في ظاهرة لم يسبق حدوثها أنّ احتفالاً أُقيم في أكبر صالة من مبنى «قصر الأونيسكو» في بيروت ضم خمسة شعراء، كل واحد منهم اتخذ له زاوية للتوقيع على كتبه الشعرية، وهم: بلال شرارة، الامير طارق نصر الدين، الشاعر السوري عبد القادر الحصني، باسم عباس، والشاعر القومي غسان مطر، الذين نحن بصدده الآن، ذلك أن معظم أعمال هذا الشاعر هو الوطن، وهو الوحدة، التي تكون مصدر قوة ازاء هذا التشرذم الحاصل في منطقتنا العربية. ليس هذا فقط، فإن ما ينعكس من الحياة العامة، ينعكس ايضاً على احاسيس هذا الشاعر الذي يرى بعينه الثاقبة أنّ لا صحوة في المدى المنظور. عنوان مجموعته الجديدة هو «أحزان مشردة» (الحركة الثقافية في لبنان) ومن منا ليس حزيناً على اوضاع الأمة التي تمتهن على مستوى العالم كله، وتؤججها «اسرائيل عدونا التقليدي»؟ هذه الاحزان جسدها مطر (المحامي والنائب السابق) في قصائده من كل جانب، ولا من أمل بأنّ فجراً سيشرق على هذه الامة التعسة.


هو حزن ينتقل من حال الى حال من دون أن يكفّ عن أن يكون هو ذاته، وذلك بفضل الاحساس العميق للشاعر وهو لا ينظر الى هذا الوجود نظرة الشاعر بل الفيلسوف والانسان. انه بفضل القصيدة يوحّد اجزاء الوقت المتفرقة المتمايزة، تقضي على تباعدها وتنافرها، وتعطي كياناً للعدم. من هنا المغزى العميق لعبارة ت. س. اليوت «في بدايتي نهايتي»، التي كان يكررها مراراً في حياته. غسان مطر ــ من حيث يدري أو لا يدري ــ هو الآخر بدايته نهايته. لا يتفاءل الشاعر وهو يري بأم العين أمة بكاملها تنهار وتندثر.
يجد أننا في احتضار بطيء. ليس الموت الحقيقي سوى بعث قومي وولادة جديدة، فالحياة موت والموت حياة. ليس في حياة الشاعر من بقعة ضوء وقد توالت الهزائم علينا من كل حدب وصوب. ليس هناك شعور بالرفاهية والاكتفاء واحترام الناس في هذا الوطن. اننا في قلب حلقة الخطر. ازاءه، يجد الشاعر أن المتع الحسية العابرة ليست هدفه، بل الاشراقات الروحية الخاطفة التي تتجاوز السعادة الى ما وراء ذاتها، الى عالم آخر، يشير ويلمح ويقود اليه، ويهون علينا عندما ندرك ما ينطوي عليه من ابعاد فلسفية ستخرج منها اكثر ما تعرضه علينا من قبل. نكهة المطلق ونسيم الفردوس، فنصفح عن النقصان في الحياة واساءاتها. ومن هذا الشعر الذي أجاد غسان مطر تجسيده، يكشف لنا عيوبنا وخطايانا. ليس من شيء نافر، لأن هذا النور الإلهي في القصيدة يشرق علينا في النهاية، وننظر بتعاطف وحنان نحو الناس ويتراءى لنا بعض بصيص من الامل، فالشاعر ليس متشائماً الى آخر الحدود.


المتع الحسية العابرة ليست هدفه، بل الاشراقات الروحية الخاطفة

بصيص من الامل تدعمه القصيدة الجيدة، لا القصيدة المتحايلة على الابداع. غسان مطر ليس متأرجحاً بين الوجود والعدم، بل هو في مصلحة الوطن ككل، يغمرنا بالمحبة الشاملة، لا الجزئية المتعلقة بالشخص. محبة متجاوزة مصلحة الفرد نحو مصلحة الوطن ثم الكون، منزهة عن الشهوة التي تتسع للعالم بأسره والمخلوقات جميعاً، وكل البشر من دون استثناء. بالتأكيد، ليس غسان مطر مغامراً يحاول أن يجعل من نفسه غريباً عن الشعر، بل هو منتمٍ انتماء كاملاً للقصيدة، ومحبة الوطن والاهل والامة هي المحبة المستوحاة من الله. لقد عانى غسان مطر من الاضطرابات السياسية، والصراعات الاجتماعية، والمشاكل والمساعي المختلفة التي استقطبت اهتمام الناس، فتجدها هراء وقبض ريح، لكن الشاعر لا يزدريها، فكل شيء ــ في المحصلة ـــ حسن. إنّ الشاعر ـــ بسبب رفعة أخلاقه ـــ لا يشتري البشاعات والآثام، بل يريد أن نطهر قلوبنا كي نستعيد نعمة الوطن. وهذا الجوع لا نستطيع اشباعه سوى بالغذاء الروحي، بينما يعجز خبز الارض عن ذلك. ليس شعر غسان مطر على ضلال من الواقع، بل على العكس. انه في صميم الواقع، يحاول كفرد وحركة مجتمع أن يعمم مساره نحو الأحسن إن لم يكن نحو الثورة. لذلك نراه يدعونا الى التضحية. ليس من سواها قادرة على التغيير من أجل البقاء. وهو ينشد لمجزرة صبرا وشاتيلا السيئة الذكر عام 1982: «كان ما كانَ/ وهبّ الموت امواجاً/ وايلول هدير صاخب في الروح/ والبحر دم/ والطفل يحبو صوب صدر الأم/ مثقوباً بآلاف الشظايا،/ وعلى الشرفة «شارون»/ وفي كفه كأس الدم». وهو في محاولته استعادة كبريائه من ظل الهزيمة، انما يستدرك أن لا بد بين كل شعوب العالم من يتعاطف معنا، فليس صحيحاً ان كل أمم الارض مع الصهيانة سارقي الحق باستثمار الخديعة: «أشكو لمنْ/ هل كان هذا مطلع الموّال/ أم أنني تخيلت الغناء/ لكيّ أُجاهر في الغناء/ ومن المغني النادب الباكي/ لأسأل جرحه السري/ هل وطناً دفنتَ كما دفنتُ؟/ وكيف يسعفك البكاء؟/ تشكو،/ وتعرف أن اهلك كلهم ذبحوا... تشكو لمن/ والأرض جرح/ أيها الجرح المغني/ والسماء اجتاحها الوثني/ وانكسرت مفاتيح السماء/ الله اكبر/ كيف ان (الله اكبر) تستباح/ وكيف تقطر من طهارتها الدماء».