماً حسبما أعرف عن الموضوع. لكنني داخلياً، كنت أتحرق شوقاً. فكما يدرك الجميع تماماً، من الصعب أن تفعل شيئاً لطيفاً بحق أشخاص من دون أن تكون راغباً بل ومستميتاً، في نفس الوقت، بأن يعرفوا أن هوية ذاك الذي فعل الشيء اللطيف بحقهم ليست سوى أنت، وأن تشعر بامتنانهم وعرفانهم بالجميل، بل وتخبر عدداً لا يعد من البشر ولا يحصى، بما «فعلتَه» من أجلهم، فيُعلن على نطاق واسع بأنك رجل «طيب». كما الحال مع قوى الظلام، الشر، والقنوط على امتداد العالم، الإغراء هذا من شأنه أن يخمد كل مقاومة مضادة.
إذن، وبشكل مندفع، وخلال هذا الاتصال الممتن والمذعن، لكن المتعامي عن أية مخاطر، أردفتُ بعد قولي ببرود «لا»، و«طاشت سهامك»، بأنني ورغم أن لا فكرة لدي عن الأمر، أتصور جيداً أنه أياً كان الشخص، المسؤول عن_____، والغامض على أرض الواقع، فهو متحمس لمعرفة كيف سيتم استثمار المال الذي تسلّماه وكانا في أمسّ الحاجة إليه – ما يعني، مثلاً، هل سيحصلان أخيراً بموجبه على ضمان صحي من أجل مولودهما الجديد، أو سيسدّان به مديونية المستهلك التي غاصا بها حتى النخاع.. إلخ؟
تلفّظي بهذا، فُسِّر في لحظة حاسمة، من قبل مُتصلي، كإشارة مراوِغة، بأني، ورغم كل تكذيباتي السابقة، الشخص صاحب الفعل اللطيف والسخي، فأسهب وطوال ما تبقى من مكالمته، في تفاصيل استعمال المال في احتياجات معينة، مشدّداً كم كان ذلك نعمة إلهية، وقائلاً بنبرة منفعلة عكستْ امتنانه وعرفانه بالجميل وشيئاً آخر (بدقة أكثر، شيء عدواني، أو مُثقَل بحمل، أو الاثنان معاً، مع ذلك، لا يمكنني وصف تلك النبرة التي جعلت انفعاله هذا يثير انتباهي على نحو كاف). دفق الانفعالات هذا، من جانبه، جعلني أدرك متأخراً، وإلى حد يدعو للقرف، أن ما فعلته خلال المكالمة ليس مقتصراً على أنني جعلت الرجل يفهم بأنني الشخص صاحب اللفتة الكريمة، بل وتركت نفسي أيضاً أقوم بالأمر بطريقة بارعة وخبيثة بدت تلميحاً، كتلطيف لقول بغيض، وأعني التعبير المخادع: «أياً يكن المسؤول___» الذي استعملتُه، والذي إذا ما ضممناه إلى اهتمامي الذي أبديته بـ «استعمالات» الزوجين للمال، فسيكون واضحاً للجميع بأنني المسؤول المطلق، بل أعطيت الانطباع تلميحاً وبشكل ماكر، بأني لست فقط من فعل ذلك الشيء اللطيف، وإنما كنت أنا نفسي «لطيفاً» كشخص – ما يعني بكلمات أخرى «متواضع»، «غير أناني» أو «غير منساق بالرغبة في نيل امتنانهما» – إلى درجة أنني لم أُرِدْ لهما معرفة أنني كنت أنا نفسي المسؤول. بل إنني قد قمت علاوة على ذلك، وبشكل يائس، بذكر تلك التلميحات «بخبث شديد» حتى أنني أنا نفسي لم أدرك ما فعلته إلا فيما بعد – أعني بعد انتهاء المكالمة. وهكذا، أظهرتُ قدرة آلية، بشكل لاواعٍ، وعلى ما يبدو، طبيعي، على تضليل نفسي والآخرين معاً، الأمر الذي، على «مستوى الدافع»، لم يُفرغ فقط اللفتة السخية التي حاولتُ فعلها من أية قيمة حقيقية، ولا فقط أفشل محاولتي، مرة أخرى، في أن أكون وبكل إخلاص، شخصاً يمكن لأحد أن يصنّفه فعلاً كـ «طيّب» و«جيد»، بل سلط ضوءاً عليّ يمكن بموجبه أن أصنَّف كـ «ظلامي»، «شرير» أو «فاقد الأمل في أن أصبح بكل إخلاص شخصاً طيباً».