خمسة وأربعون عاماً مرّت على صدور مجموعتي القصصية الأولى وكتابي الاول «ذكرى الأيام الماضية» عن منشورات «دار الطليعة» - بيروت عام 1970. ضمت المجموعة الصغيرة قصصاً نُشر أغلبها على صفحات مجلة «الآداب» التي أطلقتْنَا بعد هزيمة حزيران1967 - أنا وآخرين من أبناء جيلي - بكتاباتنا التي «وُلدت» مع بدايات زمن المقاومة، ومن معايشتنا المباشرة، بتحدٍّ للهزيمة والانكسار، وبوعود الانتصار والتحرير... وبفنٍّ يختلف، فن قصصي يُجدّد، يعبّر عن زمن النار، والبطولة، والفداء، والاقتحام، والخروج من زمن الخنوع. عام 1957، كنت قد لحقتُ بوالدي الذي لجأ سياسياً إلى سوريا، بعدما غادر أريحا في فلسطين، أو ما سُمي بعد النكبة بـ «الضفة الغربية» التي ألحقت بالأردن، وأقمت مع والدي في دمشق فترة قصيرة، في حي «سوق ساروجة»، ثم انتقلنا للإقامة في ضاحية ملاصقة لها، هي «جوبر» التي نسمع عن المعارك الدائرة فيها هذه الأيام، وهي أول ضيعة (بلدة) في الغوطة الشرقية.


كنت آنذاك في الخامسة عشرة، وقد أُتيح لي أن أقرأ الكثير من الكتب، وأن أتابع النشاطات الثقافية في دمشق. ومنذ تلك الأيام تحددت وجهة حياتي: الكتابة خياري.
كنت أقضي أيامي بين جوبر ومخيم اليرموك، ودمشق ومنتدياتها. تعرفت إلى أصدقاء في المدرسة، وحلمنا بالكتابة، وانتظمنا في الفصائل قبل هزيمة حزيران، وقبل انطلاقة العمل الفدائي، المقاومة، الثورة الفلسطينية، تحديداً بعد الانفصال عام 1961، ومؤامرة إنهاء وحدة سوريا ومصر، حيث انتشرت بيننا فكرة أن علينا أن نعتمد على أنفسنا كفلسطينيين، فالوحدة العربية بعيدة في المدى المنظور، وقضيتنا لا يمكن تأجيلها. في جوبر، تعرّفت بالشاعر الراحل فوّاز عيد، وكان يكبرني ببضعة أعوام. كان في الجامعة، وكنت في المرحلة الثانوية، وعندما صدرت مجموعته الشعرية الأولى «في شمسي دُوار»، كتبت عنها مقالة نشرت في مجلة «الآداب» عام 1964.


حلمتُ أن أرى النسخة الأولى من مجموعتي القصصية، لكن الحرب التي شُنّت على المقاومة آنذاك، حرمتني من التوجه إلى بيروت لتسلّمها

