تأخر الوقت ولم أنم بعد في تلك الليلة في مدريد. كان الوقت شتاءً، والهدوء يلفّ المكان، ونافذتي تمنح عذريتها للهواء البارد لينفخ في ستارتها البيضاء كأنها فستان زفاف.

تأخرت «إلينا» في العزف في تلك الليلة الممطرة. أتطلع للنافذة بين الحين والآخر.
لا ضوء... لا عزف... لا شيء غير الصمت يقطعه ارتطام الماء بأرضية البلاط الفاصل بين البناء والسور.
كل ليلة كانت تعزف. ضوء واحد يبقى في العمارة بعد الثانية ليلاً. وكأنها حورية من السماء، كانت تحرص على أن تلبس فستاناً أبيض فاخراً، تترك أطرافه للريح.
كانت نافذتي تتربع في مواجهة الشرفة، في المبنى المقابل. الثانية والربع تبدأ العزف الحزين... مقاطع هادئة تمتد للروح.
يتوقف ضجيج مدريد، وتسكت البنادق الصوتية التي تطلقها شرطة البيئة لطرد الطيور إلى الغابات التي تشكل رئة تتنفس منها هذه المدينة المليئة بالضجيج حيث يدخن البشر والمصانع على حد سواء.
إنه وقتها. كما للشمس وقت، لها وقت تظهر فيه، فتدخل البهجة والحزن من نافذة القلب. ويحضر الغائبون من الأحبة في مجلس رائع. وجوههم تحدث بالنعمة وليس عليهم أثر السفر.
ما زلت أذكر تلك الخيالات، من مكان بعيد اسمه «الغابة» في ولاية لعصابة، في الشرق الموريتاني حيث السماء مثقوبة تمطر باستمرار في الخريف؛ جئت إلى الغابة أول مرة في عطلة الصيف، عندما كنت في الخامس ابتدائي. بهرني المكان الهادئ والبشر المسالمون وأصوات الطيور وقصص قتل الأفاعي كل ليلة.
مكان غارق في الرمل والحب، تمتد الخيام ليلاً كأنها عائلة من البجع، تتبختر على أطراف الغدير. مع إشراقة أول شمس رأيت الغدير، وتسللت مع 5 أطفال نشاهد النسوة عاريات من بعيد يتقاذفن بالماء. رأيت كيف يمكنك أن تمدّ بصرك فلا يجرحه حديد ولا خشب ولا نتوءات، فقط خضرة مسالمة طيبة تمتد إلى ما لا نهاية.
كانت السويلمة إمة لابن عمي. سمراء لها وجه طفولي حزين، من سلالة عبيد لم يرفعوا رؤوسهم قطّ. ظلوا طيبين ويخدمون في صمت وورع ولا يعصون سيدهم ما أمرهم، وازدادت ثروتهم شيئاً فشيئاً.
ظن «السالك» ذات يوم أنه بات رجلاً من أغنى أغنياء الغابة. بعد أن قارب الخمسين بصحة جيدة وله 10 أولاد وستة أحفاد. كان مزروعاً في الغابة كشجر «آمور» والطلح قرب الغدير. الوحيد الذي لا يغادر «الغابة» في الشتاء ولا في الخريف.
جلس يوم العيد جنب الإمام، مزهواً بالسلامة والصحة. همس له الشيخ عبدو الرحمن: «السالك... تأخر كما أخرك الله».
يومها بكى كثيراً بعد الصلاة. ومسح دمعه في دراعة «الشقة» الجديدة سماوية اللون. بكى لأنه تجاوز أمر الله وطلب المغفرة. ومنح بقرة لسيده «محفوظ» وبقرة للشيخ عبد الرحمن، وطلب الله أن لا يذهب نعمته عليه لأنه جلس إلى جانب الإمام مزهواً... !!
كانت السويلمة من سلالة السالك، تغني كل مساء. صوتها الناعم يأتي مع دخان الحطب. كانت تطبخ وتغني. لا يبكي الأطفال الصغار وقت غناء السويلمة. يتعظ الورعون، وتخفق قلوب العشاق.
