يُروى عن الفيتوري أنه حين قرأ، أوّل مرّة، قصيدةَ «أنشودة المطر» للسياب، منشورة في مجلة «الآداب»، وضعها سجّادة أمامه وبدأ يصلّي.

لعلّ في هذه الرواية – المشهد - وإن كانت وهماً - ما يلخّص جوانب عديدة في شخصية الفيتوري التي تلتقي عندها الأضداد في مزيج هو الذوبان والتجسّد، الهبوط والارتقاء، المقدّس والعادي، حيث الشعر صلاة، والشاعر روح تتهجد، لا في تجردها وارتقائها، بل في انحباسها في طقوس ومادة وترتيل وخرق للمقدس أيضاً. وهنا قد نتذكر المستشرق هاملتون جب في تناوله للإحيائية التي مزجت الدين بالوثنية في صوفية نادرة في العديد من المواضع في أفريقيا وأبرزها: السودان.

قرأنا الفيتوري مع كوكبة من شعراء مجايلين له، كان حضورهم طاغياً آنذاك. ولعل ما ميز الفيتوري في هذا الحضور هو موضوعه الملحّ «إفريقيا» الذي اكتسب ملامح تجاوزت اللون إلى ما هو ملمحٌ اجتماعي هنا أو هناك في مجموعته الأولى، غير أنّ ما استوقفنا، نحن الجيل الأصغر، لا موضوعه هذا وإنما هذه اللغة الحسية الفائقة على بساطتها أحياناً (وهذا ما يذكره الفيتوري نفسه في اللقاءات التي أُجريت معه)، وتعثرِ بنائها الذي يبدو فقيراً إزاء البناء الذي يطالعنا في قصائد السياب وأدونيس وعبدالصبور وحتى في قصائد زملاء له يقتربون منه كالشاعر جيلي عبد الرحمن الذي لفت الانتباه ببنائه المتسق الإنسانيّ ذي الجذور الشعبية الراسخة والروح المتجدّدة كما في قصيدته الرائعة عن حيّ عابدين في القاهرة التي تناولها بالدراسة في ما بعد الدكتور عفيف دمشقية في أحد أعداد مجلة «الطريق» اللبنانية. ولعل ما جعلنا ننأى عن الفيتوريّ هو شعره الذي أدرج أخيراً في المناهج التي كنا ندرّسها لطلابنا، فبدا لبعضنا وكأنه يحمل نقيضه وقد ابتذله التكرار.
غير أن هذا لم يكن نهاية المطاف. كانت المسافة تتسع وتضيق مع مرور السنوات، واحتدام التجارب، وتسارع الأحداث، وطغيان السياسي. وفي هذه المسافة طالعتني مرة قصيدة مذهلة للفيتوري في حسيتها ووجْدها – إن صحّ التعبير- حيث الجسد والروح يقتتلان، فكانت متعة لا تضاهيها متعة أخرى في ذلك المساء الدمشقيّ الذي فاجأتني فيه القصيدة منشورة في صحيفة مصرية على الأغلب.
ثمّ اتسعت المسافة ثانيةً ليملأها لا بوح الشعر وصمته، بل لغط المواقف السياسية المتغيرة: رحيلنا إلى المنافي العديدة، ورحيل الفيتوري إلى أوطانه العديدة: السودان (من ناحية الأم) وليبيا (من ناحية الأب) ومصر (من ناحية المنشأ). هروبنا من الطغاة واقترابه منهم واحتراقه بهم، ربما، جامعاً رماده في قوارير قصائده كأنه يحتفظ بما تبقى من وهج الروح في محرقتهم، أو كأنّ ثمة قدراً عابثاً بالجميع منفيين ومستوطنين، هاربين من الطغاة وآتين إليهم. ولعلّ في هذه المسافة من الفوضى ما يجعل الشعر أيضاً في مهبّ المصادفات في مواضع وأشكالٍ تتصارع أيضاً، فمِن مديح مباشر فجّ إلى صوفية مطلقة، ومن ذوبان للروح إلى مادة تجفّ، ولكن ثمة ما نجده في خرائب ما يحيط بنا من زهرة للشعر، وغصنٍ للإقامة، وظلٍّ للمسير ثانية في متاهة لا حدّ لها من الشعر والمنافي والإقامة أيضاً.
في بيروت قرأنا الشعر معاً في «ملتقى الشقيف» لكنني لم أره إلا مرة واحدة مختفياً في صفّ خلفيّ فلم أجد الطريق لألتقي به، مصادفة أو عمداً، لأنه اختفى بعد الاحتفال ولم يظهر ثانية، على رغم تجمهر الشعراء، وصخبهم المعهود، ولقاءاتهم المكرورة المحتدمة، وعبثهم المتواصل، وتعليقاتهم الساخرة.
هل هي الروح التي استحالت رماداً؟ هل قُدّر للشاعر الحقيقيّ أن يتعذب في خطئه وصوابه، في خذلانه وانتصاراته، في ألمه وسعادته، في لعنته وخلاصه، في جبروته وضعفه؟
ما أزال أتذكر وجهه وسط الحضور ساهماً وديعاً مستسلماً ربما لروحه، ربما لقدره أو أحاسيسه التي خذلته كثيراً وهو يغادر المنبر كما يغادر فارسٌ صهوة جواده إلى الأبد.
*شاعر عراقي