عبدالكريم كاصد *

رحل توماس ترانسترومر، مخلّفاً وراءه 15 مجموعة شعرية، وسيرة حياة قصيرة، وبضعة أعمال قليلة: لقاءات معه، فيلم عنه... ولكنّ ما خلفه من نبضٍ خلف أعماله هذه سيظل حياً في ذاكرة الأجيال القادمة، نبض روح الصانع الماهر الحانية على العالم.
منذ بداية تسعينيات القرن الماضي وأنا أعود إلى أشعاره مأخوذاً بين فترة وأخرى.

وحين عدتُ إليه هذه المرة موحشاً يرافقني ظلّ الموت، موته، وهو ينعكس على أبياته شاحباً شحوبَ وجهي وقد انعكس عليه ظلّ الحرب، ألفيتُني أمام عددٍ كبير من القصائد التي ترجمتها له، وكتبتها جنب أشعاره بالقلم الرصاص. وحين اتصل بي أخي الشاعر حسين بن حمزة لكي أرسل إليه، خلال يومٍ أو يومين، ما لم أفكر بنشره من قبل، أو إعادة النظر فيه، وجدتني ثانية أمام مهمة أخرى هي تدقيق ترجمتي العابرة بترجماتٍ عديدة، فما أكثر مترجمي شعر ترانسترومر ومن بينهم شعراء كبار، وما أشدّ الفارق بين ترجماتهم في مواضع شتى، لذا حرصتُ، على قصر الفترة، أن أقلب هذه الترجمات وأقارن ما بينها لأختار ما أطمئن إليه حتى في اللفظة الواحدة.
ولكي أوضح ما ذكرت، لنأخذ مثلاً قصيدته عن هايدن في قصيدته المعنونة «أليغرو»، فهو بعد نهار حالك يعزف هايدن: أليغرو السوناتة الثانية والخمسين، وهي آخر سوناتة لهايدن، فيشعر أن يديه خفيفتان، وأن مفاتيح البيانو طيعةٌ، والمطارق لينة ناعمة. لذلك حين يأتي المترجم الإنكليزيّ، الذي لم أعتمده، ويترجمها «المفاتيح جاهزة» تبدو لي الترجمة بعيدة عن الأصل، عن جوّ القصيدة اللين العذب الذي يشيع ويمتدّ ليصبح أخضر واهباً الحرية حيث لا مكوس ولا ضرائب للقيصر أو الإمبراطور. هذا في اللفظة الواحدة فكيف إذا كان الأمر يتعلق بأبياتٍ ومقاطع كاملة. بعض مترجميه يعلن استسلامه بعدم فهم ما يترجمه كالمترجم الذي لم يستطع أن يستوعب هذا البيت الجميل الوارد في قصيدته «رثاء»:
«وأشجارُ الكرز المزهرة تربتُ على الشاحنات العائدة إلى بيوتها».
مترجمٌ قدير آخر يترجم «تربّت» بكلمة «تحتضن»، فلا تؤدي ما يريده الشاعر أو القصيدة ذاتها أو ما نريده نحن، بل إن عنوان القصيدة ذاته مربك فهو قد يعني رثاء أوشكاة أو شكوى أو أغنية حزينة أو... بعض المقاطع كما في قصيدة «الذكريات تحدّق بي، أو تنظر لي، أو ترقبني» زاد من وضوح عالمها، وليس معناها، الرجوع إلى الترجمة الفرنسية لهذا النص.
لأدعكم مع شعر ترانسترومر الحاضر أبداً:

المحطة

وصل قطارٌ للتوّ. عربةٌ تقف إثر أخرى
ما من أبواب تفتح، لا أحد يصعد أو يهبط
أما من أبواب تُفتح أبداً
في الداخل حشدٌ من ناسٍ يتململون ذاهبين آيبين
يتطلّعون من خلال نوافذَ مسمّرة،
وفي الخارج رجلٌ يمشي بمحاذاة العربات حاملاً مطرقته
يدقّ بها على العجلات بضرباتٍ واهنةٍ
أمّا هنا فالرنينُ يتصاعدُ طاغياً: برقٌ خاطفٌ
رنينُ أجراسِ كاتدرائيةٍ، ضجيجٌ يقلعُ عبر العالم
يرفعُ القطارَ الواقفَ بأكمله وأحجارَ المنظر الرطبة
كلّ شئ يغنّي. ستتذكرون ذلك. واصلوا السفر.

