جوزيف عيساوي



صدرت مجموعتي الأولى «قصائد المنزل» عام 1992 بعد ستة أعوام على إصداري مجلة «الأخير أوّلاً» الشعرية عامي 1985 و1986 من قلب الأشرفية. أنا في العشرين من عمري، وكنت أسحبها بطريقة الستانسل كلّ شهر على نفقتي الخاصة. بعد خمسة أعداد، أصدرنا عدداً مطبوعاً موّله حبيب أفرام. وضمّت المجلة قصائدَ شعراء لبنانيين وفلسطينيين وعراقيين من شطرَي بيروت المنقسمة وضيوفها، وأردتُ من خلالها إعلاء صوت الشعر ضدّ الحرب وسيادة الكانتونات الطائفية. كان الشعر وقصيدة النثر تحديداً قضيتي وسعيت عبر المجلة الى إنشاء رابطٍ بين الشعراء الجدد أيّاً كان انتماؤهم الجغرافي أو السياسي، وأيضاً الى وصلهم بالشعراء السابقين. ولأن الشعر الحديث كان لدى اليمين اللبنانيّ محسوباً على اليسار (مع أن "النهار" اليمينيّة تبنّته ولكنه حُسبَ على صفحتها الثقافية و"الملحق" اللذين كانا "يسار" الصحيفة)، احمرّتْ العينُ عليَّ في "الشرقيّة" ونظرَ اليّ كتّابها "الملتزمون قضيّة المجتمع المسيحيّ" شذراً.
لم نُصدِر بياناً شعرياً أو نطلق اللعنات على من سمّوا أنفسهم بـ "جيل الروّاد". كنتُ اطلعتُ على مجلتَيْ العراقي عبد القادر الجنابي في فرنسا: "الرغبة الاباحية" و"النقطة" بواسطة المسرحي جوزيف بو نصار الذي درستُ التمثيل مدةً في محترفه، ولكني نأيتُ عن المواجهة بالشتم والانتهاك المباشر للشعراء الذين غدوا سلطاتٍ ثقافية. لم نعلن قطيعةً غاضبة ولم يكن "التخطّي" أو التجاوز عبر التنظير، بل من داخل النصوص الشعرية نفسها. كنّا حساسيات مختلفة ومتقاربة في آن، وتلاقَينا عند سؤال الحرب وحداثةٍ لم تحل دونها. فتساءلنا: أين "العطب" أو النقصان في ما أُنجز ادبياً بين الخمسينات والسبعينات؟ وكنتُ أرسلُ الأَعدادَ الى "الغربية" عبر الحواجز الى اسكندر حبش لتوزيعها أو بيعها. أغلب النصوص من "هناك" حصلتُ عليها عبر الهاتف. ولا أعرف كيف تجرأ مرةً شبيب الأمين على الانتقال الى "الشرقية" لنلتقيَ في مقهى "الكاستيل" في الكسليك، وكان يُصدر مجلة "ميكروب".
أقامت "الأخير أوّلاً" الأمسيات لشعرائها، فرديةً ومشتركةً، واحتفت بمؤسّس مجلة "شعر" يوسف الخال فقدّمتُه مع جاد حاتم ورقصتْ مي شلحت على موسيقى ومقاطع من شعره وكان هذا آخر مشاركاته الادبية. نشرت المجلة القصائد الأولى لبعضنا كفادي أبو خليل وأنطوان أبو زيد وديزيريه سقال وسليمان نعمة وحسين نصرالله ويحيى جابر وعلي مطر وغيلان والعديد سوانا ممن ثبّت أو اختفى صوته في السنوات اللاحقة. كما نشرنا نصوصاً جديدة لعباس بيضون ووديع سعادة وتيريز عواد بصبوص وترجمات قام بها فؤاد رفقة وآخرون. العدد الذي حرّرته ولم يصدر ضمَّ ملفّاً عن الخال ونصوصاً لبول شاوول ورشيد الضعيف.

