لم يبدُ رحيل محمد الفيتوري قبل أيام صادماً ومباغتاً ومثيراً للغبار كما كان شأن العديد من الشعراء المجايلين له أو المتأخرين قليلاً عنه، الذين سبقوه الى الرحيل. والأمر على الأرجح لا يتصل فقط باعتياد الناس على موت الشعراء الذي ازدادت وتيرته منذ أعوام، بل بأمور أخرى من بينها غياب الشاعر الطويل عن المشهد الشعري العربي، بحيث أن أجيالاً عدة لم يتيسّر لها الاطلاع الوافي على تجربته الشعرية اللافتة من بينها خياره السياسي غير المستساغ من قبل كثيرين الذين هالهم أن يجد شاعر عربي من وزن صاحب «أذكريني يا إفريقيا» ضالته في كنف واحد من اكثر حكام الأرض دموية وانحرافاً كمعمر القذافي، مُشيحاً بوجهه عن القيم الإنسانية التي حملها الشاعر وخسر من أجلها جنسيّته الأم.


والسبب الثالث يعود الى انتشار خبر أمراضه المزمنة منذ وقت طويل، وإلى اعلان وفاته غير مرة وتدبيج المقالات في رثائه بما جعل بقاءه على قيد الحياة وليس رحيله هو المفاجأة الحقيقية لقرائه ومتابعيه. غير أن تواري محمد الفيتوري شبه التراجيدي عن مسرح الشعر منذ ثلاثة عقود تقريباً لا يعني بأي حال غضّ النظر بشكل متعمد عن «صورة الشاعر في شبابه»، وعن حضوره الساطع في خريطة الحداثة الشعرية العربية منذ ستينيات القرن الماضي. حضور لا يقتصر على التجربة الإبداعية ذات الحساسية المرهفة وحدها، بل يتعداها الى كاريزما نادرة أفادت من سواد الشاعر الآتي من عمق السودان، مزوداً بوهج الشمس وايقاعات الطبول الإفريقية، وبتمرّس في اللغة استقاه من أبيه المنتسب لإحدى الطرق الصوفية. واذا كان لبيروت أن تنسى الكثير من الشعراء الذين وفدوا إليها من ديار العرب وأقطار العالم، فهي لن تنسى الحضور المميز للفيتوري في رثاء الأخطل الصغير أواخر الستينيات، ولا حضوره اللاحق في «قصر الأونيسكو» بعد ذلك بفترة وجيزة.


موضوعه الملحّ «إفريقيا»
اكتسب ملامح تجاوزت اللون

استطاع بوجهه الداكن والمسربل بالغموض، وعينيه الحادتين المصوبتين باتجاه زاوية من القاعة غير مأهولة، وصوته الأجشّ على تلوينات عميقة الشجن أن يأسر الحاضرين الذين ظل بعضهم يحفظ له أبياته الذهبية كالمثل السائر: «زمني يا أختَ هواي عجب/ زمني جلادٌ لا يرحم/ زمني وجه يتفجر من شفتيه الدم/ زمني يا أخت هواي أصم / يخنقني كي لا أتكلم / وأنا إنسان يتألم».
لم تكن هذه الأبيات بالطبع واحدة من ذرى الفيتوري الشعرية. لكن إيقاعاته المتتابعة، وجمله القصيرة المتناظرة ، وضربه على وتر الرفض الثوري الذي كان سمة تلك المرحلة من تاريخ العالم، كلّ ذلك مضافاً الى سواد لونه جعله بعد الشاعرين عنترة العبسي وسحيم عبد بني الحسحاس، الركن الجديد من ثالوث الانتفاضة على العنصرية. وقد عرف الفيتوري، منطلقاً من ذكاء متوقد ونرجسية مفتونة بذاتها وإحساس بالنقص والاضطهاد الوسواسي، كيف ينتقم عبر المواهبة المجردة من تاريخه الشخصي والجمعي الذي طال قارّة بكاملها، بل تجاوزها إلى قارات العالم الخمس.
ولم يكن تعدّد علاقاته العاطفية وافتتانه بالنساء أينما ذهب، وإصراره على لعب دور الدون جوان، وإكثاره من قصائد الحب التي تجسدت بشكل واضح في مجموعته «ابتسمي حتى تمرّ الخيل» سوى ردّه الصارخ على شعوره المقيم بالدونية والنقص، محولاً سواد لونه الى نوع من السحر الأسود الذين يستحضر بواسطته السعادة الغائبة، ويغوي من خلاله بياض الأنوثة المتمنّع. كأن الشعر هنا «تبييضٌ» رمزي للسواد المقموع وتحرير للنفس من داخلها المثخن بالألم.
كان لمعركة الفيتوري مع نفسه ومع العالم في البداية طابع المأزق الإنساني الوجودي الذي أكسب تجربته الأولى مشروعية غير منقوصة. ورغم أنه حاول الدمج بين معاركه الداخلية والمعارك القومية والإنسانية والمتمثلة بحركات التحرر الوطني وقضايا الاشتراكية والفقر وغياب العدالة، فقد تمكن بذكاء من المواءمة بين جنوحه إلى الإنشاد الغنائي وامتداح الأفكار التي اعتنقها، وترشيق اللغة والحفاظ على تلقائيتها وإخفاء المهارات البلاغية والجمالية التي ترهق الكثير من نصوص الحداثة. وقد بدت مجموعته «معزوفة لدرويش متجول» ذروة تجربته الشعرية التي خففها النزوع الصوفي من لواحق الصوت العالي والتعسّف الايديولوجي: «شحبتْ روحي/ صارت شفقاً/ كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه أنا/ أتوهج في بدني/ غيري أعمى/ مهما أضحى لن يبصرني/ فأنا جسدٌ حجرٌ/ شيءٌ عبر الشارع/ جزرٌ غرقى في قاع البحر/ حريقٌ في الجسد الضائع». كما كانت قصيدته في عبد الخالق محجوب، المناضل الشيوعي الذي اغتُيل، نموذجاً آخر من نماذج المزاوجة الناجحة بين جمالية الشكل ومحمول النص السياسي: «لا تحفروا لي قبراً/ سأرقد في كل شبر من الأرض/ أرقد كالماء في جسد النيل/ أرقد كالشمس فوق حقول بلادي...».
كل ذلك سيتراجع في ما بعد لسوء الحظ لا لأن المياه نضبت أو شحّت ينابيعها فحسب، بل لأن استمراء اللعب مع الطغاة والاقتيات من موائدهم جعل الشاعر ومصادر قصيدته الأم على طرفي نقيض. وحين تقهقر المعنى الذي يسند النص، بدأ الشعر في المراحل المتأخرة سلّماً للوجاهة والترقي الاجتماعي وتحقيق المكاسب الدنيوية العابرة، بحيث لم يُتَح للشاعر أن يستكمل مشروعه الشعري الذي كان يرهص في بداياته بالكثير. وإذا كنا أمام نسختين متعارضتين من محمد الفيتوري، فإن النسخة الأولى بالقطع هي الألصق بجوهر الشعر وهي الأثبت أمام الزمن.
* شاعر لبناني