لا يمكن تتبّع المسار الشعري الراهن دون ربطه بالتحوّلات التي طرأت على العالم في العقود الأخيرة، ودون الأخذ في الاعتبار الثورة التقنية والتكنولوجية وانعكاسها على حياتنا اليومية وفي مجالات الإبداع كلّها.

اكتشاف الصورة الفوتوغرافية في فرنسا في القرن التاسع عشر، كان فاتحة للنظر الى الكائنات والأشياء من زوايا جديدة لم تكن مألوفة على الإطلاق. ولقد طرح ذاك الاكتشاف علامات استفهام كثيرة على المبدعين في جميع الحقول بصورة عامة، وعلى الفنانين التشكيليين بالأخصّ، فرصدوا الاختلاف القائم بين «وظيفة» اللوحة ووظيفة الصورة، قبل أن تصبح الصورة الفوتوغرافية، هي أيضاً، فناً قائماً بذاته.

في كتاب الشاعر والباحث الفرنسي إيف بونفوا «الشعر والصورة الفوتوغرافية»، الصادر حديثاً عن دار «غاليليه» في باريس، تطالعنا تلك النظرات الشاردة لكلّ من بودلير ورامبو ومالارميه، التي التقطها المصورون الكبار الأوائل من أمثال نادار وكارجا. تلك النظرات كانت الإشارة الوحيدة إلى عبورها في الزمان والمكان، قبل أن تنحسر وتتحوّل إلى غياب يشبه الأنهار الجوفية التي تتحرك في باطن الأرض. الصورة تلتقط العابر، إذاً، وتؤكّد على غيابه. لكن دورها لا يتوقّف عند هذا الحد. إنها أيضاً ابنة المخيّلة وما تُضفيه على العين التي ترى، تأخذها الى مطارح لم تحسب أنّ بالإمكان الوصول إليها. يصبح الثابت في الصورة، وبفعل التخيّل، حالة متحرّكة. إنه الانطلاق من المحدود الى اللامحدود، كما الحال في الشعر. وهذا ما تعلنه عبارة رامبو الرائعة عن الصور فتكشف ما فيها، أحياناً، من المؤاساة لقلب الإنسان المشتعل بنار الحزن، وقد وردت في قصيدة «بعد الطوفان»، مُفتَتح «إشراقات»: «في البيت الزجاجيّ الكبير الذي ما زال يسيل، نظرَ الأطفال الذين في حِداد إلى الصوَر الساحرة».
الحديث عن الصورة الفوتوغرافية، في كتاب بونفوا، يشتمل على اللوحة الفنية، وعلى العلاقة بين الضوء الطبيعي والضوء الاصطناعي المستجدّ. ابتكار الصورة الفوتوغرافية واكبَ اكتشاف الكهرباء الذي تغيّرت معه مظاهر الأشياء واتخذت أشكالاً أخرى حدّدتها أضواء المدينة الجديدة. الشعر، هنا، يغطّي النثر أيضاً، النثر المتألّق في قوّة حدسه وكثافة رؤيته الذي يرتقي إلى الحالة الشعرية، كما في نصّ بعنوان «الليل» للكاتب الفرنسي غي دو موباسان، وقد أثبته بونفوا في نهاية كتابه. في هذا النص، يتحدّث موباسان عن جادّة «الشانزيليزيه»، ليلاً، «حيث المقاهي التي تعبق فيها الموسيقى تبدو مواقد نار مشتعلة في أوراق الأشجار. أشجار الكستناء وقد لفحتها الإضاءة الصفراء فبدت كما لو أنها مرسومة رسماً، وتتخذ هيئة أشجار فوسفوريّة مومِضَة». موباسان رصدَ الضوء الذي شعَّ في الجادّة الباريسية الأهمّ، أوّل عهدها بالكهرباء، فصوّرها بكاميرا كلماته الفائقة الحساسية. ونلاحظ، في هذا السياق، مدى التقارب بينه وبين بودلير الذي سجّل هو أيضاً التحولات التي طرأت آنذاك على «باريس القديمة»، كما كان يحلو له أن يسمّيها. وفي حين كان بودلير ينظر إلى باريس المتغيّرة، ويكاد يرى فيها ما يشبه الإخراج المسرحيّ للخواء، ظلّ موباسان، بخلاف ذلك، يحلم بخلاص ما، حتى لو تساءل عما إذا كان نهر «السين» ما زال يجري!
وصفَ موباسان الشوارع والساحات والصروح. وصفها وهي تنبسط أمام عينيه بصمت، يسجّل بصماتها في المكان. كان الكاتب يصوّر بألوان حروفه الأشكالَ التي يراها، في حين أنّ الصورة الفوتوغرافيّة كانت لا تزال تظهر بالأسود والأبيض فقط، أو بالأحرى بما هو أقرب الى الرماديّ.
الصورة الفوتوغرافية قدّمت اقتراحات جديدة للبصر. نظرت إلى الكائن وأثارت حوله الشكوك طالما أنّ وجوده عابر إلى هذا الحدّ. الظاهر الذي في الصورة ينفصل عن مجرى الحياة، وعن معناها. بين المشهد الواقعي وصورته، يُطرح السؤال حول حقيقة هذا الواقع، وخصوصاً أنّ العين التي تراه وتتبصّره هي أيضاً آيلة الى الزوال. الصورة الفوتوغرافية لا تصوّر الكائن في كلّية وجوده، بل تلتقط ومضة واحدة من حياته لحظة تلاشيها. الصورة الفوتوغرافية عدّاء يلهث وراء الموت، وهي تأتي من جهة الفَقد والغياب. فما كان منذ لحظة، لن يكون بعد اليوم على الإطلاق. النظرات جامدة والصورة، أيّ صورة كان، لا تستطيع أن تلتقط التعبيرَ الأساسي في وجوه من أحببناهم ولم يعد لهم وجود.
تحيلنا أسئلة الصورة الفوتوغرافية إلى موضوع التقدّم التقني والتكنولوجي الذي شهده الغرب الصناعي بدءاً من القرن التاسع عشر، وانعكاس هذا التقدم، كما سبق أن ذكرنا، على الإبداع بصورة عامة، شعراً ونثراً وفنوناً. كتاب بونفوا الجديد «الشعر والصورة الفوتوغرافية» يتميّز في تركيزه على العلاقة بين الصورة والكتابة، ويأتي في سياق الكتب التي صدرت في فرنسا لكتّاب ومفكرين وعلماء اجتماع وأنتروبولوجيا، ومنهم بيار بورديو في دراساته عن الاستعمالات الاجتماعية للصورة، ورولان بارت في كتابه «الحجرة البيّنة» الذي يشكل مرجعاً أساسياً في تحليل الصورة الفوتوغرافية وعلاقتها بالحبّ والوقت والموت، وريجيس دوبريه في كتابه «الصورة المدهشة»، ويؤرخ فيه للمشهد المصوَّر منذ مغارة «شوفيه» التي ترقى رسومها إلى أكثر من ثلاثين ألف سنة، وصولاً إلى يومنا هذا.
من قال إنّ الصورة الفوتوغرافيّة تنقل حقيقة الواقع؟ الصورة الفوتوغرافيّة عينٌ مفتوحة على العدَم، مَلمَح اللحظة وهي تَنفُق، خدعةُ الأبديّة لنفسها قبالة النهر الذي، فجأةً، لم يعد يتدفّق.

Yves Bonnefoy - «Poésie et photographie» - Éditions Galilée - Paris.