ليس «يوم الجمعة يوم الأحد» كتابي الأول، لكنه أول كتاب يخرج عن سياق ما كنت أنشره تأليفاً وتحقيقاً. ولم أكن أحسب أن المقاطع أو الفصول الثلاثة أو الأربعة التي كتبتها ونشرتها في مجلة «الناقد» و«ملحق النهار» ستكون جزءاً من كتاب ينشر ويوزع ويترجم.

أما كتابتي لهذه المقاطع، فترجع إلى أكثر من سبب. كنت قد فرغت من تأليف «الكاتب والسلطان» الذي استغرق أكثر من ثلاث سنوات من البحث والكتابة. ولم يكن لدي إثر ذلك مشروع بحثي، وإنما كانت لدي أسئلة في تلك الآونة (مطلع التسعينيات)، وجدت أن الإجابة عليها لا تكون في البحث في الكتب والمراجع والمصادر، ولا في استطلاعات ميدانية على طريقة علم الاجتماع، وإنما بالعودة إلى التجربة الشخصية بأسلوب يخرج عن أسلوب البحث الأكاديمي. لم أكن أنوي أن أكتب قصصاً قصيرة أو رواية طويلة، كما أني لم أكن أريد أن أسرد مذكراتي.

كانت الأسئلة من نوع: كيف عشت أو عشنا التحديث (الحداثة)، ليس في الشعر أو الأدب أو الفكر، وإنما في العادات والعمران؟ ما علاقة الفرد بالدولة باعتبارها كائناً مجرداً؟ ما علاقة الفرد بالأمكنة والأوقات؟ لماذا يندفع الناس إلى التخلي عن الأشياء القديمة ثم يعودون لينشروا حولها حنيناً؟ لماذا نهجر بيوتنا التي ولدنا فيها ثم نقول بأنها حضنت أجمل فترات حياتنا؟ وماذا يعني الانتماء إلى مكان، وما تأثير الفترات التي تتكون فيها أفكارنا فتجعلنا جيل الانفتاح أو التشدد، الليبرالية أو اليسار، النكبة أو النكسة، الانتصار أو الانكسار؟
لا أقول إن هذه الأسئلة كلها كانت على درجة واحدة من الوضح في ذهني، ولم أكن أملك إجابات محددة حولها، كانت بمثابة خواطر تلح في ذهني أو تمر مروراً عابراً، ولم أكن أظن آنذاك أن البحث الأكاديمي يقدم إجابات شافية حولها.
من بين الأسئلة التي كانت تراودني آنذاك، لماذا نندفع في هدم الأبنية القديمة لنشيد العمارات العارمة، بل لماذا نهدم المباني التي كانت حتى أمد قريب عنوان التحديث؟ لقد تنبهت إلى أن خلف دوافع التخطيط المدني أو الربح أو الجشع، هناك دوافع غير واعية أو مدركة. حين طاف النهر في طرابلس وخلف عشرات الضحايا، أصبح توسيع مجرى النهر (أي هدم أحياء ترجع إلى الحقبة المملوكية) مطلباً شعبياً وبنداً في البرامج الانتخابية. ولم ينفع الندم بعد جيل على التراث العمراني المهدور الذي لا تمكن استعادته أبداً.
كنت أعتبر أن موضوع المدينة بالنسبة لي أقرب إلى الهوى منه إلى المبحث العلمي، وقد أتيحت لي فرصة تدريس مواد متصلة بالعمران والمدينة، وغصت في وثائق السجلات الشرعية التي تعكس حياة المدينة بالتفاصيل ومن أوجه متعددة. ومع ذلك لم يكن ذلك كافياً عندي، لأن المدن كما أحسب ليست الاجتماع والعمران ولكنها تلك العلاقة الحميمة بالأمكنة التي تشبهها وتطبعنا بطبعها. وجدت بعد كتابتي بعض المقاطع أن هناك قواسم مشتركة بينها: الأسلوب، المفردات، والمنهج. كان الأسلوب أقرب إلى كتابة الرواية أو السيرة، إلا أن هذه الرواية ليس فيها الحبكة، ومع ذلك هناك كائن تدور حوله الأحداث هو المدينة. كل ذلك كان يفترض اختيار مفردات واستبعاد أخرى، وبما أني قادم من حقل البحث والتدريس فكان عليّ أن أمحو المصطلحات والعبارات الدارجة في السياسة والاجتماع.
وجدت أنني من حيث المنهج، أتبع ضمنياً منهج الأنثربولوجيا التي كنت أدرّسها آنذاك، وتنبهت إلى أن الثنائية أو التناقض هو ما يدفع إلى الكتابة أو صياغة الأفكار التي تقف خلف الكتابة وتبني الإشكاليات: القديم والحديث، البحر والنهر، الليل والنهار، المسلم والمسيحي، الجمعة والأحد.