أرى فيه مناخاتي الشعرية اللاحقة العدمية والساخرة والايروسية والغنائية المخفَّفة بل المُموَّتة في الحب

بعد الحرب، التقيت لقمان سليم أحد الشقيقين صاحبَيْ «دار الجديد» وكانت في بدايتها. فنشرتْ مجموعتي الأولى التي سبق لي نشرها في "النهار العربي والدولي" و"النهار" منذ اواخر الثمانينات. أصدرت الدارُ المجموعةَ ذلك العام بين مجموعات لشعراء من جيلي هم يوسف بزي وزاهي وهبي واسماعيل فقيه، إضافةً الى ديوانَيْ محمود درويش وسميح القاسم. يمكنني القول إن الشعر حملَ الدارَ الجديدة على أجنحته وأنها منحته أناقة الاخراج الفني وحدب صاحبيها على الكتاب. تجربة الدار المضيئة في تبنّي الشعر تكررت مع «دار النهضة العربية» بعد خمسة عشر عاماً (أصدرتُ فيها ديوانَين) لتنقطع بدورها فجأةً. أما كتبي الأخرى فنشرتها لدى «دار البستاني» و«دار الابداع/ الحرف الذهبي» لصديقي الشاعر عبده لبكي. ولم أعبأ بالدُور واسعةِ الانتشار لاستهانتها بالشعر وإجحافها بحقّ الشعراء.

القلق والطموح

حمَلَ "قصائد المنزل" مرحلة صعبة من حياتي في الحرب ولو أنها مزخّمة بالطموح الادبيّ بعدما هجرتُ المدرسة منصرفاً الى فردوس القراءة، ومتابعة المسرح والمعارض التشكيلية والكتابة عنهما في "النهار العربي والدولي". كنت يتيمَ الوالد منذ سن الحادية عشرة أعيش مع والدة متقدّمة في السن، شحيحة البصر، أنا كل من وما تملك من حاضر ومستقبل. فتخلّيتُ عن حلمي السفر الى باريس والعيش فيها وبقيت معها. 
في مناخ القلق والوحدة نبتت «قصائد المنزل». شِعرٌ خلا من رمزية شعراء الستينات والبعد الأسطوري، ومن غنائية بعض شعراء السبعينات. قصائد حميمة وفجّة تهجس بالموت والجنس والوحشة وموت الإله. نسجٌ سورياليّ/ واقعيّ /تأمّليّ/عصابيّ/غاضب يحاول التفلّت من سلطات العائلة والادب والدين. لو عدتُ الى المتابعات النقدية التي جاوزت السبع عشرة عامَ صدوره، لوجدتُ احتفاءً بالغاً به. كتبَ رياض فاخوري مثلاً في "الانوار": "يمزج عيساوي الطرافة بالمأساة ولكن بمزاجية كتابية خاصة لغتُها تنفذ الى الشعر من زاوية البهاء". ويوسف أبو لوز في "الشروق": "ستقرأ القصيدة الواحدة في ثوانٍ، لكنك "ستسقط" في فم الزمان الواسع، ولن تنتقل بسهولة الى القصيدة التالية". وفي "النهار" كتب احمد فرحات: "شاعر لا ينتمي الا الى نفسه، ذاتيّ كل الذاتية، ويواجهك دائماً بـ "ثقافته" الشاكّة، المفترسة والتي تصنع الثراء لأعدائها". وسليمان بختي: "يتقدّم بعبثٍ وتهالكٍ في نظام الوجود، بلغةٍ يوميّة حيّة ومعاناةٍ تتدرّج صعوداً وهبوطاً -الارض والسماء- وبتمرّدٍ هادئ وساحر". 
لا أعرف هل تسبّب هذا الاحتفاء النقديّ في تأخير صدور مجموعتي التالية "على سرير ينكسر" ثمانيةَ أعوام، إذ قد يُحدِث رضى مبالغاً فيه على الذات؟ أم أبعدني انشغالي بالحياة والكتابة الصحافية، ولاحقاً العمل التلفزيونيّ، عن الشعر لا أكتبه إلا "من حلاوة الروح"، في الاستراحات أو أزمنة الضيق؟ لكأني عملتُ وكتبتُ لأكسب رزقاً وكان الشعر يحْضر سريعاً ومتقطعاً. الأمرُ الذي انقلبَ في السنوات الأربع الأخيرة حيث صرتُ "أعيش لأكتب" وأراني أقلّ التفاتاً لما هو خارج مسودات قصائدي اليوميّة وبضعِ مقالات شهرية أكتبها لمتعتي. تَرافقَ هذا الانغماس في الشعر مع نأيٍ عن الصناعة التلفزيونية وتنامي خيبات الحبّ والصداقة وتساقُطِ من قرّبتُهم منّي. وربما للفايسبوك وعالمه الافتراضي دور في تخفّفي من الواقع "الواقعيّ" (علماً أن لمواقع التواصل فراغاتها أيضاً وأنّ لنا مع سكّانها ومرتاديها أوهامنا وخيباتنا "الافتراضيّة" والحقيقية بدورها).   