إنه وقت خارج الوقت، وموعد مع ريح الشمال حيث تنتصب الخيام كتماثيل على شكل طيور تفرد أجنحتها في السماء. الخيام تطير عندما تغني تلك الإمة النحيفة المستديرة الوجه، بيضاء الأسنان. وتواصل الغناء ليلاً في «الشنة» حيث يجتمع الشباب والفتيات الجميلات ينشدون شعراً من الغزل المحلي، مرتجلاً تحت ضوء القمر.
سمح الشيخ عبدو الرحمن بأن تغني سويلمة، وقال مبرراً:
ـــ إنه طرب حلال لا مزمار فيه. رغم أنه عورة.
سمح لها بأن تغني لأنها إمة يمكنها أن تمرض عندما لا تغني.
«لا بأس أن تغني» قال الشيخ: «إنها ليست حرة».
وتابع وهو يشرح لتلاميذه في المحظرة:
ـــ الأمر تقريباً أشبه بالعلاج. كان العالم ابن سينا رجلاً فاضلاً وطبيباً مخلصاً من الأوجاع فأوصى بالاستماع إلى الغناء لأنه يسكن الوجع وينشئ الفرح في الروح.
كان الأهالي يمنعون الأطفال وقت الغروب من اللعب. إنه وقت صعود ملائكة ونزول آخرين، يجب أن نجلس في أحضان الجدات ليرتلن على رؤوسنا أدعية الخير والرحمة. إنه وقت توديع الملائكة الذين رافقونا طوال اليوم، والترحيب بالملائكة القادمين من السماء. من لم تكن له جدة كان يذهب إلى عمته أو أمه.
كانت السويلمة التي لا تميز بين الألف والباء ترحب بالملائكة على طريقتها. كانت كأنها تبكي، تنطلق من حنجرتها العبارات. كان غناؤها جزءاً من وجودنا. تسكت الضفادع لتغني تلك الإمة المكبلة بالغربة. ماتت أمها وهي صغيرة وبقي لها شقيق واحد، غادر إلى المدينة ليسكن هناك ويعمل بائع خبز. ويعود ليأخذها.
رحلت السويلمة ذات صباح بعدما أصابها مرض غريب في عز الشباب.
ظلت تغني ثلاثة أيام في فراشها. كان الناس يعودونها. لعلهم كانوا يرغبون في أن يشحنوا ذواتهم بصوتها قبل أن ترحل. وعادها الشيخ عبد الرحمن، وقرأ على رأسها آيات بترتيل عظيم يهزّ ركائز الخيمة المصنوعة من وبر الإبل.
لم يكن العبيد وقتها يؤخذون إلى المستشفى. لعل الله يريدهم أن يخدموا في النار أو الجنة، كأن يزودوا النار بالفحم والخشب أو ينظفوا أسرة الجنة ليخلد إليها المؤمنون ويطوف عليهم ولدان مخلدون، فكان لا يتم علاجهم.
عندما يريدهم الله، يجب أن يستغني البشر عن خدماتهم. الأتقياء والمطيعون منهم يكونون خدام الجنة. والمغضوب عليهم يخدمون في النار فيزداد عذابهم عذاباً.
ظلت السالمة تغني... لا أحفظ الكلمات... لكن ذلك الصوت محفور في أعماقي، كان يخفت ويخفت.
حتى سكتت للأبد.
لكنها استيقظت منذ شهر جنوب مدريد.
إن هذه الإسبانية تعزف لها. تعزف لذلك الغناء اليتيم في الأرض البعيدة. تعزف نفس الروح بعد صمتها بـ 20 عاماً في مكان بعيد. بعيدة "الغابة" عن مدريد. لكن غناء تلك الإمة لا ينقطع، كأنها وضعته أمانة في الذاكرة.