لم أكن أتوقع لكتابي أن يدخل إلى الجامعات. علمت أنه دُرّس في الهندسة المعمارية، ودُرس في مادة الأنثربولوجيا

الذين لفتهم العنوان، ظنوا أنني أكتب في المسألة اللبنانية الطائفية. كتبت عن وعي للفروق الدينية من خلال أصدقاء الدراسة وجيران الحي، ولكنني في هذا الفصل الذي جعلته عنواناً للكتاب، كنت أريد أن ألمس علاقة الأمكنة مع الأوقات، والنشاطات التي نمارسها في هذا اليوم أو ذاك، ولماذا تنطبع ساحات المدن وشوارعها بالأوقات وما هي السمة الاجتماعية للأيام.
اختيار عنوان الكتاب هو معاناة يعرفها المؤلفون، وخصوصاً في مجال الأدب. «يوم الجمعة يوم الأحد» هو عنوان لفصل كُتب قبل أن تتكون فكرة الكتاب. ولعل العنوان بحد ذاته شجعني على أن أستكمل الكتابة. بعدما صدر الكتاب عام 1994 كان لعنوانه وقع خاص عند قراء كثيرين، تذكرت أنني في سن الرابعة عشرة كنت قرأت كتاباً عنوانه «رجال يوم الجمعة». لعل هناك شيئاً بقي منه في ذاكرتي.
بقي لي أن أقول إن أول من سألني: ألا تريد أن تنشر هذه المقاطع في كتاب هو الصديق الراحل سمير قصير الذي كان آنذاك مديراً لدار «النهار» للنشر. بعد شهرين من صدور الكتاب، أخبرني سمير أن المستعرب إيف غونزاليس سيأتي إلى بيروت موفداً من «المؤسسة الأوروبية للثقافة» التي تعتزم إصدار سلسلة تحت عنوان ذاكرة المتوسط، تضم نصوصاً تعكس تجارب معاشة من البلدان العربية لتترجم إلى اللغات الأوروبية. التقيت بإيف غونزاليس في مكتب الصديق نواف سلام. بعد ثلاثة أشهر، علمت أن المؤسسة الأوروبية اختارت «يوم الجمعة يوم الأحد» ليكون الكتاب الأول في السلسلة المذكورة. التقيت بالمترجمين في «مدرسة الترجمة» في طليطلة، وبعد سنة دُعيت إلى أمستردام للاحتفال بصدور الترجمات. كان الاحتفال برعاية الأميرة مارغريت شقيقة الملكة والرئيسة الفخرية للمؤسسة الأوروبية للثقافة التي وصلت متأخرة عشرين دقيقة. دخلت القاعة معتذرة بسبب ازدحام السير الذي اضطرها لأن تكمل المسافة سيراً على الأقدام برفقة شخص واحد. ومن أمستردام إلى مدريد وبرشلونة وباريس لإجراء لقاءات حول الكتاب.
يدخل الكتاب بعد وصوله إلى القراء مداراً آخر، الأمر الذي يوضح لك أموراً لم تكن تخطر على البال. كنت بعد صدور كتاب لي أتلقى اتصالات من باحثين مهتمين بالموضوع والحقل المشترك الذي نعمل فيه. يحدث بين الباحثين تواصل وتبادل أسئلة وكتب ووثائق. اشتغالي على السجلات الشرعية وضعني على اتصال مع باحثين في هولندا وفرنسا واليابان عدا عن باحثين من بلدان عربية. لا شيء من هذا في الكتب ذات الطبيعة الأدبية. الروائيون متحفظون وخصوصاً تجاه بعضهم بعضاً. ومع ذلك، فإن «يوم الجمعة يوم الأحد» حظي بمراجعات عديدة من كتاب ونقاد أعرفهم وأغلبهم لم أكن أعرفهم. «يوم الجمعة يوم الأحد» وضعني على اتصال مع القراء الذين أبدوا ملاحظات طريفة. الكثيرون قرأوا الكتاب دفعة واحدة، ولاموني لأنني اختصرت ولم أسهب الأمر الذي شجعني على إصدار كتابين في المنحى نفسه؛ «حارات الأهل جادات اللهو» (1995)، و«بوابات المدينة» (1997). قارئة ألمانية عاتبتني لأنني لم أفصّل ولم أكن أكثر جرأة. رغيد نحاس ترجم الكتاب إلى الانكليزية في أستراليا لأنه أحس أنه عن مدينة دمشق. قارئة صديقة قالت لي إنها ضحكت من أعماقها حين قرأت بعض الفقرات، وبكت حين قرأت عبارات أخرى.
لم أكن أتوقع لكتاب صغير أن يدخل إلى الجامعات. علمت أنه دُرّس في الهندسة المعمارية، ودُرس في مادة الأنثربولوجيا. باحثة فرنسية التقيتها قبل أشهر قالت لي إنها تدرس الكتاب في مادة التاريخ المعاصر في «السوربون». بعض مقاطع الكتاب استُخدمت في كتب اللغة العربية في المرحلة المتوسطة، وكتاب علم الاجتماع في المرحلة الثانوية.
أحد الأصدقاء النقاد قال إن الكتاب ليس تاريخاً ولا سيرة ولا رواية، وهذا صحيح. إنه كتاب على الضفاف، يستفيد من مناهج التاريخ والاجتماع والأنثربولوجيا وربما الأدب. من المثير أن نكتب كتاباً يعصى على التصنيف.