الكتاب اليوم

أما كيف أنظرُ اليوم الى "قصائد المنزل"، بين الحين والآخر أصادف من الشعراء الجدد من يلفتني الى حضور الكِتاب في ذاكرته كالشاعر مازن معروف الذي يقول إنه "تَحاورَ وإيّاه طويلاً"، والشاعر جولان حاجي حين جمعتنا مؤخراً ناشرةُ الديوان رشا الأمير فروى كيف وصل اليه في سوريا من شاعر سوريّ مقيم في السويد حصل عليه بطريقةٍ ما، أفترضُ انها عبر الشاعر سليمان نعمة المقيم هناك أو سواه. علّقَ جولان: "لم نكن نقرأ في الشعر السوري في التسعينات صورةً كهذه: ثيابٌ حفرَ العَرَقُ عليها أجسامَنا".
من جهتي، أرى فيه مناخاتي الشعرية اللاحقة العدمية والساخرة والايروسية والغنائية المخفَّفة بل المُموَّتة في الحب والعلاقة مع اليوميات بعد ترفيعها وإعادة تدويرها. البعد المسيحي ذو الاتجاه الصوفيّ الوجودي، الذي بانَ في القسم الاول من مجموعتي الثالثة "شاي لوقاحة الشاعر"، ليس حاضراً فيه. ولا البعد الـ "سوبر واقعي" الذي في الديوان الأخير "ميت سكران يطلب المزيد" (كما وصفَه يزن الحاج في مقال لـ "الأخبار"). كذلك هو شعر المدينة وشوارعها وآرماتها وحروبها المتنقّلة والعزلة داخل البيت، لا مكان فيه للطبيعة وعناصرها التي حضرت خاصةً في ديوان "القدّيس X".  هل أحذفُ بعض القصائد منه لو صدر في طبعة ثانية؟ لا أظنُّ. فرغمَ ندمي يوماً على تضمينه قصيدتَين تُظهران عاطفةً صريحة وحبّاً متّقداً، أراني اليوم متمسّكاً بهما إذ كُتبتا لامرأةٍ حملتْ طفلاً أجهضناه. إنهما وأنا في الخمسين كلُّ ما بقيَ من ذاك الحبّ ومضغة الجنين.  
بعد نحو ربع قرن على الديوان الاول يسألني ملحق "كلمات" الشهادةَ له وعنه. أظنّه يحيا من دوني وأنا لا أملك حتى نسخةً منه. بل قد يعيش من بَعدي: احتمالٌ ربما يؤلم شاعراً يحسبُ مصيباً أو مخطئاً أن صنيعه سيحيا وقتَ هو طينٌ تدوسه النعالُ ويسقط عليه الورق والروث. لكن أتمنى أن ينساني من يقرأه غداً لأن الكلمات في عروق الحبر وألياف الضوء ستكون أحْوجَ مني الى خياله وقلبه وبرقِ عينيه.