العالم العربي يعاني مشاكل هائلة تم السكوت عنها في الماضي، ثم أتى ما يسمى «الربيع العربي» ليرفع الغطاء عن القِدر، ليظهر إلى العيان كمّ من الأغلاط والأخطاء والخطايا، ومنها مثلاً موضوع كتاب «سياسات الطائفية في الخليج الفارسي»، أي الطائفية في بعض البلاد العربية في الخليج يضاف إليها العراق واليمن وإيران. محتوى الكتاب محصلة نقاشات علمية أنجزتها مجموعة من الأكاديميين أهل الاختصاص، جاؤوا من بلدان كثيرة، ويعملون في مؤسسات علمية أوروبية وأميركية مرموقة ومنها جامعات «هارفارد» و»جورجتاون» و»لُند» و»كلمبيا». بعض المشاركين في حلقتي البحث مساهمون نشطون في المجال السياسي كمستشارين لحكوماتهم أو لمؤسسات إقليمية مثل الاتحاد الأوروبي.


العلماء شاركوا في حلقتين بحثيتين دعا إليهما رئيس «مركز الدراسات الأممية والإقليمية» التابع لفرع «جامعة جورجتاون» في الدوحة في الربع الأخير من 2011، لكن العمل في الكتاب استمر حتى عام 2013 الذي صدر فيه. هنا وجب التنويه إلى أن حلقات البحث التي تعالج موضوعات غاية في الإشكالية والحساسية انعقدت في قطر، الدولة العربية الخليجية، إن صح وصف كهذا. إضافة إلى ما سبق، تكمن أهمية الكتاب في تناوله المسألة ليس من منظور سياسي فقط وإنما من منظورات فكرية وفلسفية وتطبيقية
أيضاً.
لا شك في نمو المشاعر الطائفية في بلادنا العربية، كما في الدولة الأخرى موضوع البحث، والكلام والمصطلحات تعود دوماً إلى المحرر والمؤلفين. الثورة الخمينية أثارت المشاعر الدينية وصار ثمة حديث عن «الصحوة الإسلامية» و«العودة إلى الأصول» وما إلى ذلك. هذا بدوره سلط الضوء على المسألة الطائفية.
المؤلفون في الوقت نفسه يؤكدون، كل في مجاله، أن الاستعمار أسهم إلى حد كبير في زرع بذور الفتنة الطائفية، سواء في سوريا أو العراق أو البحرين، أي أن المشاكل الطائفية والصراع بين الطوائف، حيثما وجد، ليس دوماً وليد سياسات حكومات قاصرة.
لكن عامل الاستعمار وحده لا يمكن أن يشرح أسباب ظهور الطائفية في المجتمعات العربية. وفق الكتاب، العوامل الاقتصادية تؤدي دوراً مهماً في إيقاظ تلك المشاعر الدفينة. فالتفاوت في الدخل وسوء توزيع الدخل والسياسات الإقصائية التي تمارسها بعض الحكومات، مثل السعودية والبحرين، تجاه المكون الديني الشيعي، تسهم في إلهاب المشاعر الطائفية، التي هي، دوماً، مطالب طبقية.


لعب العامل الاقتصادي دوراً في إلهاب المشاعر الطائفية التي هي مطالب طبقية

بعض العلماء المشاركين في هذا العمل الفذ رأوا أن الشكل الوطني، أي التشكل ضمن حدود دولة بعد الاستقلال عن المستعمرين، أيقظ المشاعر الطائفية لدى من يطلق عليه «أقليات» التي بادرت بدورها إلى طرح مطالب تبدو طائفية في جوهرها. الكتاب يشدد على أن الممارسات والسياسات الطائفية أسس لها الاستعمار في بعض الدول ومنها لبنان، وفي البحرين، حيث فرض حكم عائلة «سنية» على غالبية شيعية. ومحاولات العائلة الحاكمة في المنامة منح التبعية لعدد كبير من السكان «السنة» هدفها توطيد حكمها وليست ثمة مسألة دينية في الموضوع. من الأمور الأخرى التي يبحث فيها الكتاب دعوات بعض دول الخليج لضم الأردن والمغرب «السنيتين» إلى مجلس التعاون بهدف تشكل تكتل سني في مواجهة ما أطلق عليه ملك الأردن «الهلال الشيعي». أي أن الأمر ليس دينياً إطلاقاً بل سياسي يهدف إلى توطيد حكم تلك الدول التي لا تحظى بأي قاعدة شعبية.
بعض الكتاب يعودون إلى التاريخ وحركات بدت أنها طائفية مثل الشعوبية والقرمطية، لكنهم يرون أن الطائفية مفهوم جديد برز حديثاً ومن غير الممكن إسقاطها رجعياً على أحداث مر على حدوثها قرون طويلة ومتغيرات اجتماعية لا حصر لها. التمييز هو ما يشجع الهوية الطائفية. والطائفية، بحسب الكتاب، ليست دينية فقط وإنما نراها في الانتماء القبيلي والعشيري والمناطقي وما إلى ذلك.
الموضوعات النظرية التي يبحثها الكتَّاب كثيرة منها علاقة السياسة الطائفية بالدين وبمفهوم الحكم وبالعلاقات الخارجية والعلاقات الإقليمية الداخلية «غزو قوات دول مجلس التعاون لدولة البحرين» دوماً وفق الكاتب. انطلاقاً مما سبق، تناول كل كاتب موضوع البحث ضمن دولة محددة وفق الآتي: فهم الطائفية في الخليج الفارسي، العلاقات الطائفية والهوية السُّنِّيَّة في عراق ما قبل الحرب الأهلية، الدولة والهويات الطائفية في ممالك الخليج الفارسي: البحرين والمملكة السعودية والكويت في منظورات مقارَنَة، عصب ملكية، استراتيجيات الحكم والطائفية في البحرين، اليمن: الطائفية وسياسة المحافظة على بقاء النظام، التواجد البلوشي في الخليج الفارسي، أقليات إيران الإثنية والدينية والقبلية.