جيهان عمر *

أنتِ التي تعطلت لديك حاسة الشم، تستضيفين من تشمّ عطر جارتها حين تمر خلف باب مغلق. لم تدركي أنّ تداخل عطري الناعم وعطرك الفريد صنعا ما يشبه قدراً يغلي على النار ممتلئاً بزهورمجففة. لم أقل لك إن المستوى الأسفل من المطبخ الغريب المكون من مستويين يفصلهما ثلاثون سنتيمتراً كان يحمل رائحة موت قديم، حيث علّقت صاحبة المنزل إطارات صور فارغة على الجدار لتؤكد المعنى. فالإطار الفارغ في تفسيري قد ذهب صاحبه إلى غير رجعة. فسّرت الأمر بدقة أكثر حينما أخبرنا جارك الأرمني بأن الشقة كانت عيادة وأن المطبخ كان المعمل. وأنا لا أحب رائحة المعمل. أتخيل من يعملون فيه كمصاصي دماء. ولم أخبرك أن رائحة الحيض الذي باغتك كانت تصلني بوضوح حينما لم تجدي ماءً ساخناً لتستحمي به.

كنت أفتح النافذة خلسة وأنت تتأففين من البرد لكي أسرّب بعضاً من الرائحة إلى الخارج. ولم أعرف قبلا أني سأنشغل يوماً برائحة شخص تتراكم الروائح في حياته ولا يميزها. في الحقيقة، لم يكن الأمر متعلقاً بك بقدر ما كان بخصوص اختلاط الروائح التي لا تشتركين معي في محاولات فصلها. رطوبة المنزل الأرضي البارد، أشياء ساندرا القديمة التي استأجرتِ منها المنزل الأنيق... اختيارها للفضي كديكور لتؤكد معنى البرودة. كان للفضيّ رائحة، أشياؤك القليلة التي تفيض هي الأخرى برائحة الوحدة. حتى بقايا تَذْكرتك من لندن الى بيروت شاركت في المظاهرة. نصف ورقة صغيرة تذكّرك برحيلك المستمر. مرور دانيال ترك رائحة الشوكولا التي أحضرها ممزوجة برائحة كراهيته الشديدة للكُتّاب الرديئين، فضول الجار الأرمني الذي أصرّ على احتساء القهوة معنا ما دمنا نلجأ إليه في حال انقطاع الكهرباء ليغلي لنا القهوة ترك رائحة حيادية. هل تعلمين أنه أضحكني كثيراً حين سألنا عن الموت الذي يحيط بنا؟ إنه يسألنا ببساطة عن سبب موت القريبين منا قائلاً بتعجب: ماتت من شو؟ وكأن الموت غير مألوف في هذه المدينة.
هل قلت لك إن رائحة انقطاع الكهرباء أيضاً كانت حاضرة ؟ المنقوشة التي لم تلحق أن تبدل البرودة بالدفء داخل المايكرويف تركت رائحة مثل امرأة كانت تأمل في اللذة ولم تصل. المايكرويف الذي كنا نصلي له كي يكمل الثلاث ثوان، وكان يجب أن تقفي طويلاً أمامه لتعاودي تشغيله مراراً فقط كي تصنعي لي ما أحب. الماء الذي تجمد في الأنابيب قبل أن آخذ حمامي اليومي، التعب الذي أصابنا من فضول أصدقاء يعرفوننا بالكاد كانت له رائحة. هل لاحظت كم مرة كانوا يسألون في الرسائل لماذا نحن معاً؟ هل هو مهرجان شعري غامض؟ كنت تضحكين، وكنت أفكر لماذا نحن مطالبون بإجابات عما نصنع في أيامنا الباهتة. فقط نحاول تلوينها بألوان لا تضر البيئة. كانوا يتساءلون عن لحظات بهجتك في الصور الفوتوغرافية، ولا يدركون مدى ضجرك حينما يهجرك النوم الى كوكب آخر، فأصحو من نومي وأجدك تحدقين بي. نعم التحديق أيضاً كانت له رائحة... رائحة الأرق. المكيف الذي تزيد حرارته ليلاً فأقوم كي أطفئه، وأسألك لماذا تحدقين؟ قبل أن أبتلع رائحة الماء وآخر القطرات في الكوب الواقف ضئيلاً بجوار الفراش، ثم أعاود النوم دون أن أنتظر إجابتك القادمة في الطريق. كان يجب أن أعود الى النوم، فجسدي مثل آلة رتيبة لو أخرجتها عن روتينها ستهيم على وجهها في صباحات بيروت مثل آلة خربة، آلة لها رائحة لا يُذيبها سوى حمام يومي. لماذا انشغلنا في العام الجديد بكيف نغلي الماء وكيف أتغطى على الكنبة أمام التلفاز الصامت ليلاً بمعطفي الثقيل وأنا أقرأ نزيه أبو عفش. آه نسيت أن أخبرك الكتاب أيضاً كانت له رائحة. وحين انقطعت الكهرباء فجأة في التاسعة صباحأً نظرنا الى بعضنا بعضاً بإحباط، لأنها لن تعود إلا بعد ثلاث ساعات في أحسن الأحوال. أخذت حقيبتك وقلت لي وأنت تراقبين كسلي الصباحي هيّا لنأخذ القهوة في الخارج. قمت متكاسلة بالتريننج الرمادي، وضعت المعطف وخرجت بعيون ثقيلة. حين أغلقت باب البناية اقترحت أنت أن نستقل تاكسي ونذهب الى الحمرا، قلتُ غاضبة: لم تقولي في الداخل إنك ستذهبين بعيداً، إنني حتى لم أرتد السوتيان. جلسنا في أقرب مقهى من منزلنا، وبعدما بدأ مفعول الكافيين يسري بداخلك، التفتّ إليّ وسألتني بجدية بالغة: وما علاقة شارع الحمرا بالسوتيان؟ وانفجرنا بالضحك. لم أقصد أن أفسر الروائح ولا أن أقوم بتفتيتها حينما عدتُ من الروشة، ووجدتك تبكين... كان لدموعك رائحة. مسحتِها مثل طفلة في كُمّ البيجاما التي قلت عنها إنها بيجاما تصلح للأطفال. قال لي صديقنا المشترك والذي راقب رحلتنا القصيرة من خلال صفحتك: إنك كنت كملاكي الحارس، أما أنا فلم أكن ملاكاً ولم أخبرك بأمر رائحة العام الجديد التي امتزجت بكبريت ألعابهم النارية مع رائحة المطر الغزير الذي ساعدني كي أنجو. نعم كنت أعتقد أنني سأتلاشى هنا مع روائح معتقة تولّى المطر أمر تخفيفها.
هل تعلمين أنني امتنعت ليلاً عن وضع دهان يدي ــ علاجها الذي يخفف الألم ــ كي لا تزعجك رائحته النفاذة (رائحة الفيكس) التي تذهب الى الرأس مباشرة. لم تقولي شيئاً عن تعطل حاسة الشمّ لديك سوى في اليوم الثالث، فبدأت دهان يدي المتألمة وأنا أتأفف وحدي. اعتقدت حينها أنك محمية من كل ما يؤذيني ويسبب لي صداعاً سريعاً، ثم عدت لأفكر، ولكنك لن تعرفي أبداً أنني حينما أضع رشة واحدة من عطر ديوريسيمو أكون في مزاج مختلف تماماً عنه حينما أضع رشتين. قلت لك حينما أخذت لمسة من كريم يدك إنه يقترب من رائحة الغاردينيا مزيج الياسمين الهندي مع رائحة زهر الليمون. وقتها تذكرت صديقي الكفيف بكلية الآداب الذي كنت أواعده لأقرأ له كتاباً في المكتبة، ولكن طوال مدة وجودنا معاً لا أتوقف عن وصف الحياة، لون السماء، الطيور التي تحلق قريبة، ملابس الفتيات الجالسات على سلالم المكتبة المركزية، حتى من يمرّ ويحدّق أخبر عنه. قال لي مرة: لا أحد يقول لي ماذا يحدث في العالم غيرك، إنهم يتأبطون ذراعي و يسيرون إلى جانبي في صمت.
كنت دائماً أريد أن أصير عيناً أو أنفاً أو فماً أو يداً. كنت دائماً مهووسة بالأجزاء المفقودة والحواس المعطلة. أتعرفين بماذا أفكر الآن؟ انك لن تفتقدي رائحة وجودي. فقط حيزٌ مشغول في المكان سيضحي فارغاً، أو ربما القصص التي نكملها لبعضنا بعضاً، أصدقاؤك الافتراضيون الذين أعرفهم شخصياً وأعرف نذالتهم المتناهية، كتّابي المفضّلون الذين تعرفين ألوان فضائحهم، كل تلك الصفحات التي قلبناها هناك. هل وضعتها في كيس القمامة الأسود الذي تأخذينه في يدك كطفل ذاهب الى الحضانة؟
المهم لا تنسي مفتاح البيت في طبق الخوص تحت المرآة بجوار الباب.
* كاتبة مصرية