كانت السالمة ترحب بعزرائيل - كما تعودت أن ترحب بملائكة الليل - وهي تغني. لم تكن تحفظ الشهادة، فلقنوها لها. بكيت مع عشرات الأطفال تحت خيمة مهترئة ونحن ننزع أشواك «إنيت» من سراويلنا.
لا أعرف لماذا بكيت؟ ولماذا لم أبك بعد ذلك في مواقف وجع كثيرة؟! لكن مناخاً من النحيب، كان يكفي لتجييش العواطف... فبكينا كثيراً.
كانت السالمة تنتظر. كانت تنتظر شقيقها ليعود من المدينة ويأخذها إلى هناك، حيث يمكنها أن تعمل وترى نور الكهرباء، وتشتري الحلويات.
لكنه لم يعد.
قال «ورزك» حلاب البقر متوجعاً:
ــــ البقر لم يعد يدرّ الحليب بعد رحيل السالمة. البقر كان ينتظر الغناء.
هو نفسه كان يحلب على صوتها، فيداعب ثدي البقر في رحمة. ويضرب ضرع «التوس» كأنه ينبهها إلى جمال الكون ونعمة البذل والعطاء والخير.
ساد هياج في البقر، وتم استدعاء «مبارك» من مخيمات بعيدة ليؤدب البقر. كان ينفخ البقرة من مؤخرتها بشفتيه. وكان يدفع قبضته مليئة بالملح في مؤخرة البقرة حتى المرفق فيصل بطنها فيرمي الملح ويسحب يده.
السالمة كانت تغني فقط. كانت تؤدب البقر بالغناء. لكنها رحلت ولم يعد هنالك من يغني.
عادت الضفادع لتنعق ليلاً ولم يعد من حل إلا أن يتم استدعاء مبارك ليؤدب البقر الهائج، لعله يعود ليمنح الخير.
لكن البقر ظل هائجاً والسماء لم تعد تمطر.
هذه الإسبانية مجنونة وعزفها متمرد. إنها تعزف التشيلو عند نافذة رجل من أبناء الصحراء والريح. أبناء الشمس الذين جاؤوا من بعيد. التشيلو آلة رهيبة كأنه يعزف على أوتار قلبي. أعرفه جيداً عندما يبكي هذا الوتر. لقد صُنع بإلهام من الربابة. يوجد به وتر واحد يعزف بالقوس وأصابع اليد ويرمز إلى الوحدة والانتظار. انتظار شيء قادم، نصف آخر... أو وتر آخر.
شيء ما واقف على ناصية الزمن ينتظر الفرح.
أميرة مدريد البيضاء التي تأتي في الليل لتعزف هذه الآلة المنقوشة في الروح، لا تعلم ما تفعل. وتر مارد يعزف عليه بقوس من الخيزران. عليه خصلة من شعر الخيول. في إسبانيا دائماً ما هناك من شيء للعرب. ذكريات أو شعر خيول أو قصور عدى عليها الزمن.
انتظرت كثيراً.
لم يحدث النور ولم يحدث العزف. سرقني النوم واستيقظت على صحف الصباح مع كأس ليبتون، والخبز والمانتكيا.
«إلينا سيزار» رحلت البارحة. لقد حضرت كل شيء عندما كنت في انتظارها البارحة.
لبست فستانها الأبيض وماتت أمام مرآتها بعد نوبة بكاء. أعقبها توقف القلب.
لا تزال كأس النبيذ الأخيرة فوق المنضدة. لا تزال علبة البودرة الصغيرة مفتوحة، ومفتاح نور الشرفة ينحني كأنه في انتظار أناملها ككل ليلة.
التشيلو على السرير الأبيض. قوس الخيزران مربوط بشعرة خيل يرابط عند قدميها كأنه حصان عربي أصيل فقد فارسه في معركة.
تظل الخيول وفية دائماً
بدون إيمان برب السماء، تطمع في عودة الفرسان الذين يرحلون وهم في طريقهم لتحقيق الانتصارات.


* كاتب موريتاني مقيم في مدريد