لا يعرف شعراء «القصيدة اليومية» أو «قصيدة التفاصيل» أن لنزار قباني ديوناً ثمينة في تجاربهم. لقد كُتب الكثير عن محمد الماغوط كأفقٍ لتلك القصائد التي كتبها جيل كامل من شعراء السبعينات في سوريا، ثم شاعت وانتشرت بتدرجات متفاوتة لدى عدد من الشعراء العرب، قبل أن يُعاد اكتشافها بكثافة لدى عشرات الشعراء المصريين الذين تساوت بالنسبة لهم قصيدة النثر مع نسختها اليومية والشفوية، وهي اليوم تكاد تكون النسخة الوحيدة المتداولة في الشعر العربي.


ليس المقصود الآن في الذكرى الـ 17 لرحيل صاحب «طفولة نهد» أن نبدّل أباً شعرياً بآخر، فالماغوط نفسه كان متأثراً بقباني، ولكن الشعراء الذين كتبوا لاحقاً انحازوا إلى خشونة نبرة الماغوط التي بدا وكأنها تمنح شيئاً من الملموسية الماديّة للغة قباني الأنيقة والمحلقة في مزاج الحب والمشغولة بمديح النساء.
سيظل الشعر العربي ممتناً لقباني أنه أنزل القصيدة إلى الشارع والمقهى واالحانات، وأنه «مرّغ» الفصاحة في جماليات الركاكة ولذة المحكيّات. وحين صدمته نكسة حزيران، ودَعتْه إلى «الكتابة بالسكين»، لم يغير معجمه. وكذلك فعل حين أذاق العرب وحكامهم شتائمه القاسية.
حلق نزار قباني دوماً بجناحي الحب والسياسة، وغُنّيت قصائده بجناجر مطربين كبار، وسهرتْ دواوينه في أسرّة قراءٍ وقارئات من أجيال مختلفة، إلا أن هذه «العمومية» لم تنلْ من كلّ شعره. لقد ظل محافظاً على تلك الشعرة القوية التي تربطه بالشعر الحقيقي والحيّ. إنه «رئيس جمهورية الشعر» كما وصف نفسه، ولكنه لعب دور «المواطن» العاشق واليائس والمجروح بالهزائم العامة والفردية، وكتب «قصيدة الإنسان الصغير» بحسب تسمية أخرى أطلقها الناقد السوري محمد جمال باروت على «القصيدة اليومية». شعر نزار قباني لا يزال يقاوم الزمن بالحيوية والخفة والمرونة التي كُتب بها. وسواء أكانت ذكراه الأولى أو العاشرة، أو المائة، ستظل تجربته محتفظة بنوع من النضارة، وذلك لأنها اختلطت بنبرات أبنائه وأحفاده، وتُواصل حياتها في نصوصهم الجديدة.