"عودوا أنّى كنتم/ غرباء كما أنتم/ فقراء كما أنتم/ يا أحبابي الموتى عودوا/ حتى لو كنتم قد متم...". في ثانوية جبيل صرخت "نشيد الموتى" في أوائل سبعينيات القرن الماضي، عندما أتى الصديق هاني رعد من بعلبك لأكتب الموسيقى لمسرحيته الأولى قبل "وعود من العاصفة" بثلاث سنوات. لم أكن أعرف آنذاك شاعر أفريقيا، والتقينا لاحقاً عندما زار محمد الفيتوري لبنان خلال الحرب واستوطن فيه وجعل الليالي أقلّ قسوة وأقلّ غربة.


عاش معنا في محنتنا الدامية وكان قادراً على ممارسة الفرح والسهر و"تعاطي" الكلام الجميل في زمن وحشيّ صار الكلام الجميل فيه الاستثناء، والبشاعة هي القاعدة. كان يضيء ليل بيروت في الظلمة الساطعة مثله مثل بدر شاكر السيّاب ومحمود درويش وأدونيس ونزار قبّاني ومعين بسيسو ومظفّر النوّاب وعز الدين المناصرة وعلي فودة.


كان يضيء ليل بيروت في الظلمة الساطعة مثل بدر شاكر السيّاب ومحمود درويش وأدونيس ومظفّر النواب
كنت أقول غداً عندما تسكت المدافع سنسمي شوارع بيروت بأسمائهم ونرفع تماثيلهم في الساحات والحدائق العامة كما يجلس بوشكين ومايكوفسكي ولوركا وناظم حكمت وبابلو نيرودا وبودلير على خطوات من شوارع مدن العالم. لكن، لن تكون هذه الكلمة في ملّف عن الفيتوري احتفالاً بالموت وانما احتفالاً بالحياة، عسى أن يمر هؤلاء الشعراء بعد ألف سنة من هنا لينشدوا الشعر. محمد الفيتوري استطاع باستمرار أن يصل بشعره إلى العدد الأكبر من الناس، وكان بوحه محروماً من الوطن وليس محروماً من القرّاء وليس له وطن يشعر فيه بكرامته، لا الفيتوري ولا أحد من شعراء الوطن العربي. كان الفيتوري يحمل وطنه في أحلامه ويسكن معنا وحتى نحن في منفى ومع هذا لم يسقط، كان فوق المنفى وخارج حدود اللامبالاة والقمع وبعيداً عن متناول الايدي القذرة والمدافع والخناجر والسيوف والفرّاعات. مملكته هي مملكة الشعر التي انتمى اليها هذا الغريب. صوت في داخله لا يسمعه سواه ولم تستطع قوّة أن تكّم فمه. العالم يضطهده وهو يشفي العالم، العالم قوي وشعره أقوى من العالم. كان محمد الفيتوري عاشقاً لبيروت وكلما "عتّمت" المدينة نوّرها الشعر، وكان منفياً هنا وهناك وهنالك ولكنّه ترك لنا في البيوت الحب والشعر "لكنّا سوف نسير/ ومياه النهر تسير/ وشموس الأفق تسير/ ونظلّ نسير نسير". محمد الفيتوري شكراً لك.

* فنان لبناني