ظللت أحلم بأن أرى اسمي على غلاف «الآداب» مع قصصي القصيرة... وقد انتظرت حتى آخر عام 1967، أو ربما مطلع عام 1968، حيث فرحت بنشر «الآداب» قصتي «أشياء فلسطينية» التي تكونت من مقاطع عدة، ينتظمها الموضوع. وبعد ذلك، تواصل نشر قصصي، وعُرفت بفضل «الآداب» أنا وأبناء جيلي.
عام 1969 نشرت لي الآداب قصتي «العصافير»، والتي أكاد أجزم أنها كانت أقصر قصة قصيرة تنشرها المجلة، وإبرازاً لها فقد كرمتها «الآداب» بأن أفردت لها صفحة كاملة، نصفها الأيمن يحتوي العنوان مائلاً من فوق لتحت، ونصفها الأيسر متن القصة. بعد نشر عديد القصص، قلت لنفسي: آن الأوان لإصدار مجموعتي القصصية الأولى... كتابي الأول.
في عمان، وبعد هزيمة حزيران، بدأنا نلتقي، نحن «مشاريع» الكتاب الفلسطينيين المتوافدين من الأقطار العربية: شعراء، قصاصين، مفكرين، صحافيين، وكنا جميعاً ننتمي لفصائل المقاومة، ونتحاور حول دورنا ككتاب، ومثقفين، ونهجس بكتابة مختلفة تستفيد من كل الفنون: السينما، المسرح، والشعر، والفن التشكيلي... كتابة تضيف، وتثوّر، وترتاد آفاقاً جديدة. كان صديقنا ناجي علوش، الشاعر والكاتب على صلة بـ «دار الطليعة»، لذا شجعني على التوجه إلى بيروت، وحملني رسالة منه للدكتور بشير الداعوق مدير الدار، والذي رحب بي، وتبنّى مجموعتي القصصية الأولى، التي صدرت في أيلول 1970.
حلمت أن أرى النسخة الأولى من مجموعتي القصصية، لكن الحرب التي شنت على المقاومة آنذاك، حرمتني من التوجه إلى بيروت لتسلّم النسخة الأولى مباشرة بعد خروجها من المطبعة، كما حلمت، وتمنيت. بسبب مأساة المقاومة الفلسطينية في أيلول، ورحيل جمال عبد الناصر، سادت أجواء حزينة في بلاد العرب، وصدم ملايين العرب بالنكبتين، فبات الفرح بعيداً، وعشنا في عمان ظروفاً قاسية، وتشردنا، وتفرقت سبُلنا. استعنت ببعض الأصدقاء الذين أرسلوا لي نسخاً من المجموعة من بيروت إلى دمشق، ومن دمشق نُقلت (تهريباً)، وقد وصلتني بعد رحلة امتدت لأسابيع. وكان من نقلها قد أخفاها في سيارة كبيرة، بين البودي والبطانة، فتلوثت أغلب النسخ، وبعضها تغطت صفحاتها بالطين، فالنسخ نُقلت إلي في مطلع فصل الشتاء، يعني انتظرت قرابة ثلاثة أشهر حتى أرى النسخة الأولى من كتابي.
أحسب أن تلك كانت أجمل هدية تلقيتها في حياتي، حتى ذلك الوقت. وقد تباهيت بالنسخ المضمخة بالطين، التي هرّبت عبر الحدود، كما يتهرّب الفلسطيني المطارد، والملاحق، والمشتبه به دائماً! انتقلت إلى دمشق بعد أشهر، وأقمت هناك لسنوات، وتشردت مع «ثورة» تشردت بألوف مقاتليها، لتبدأ حقبة جديدة في رحلة التشرّد الفلسطيني. أمّن لي زملائي في بيروت، وكانوا يعملون في مجلة «إلى الأمام» ما كتب عن المجموعة، وأترحّم على الشاعر والصحافي العراقي شريف الربيعي الذي كتب عني، وعن المجموعة، واحتفظ لي ببعض ما كُتب عن المجموعة، وفي إحداها نُشر ما يشبه النعي لي، فقد انقطع التواصل بيننا في أيلول الـ70، وبات مصيرنا مجهولاً...
قرأت كلاماً طيباً عن المجموعة. في بعضه رهان على مستقبل ينتظر هذا القاص، أنا، وفي بعضها مقارنة بالكبار: غسان كنفاني، وسميرة عزام... وهو ما ملأني بالفخر، وأقلقني أيضاً. هناك شيء واحد أحزنني عند تصفحّي للمجموعة، وهو سقوط اسم الفنان الفلسطيني الصديق فاروق أبوهويدي، وهو مصمم الغلاف، الذي وصفه الفنان الكبير مصطفى الحلاّج بأنه أعظم فنان تجريدي فلسطيني، وربما عربي! وما فاقم حزني أن فاروق مرّ ببيروت، واقتنى نسخة، وحين فوجئ بتغييب اسمه كمصمم للغلاف... أرسل لي عتاباً أحرجني، وأحزنني، بخاصة أنه رحل إلى السعودية، وما عاد بيننا تواصل، بحيث أوضّح له الأمر. والآن: أنا لا أملك نسخة من الطبعة الأولى لكتابي الأول. وما يتوفر لدي نسخة مجلدة من الطبعة الثانية، ونسخ من الطبعات الثلاث للجزء الأوّل من أعمالي القصصية، التي تضم المجموعات القصصية الخمس الأولى، وأولاها «ذكرى الأيام الماضية».
الكتاب الأول!
يعني الزمن الأول، أو أوّل الزمن، ومبتدأ رحلة الكتابة، والإقبال على الحياة، وازدهار الأحلام والآمال. والآن بعد صدور أعمال روائية، وقصصية وكتابات للفتيان، والكتابة للمسرح، ورواية معركة بيروت 1982: «آه يا بيروت»، و«رائحة التمر حنّة»... يبقى للكتاب الأول أنني كنت مُقبلاً، وها أنا الآن أمضي في آخر الشوط. لدي أعمال روائية أشتغل عليها، وقصص قصيرة أكتبها، ويبقى أن الكتاب الأول كالحب الأوّل، لا يمكن أن ينسى، و«فرحته» البريئة لا تشبهها أي فرحة.