تُرجمت روايات عديدة لبول أوستر (1947) إلى العربية، وشاهدنا له أربعة أفلام كتبها أو أخرجها، ومن المفترض أن يأتي كتابه «حكاية الشتاء» (ترجمة: هالة سنّو/ «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر») استكمالاً لخصوصيته السردية وأسلوبه في اختيار أشخاص عاديين ليكونوا «أبطالاً» في رواياته، وهو ما سيجده القارئ العربي فعلاً في كتابه الذي صدر بالانكليزية قبل ثلاث سنوات بعنوان «Winter Journal»، ولكن الفارق أن أوستر نفسه هو «بطل» هذا الكتاب المكتوب كسيرة ذاتية أو شذرات ومحطات منها.


هو كتاب عن الجسد، وعن التقدم في السن، وعن استعادة الجسد والوعي والذكريات، وإعادة التأمل في التفاصيل والخطوط التي برع الكاتب الأميركي في منحها حياةً ثانية في الكتابة، بينما الكتاب المكتوب بصيغة المخاطب يصنع مسافة معينة عن صيغة المتكلم. مسافة تؤمن لأوستر أن يتخلص من حصرية السيرة نحو كتابة متحررة أشبه بـ «المقطوعة الموسيقية»، بحسب وصفه.
صاحب «ثلاثية نيويورك» يدعو القارئ إلى جولة في الفناء الخلفي لحياته وأفكاره عن الكتابة والعيش والزمن، حيث الكتابة هي «تقرير من الداخل» بحسب عنوان الجزء الثاني من هذه السيرة الذي صدر قبل عامين ولم يُترجم بعد إلى العربية.
يبدأ الكتاب من لحظة بلوغ أوستر عامه الرابع والستين. لحظة تدفعه لسرد حكاية الجسد في تجاربه المختلفة، وخلال ذلك سنتعرف إلى أوستر الشاب في بداياته. عن إقامته في باريس، وكتابة الشعر أولاً وترجمة أشعار فرنسية إلى الإنكليزية. عن الشقق والبيوت التي سكن فيها. عن دراسته في «جامعة كولومبيا» ورسالة الماجستير بإشراف إدوارد سعيد. عن مديحه التدخين والشرب (من دون إدمان) كمحفزات للكتابة. عن حكايات من الطفولة والشباب تُروى في «شتاء العمر». وفي كل ذلك، نتأكد مجدداً أن جزءاً من قوة وجاذبية أعمال بول أوستر تكمن في كونه قاصاً بالأساس، وأنه يحافظ على هذه الميزة الخصبة في رواياته التي هي قصص طويلة. إنها روايات منجزة بروحيّة القصة، وهو ما يُعفي صاحبها من البحث في مفاهيم وملابسات اجتماعية وفكرية تتجاوز البنية البسيطة والمشوقة لمصائر شخصياته. لا تزال روايات أوستر تحتفظ ببديهيات القصة والسرد، أما شغله الحقيقي فينصبّ على اللعب بهذه البديهيات، وخلق قصص داخل القصص، من دون أن يتسبب ذلك في تحويل شخصياته إلى أبطال بالمعنى النقدي والسوسيولوجي. في شذراته الذاتية التي نقرأها مترجمة، سنجد مذاقاتٍ وإيماءاتٍ من هذا الأسلوب الآسر الذي لا يريد أن يكون أسلوباً، حيث يصبح القارئ جزءاً من القصة وليس متفرِّجاً. وسنجد أن صاحب «في بلاد الأشياء الأخيرة» هو «بطل» قصته الذي ينبغي أن يكون شخصاً عادياً وواقعياً مثل شخصيات رواياته وأفلامه.
يمكننا أن نقرأ الكتاب على أنه مرثية أو ثناءٌ أسيان على «الأشياء الأخيرة» التي تتناقص وتشيخ وتهرم في الجسد. إنها رحلة الجسد الذي استُخدم في مُتعٍ ومباهج كثيرة مثلما تعرّض لأوجاع وصدمات وخسارات.
إنها سيرة أوستر، ولكنها تصلح كهدية لمن شغفوا بقراءة «حكاياته»، ويحظون الآن بفرصة أن يروي لهم «حكايته» هو.