أليغرو

أعزف هايدن بعد نهارٍ حالك
وأشعر في يديّ بدفءٍ خفيف
المفاتيح طيّعةٌ. مطارق ناعمة تدقّ
والصوتُ أخضرُ حيٌّ ومليءٌ بالصمت
الموسيقى تقول الحرية كائنة
وثمة شخص لا يدفع ضريبة الإمبراطور
أحشرُ يديّ في جيبيّ الهايدنيّين
وأقلّد شخصاً يتطلع في العالم بهدوء
أرفع راية هايدن - لأقول
«لن نستسلم، لكنا نريد السلام»
الموسيقى بيتٌ زجاجيٌّ فوق منحدرٍ
أحجارٌ تطير، أحجارٌ تتدحرج
الأحجار تتدحرج عبر البيت
ويظلّ الزجاج كاملاً

ليلة شتائيّة

العاصفة تضع فمها على البيت
تنفخ لتعزف لحناً.
على قلقٍ أنام
وأقرأ نَصَّ العاصفة
بعينين مغمضتين
لكنّ عيني الطفل واسعتان في الظلام
فمن أجله تُعول العاصفة
كلاهما شغوف بالمصابيح التي تتأرجح
كلاهما يوشكان على النطق
للعاصفة يدان طفوليتان وجناحان
القافلة تنطلقُ باتجاه لابلاند
والبيت يشعرُ أنَّ مجرّةَ مساميرهِ
هي التي تمسك الجدران معاً
في غُرفاتنا الليلُ هادئٌ
(حيث صدى الخطوات
يخفتُ كأوراق تسقط في بركة)
بينما الليلُ في الخارج قفر
عاصفة هوجاء تهبّ على العالم
وتضعُ فمها على روحنا
تنفخ لتعزف لحناً.
نخشى أن تنفخ فينا العاصفة فارغين.

رثاء

وضع قلمه جانباً
القلم يمكث ساكناً على الطاولة
ساكناً بلا حراك في الغرفة الخالية
وضع قلمه جانباً
أشياء كثيرة لا يمكن أن تُكشف
أو يُمكن أخفاؤها.
وما حدث بعيداً شلّ جسده
مع أن حقيبة السفر العجيبة تنبض كالقلب
في الخارج ثمة صيف مبكّر
ومن الغابة المخضرّة الأوراق يأتي صفيرٌ
صفيرُ أناس أم طير؟
وأشجارُ الكرز المزهرة تربِّتُ على الشاحنات العائدة إلى بيوتها
أسابيع تمضي
ليلٌ يأتي بطيئاً
والفراشاتُ تحطّ على زجاج النافذة
برقيات شاحبة صغيرة قادمة من العالم.

بطاقاتٌ بريدية سوداء

1
المفكّرة مكتظةٌ، والآتي مجهول
السلك يئزّ بأغنيةٍ شعبيةٍ لا موطن لها
الثلج يتساقط على بحرٍ راكدٍ كالرصاص
ظلالٌ تتصارع على الرصيف
2
في منتصف الحياة يحدث أن يأتي الموت
ويأخذ مقاساتنا.
الزيارة تُنسى والحياة تستمرّ،
غير أن البدلة خيطتْ بهدوء.
الذكريات تحدّق بي
في صباح من صباحات حزيران، حين يكون الوقت باكراً جداً
لكي تستيقظ، ومتأخراً جدّاً لتعود إلى النوم
عليّ أن أخرج فالخضرة غاصّة بالذكريات
وهي تتبعني وتحدّق بي.
إنها لا تُرى،
فقد امتزجت بالكل، حرباواتٍ حقيقيةً.
قريبةٌ هي حتى أنني لَأسمعُ أنفاسها
مع أنّ غناء الطيور هنا يصمّ الآذان

هايكو

الشمس البيضاء
عدّاء مسافاتٍ
صوب جبال الموت الزرقاء.

■ ■ ■

ينبغي أن نعيش
مع العشب المطبوع بلطف
والضحك الآتي من السرداب.

■ ■ ■

الشمس خفيضة الآن
هائلة ظلالنا
كلّ شيء سيصبح ظلاً بعد قليل.

■ ■ ■

حضور الرب
في نفق أغنية الطائر
ينفتح بابٌ مغلق.

■ ■ ■

شجرة بلوط وقمر.
ضوء. مجرات صامتة،
ومحيطٌ بارد.
* شاعر ومترجم عراقي