موضوع المؤلَّف واضح وصريح من العنوان. الكاتب يقول إن السياسيين والاستخبارات ورأس المال ابتاعوا الصحافيين الألمان (هو المعنى الحرفي للعنوان الألماني).

بصرف النظر عن انتمائه الفكري، وهو ليس موضوع هذا العرض ويجب ألا يجبرنا على الخوض في مسائل ثانوية، فإنّ الكاتب صحافي عريق.
عمل محرراً لـ 17 عاماً لأكبر الصحف اليمينية الألمانية وهي «فرانكفُورتر ألغماينِ تسايتُنغ»، وتعرف باسم مختصر (FAZ). كما كان من المقربين من المستشار الألماني السابق هلمت كول، وأقام في أفغانستان بصفته مراسلاً حربياً، كذلك في العراق وإيران والأردن وعمان والإمارات... المقصود أن الكاتب ليس أي صحافي، وإنما أحد رجالات المؤسسة الحاكمة في ألمانيا. صدرت خمس طبعات من العمل خلال عام واحد، وهذا أمر غير معهود ألمانياً في مؤلفات مماثلة، ما يعكس اهتماماً شعبياً بمحتواه، وتعبيراً عن رأي كثيرين.

الأمر المهم في المؤلَّف أن الكاتب لا يستثني نفسه من مجموعة الصحافيين الذين ابتاعهم رأس المال والمخابرات والسياسيين، وأنه كان ينجز المهمات الموكلة إليه بوعي، ويعبر بالتالي عن أسفه لذلك، ويعتذر من القراء الذين ضللهم من قبل، ويضيف تقديره بأن ثلاثة أرباع صحافيي ألمانيا تم ابتياعهم.
يذكر أودو مختلف أساليب التضليل التي تمارسها الصحافة بوعي، ومنها مثلاً تلقي الأخبار من الاستخبارات من دون تمحيص أو حتى بحث. كما ينوه إلى تأثير الخارج في الصحافة الألمانية وكيف تعمل على تلميع صورة هذا النظام أو ذاك من أنظمة منها الخليجية. ويذكر تحديداً تجربته مع عمان التي استضافته والتقى سلطانها مقابل كتابة ريبورتاج مفصل وإيجابي عن السلطنة، من دون أن يكون مموهاً بأنه دعاية مدفوعة (على نحو غير مباشر). كما يشدد على أن هذه الأمور كلها تجرى بمعرفة رئيس التحرير وصمته.
أما القسم الأكبر من المؤلَّف، فقد خصصه الكاتب للحديث عن تأثير وكالة الاستخبارات المركزية في الصحافة، عبر صحافيين أجراء مهمتهم تلميع صورة الولايات المتحدة الأميركية وسياساتها في العالم. ومن المثير حقاً أنه يضع قائمة بأسماء صحافيين كبار يعملون في كبريات الصحف الألمانية وفي قنوات الدولة، ينتمون إلى جمعيات وروابط تهدف إلى تحسين صورة واشنطن، منها مثلاً: «الأكاديمية الأميركية»، و«معهد أسبن» و«اللجنة الأميركية اليهودية» و«الجمعية الألمانية للسياسات الخارجية» و«الجسر الأطلسي» و»المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» التابع للمليونير المجري اليهودي جورج سورش، وهي مجموعات ضغط أو ما يعرف باللوبي.


لا يستثني الكاتب نفسه من مجموعة الصحافيين الذين تم شراؤهم

أما الرشا (غير المباشرة) التي يتلقاها الصحافيون، فتتمثل في الحسومات التي تقدمها كبريات الشركات لهم على إنتاجها كالأجهزة الرياضية، أو خدماتها مثل تذاكر السفر التي تعرض على نحو علني وقانوني في مقار الصحف الرئيسة أو الوطنية. إن ما يعرضه المؤلف يوضح أن الصحافة الألمانية المقروءة والمتلفزة استحالت أبواق دعاية، أي تضليل، بل إن بعضهم يرى أنها أضحت بلاغات صادرة عن قيادة حلف شمال
الأطلسي.
هذا لا ينطبق على الصحافة «المستقلة»، كائناً المعنى ما كان، وإنما تلك التابعة للأحزاب الرأسمالية (الدستور الألماني يمنع أي حزب برنامجه لا يتبنى الرأسمالية - تحت طائلة منعه وإعلانه حزباً معادياً للدستور). هذه الحقائق وغيرها الكثير من تلك التي سردها الكاتب، تعني بالضرورة عدم امتلاكها أي أرضية أخلاقية أو غيرها لإدانة الدول التي توصف بأنها لا تسمح بالصحافة الحرة.
إضافة إلى هذا، يستشهد المؤلف بقول ردده الصحافي الألماني المحافظ أو الرجعي قبل وفاته في العام الماضي ببضعة أسابيع نقلاً عن باول سيته وهو أحد عمداء الصحافة الألمانية المحافظة: حرية الصحافة في الغرب تعني حرية 200 شخص ثري قادر على نشر آرائه، لكن الوضع الآن تغير حيث هبط العدد إلى 4 أو 5 أشخاص فقط.
أخيراً، لا بد من التنويه إلى حقيقة محاربة الصحافة الألمانية هذا المؤلف والامتناع عن الإشارة إليه، مع أنه حصل على المرتبة الأولى في قائمة الكتبية الرقمية «أمازون ألمانيا»، وتصدر قائمة أفضل المبيعات في قائمة «مجلة دير شبيغل»، التي أهملته
بدورها.