منذ عدة سنوات، في أزمنة منفاي على الساحل الكتلاني، سمعت تعليقاً مشجعاً من طفلة، في الثامنة أو التاسعة من عمرها. كان اسمها، إن لم تخني الذاكرة، سوليداد.

كنت أتناول بضع كؤوس مع أبيها، وهو منفي أيضاً، حين استدعتني جانباً وسألتني:
ــ وأنت ماذا تعمل؟
ــ و... أنا... أكتب.
ــ تكتب كتباً؟
ــ و... نعم.
ــ أنا لا أحب الكتب ــ أصدرتْ حكمها.
ولأنها كانت تحاصرني محشوراً عند الحبال، وجهت إليَّ الضربة:
ــ الكتب صامتة، وأنا أحب الأغنيات، لأن الأغنيات تطير.
منذ لقائي مع ذلك الملاك الرباني، حاولت الغناء. لم أستطع ذلك قطّ، ولا حتى في الحمام. ففي كل مرة أغني، يصرخ الجيران طالبين أن يتوقف هذا الكلب عن النباح.
صالح علماني
(مترجم فلسطيني)


لقد نظروا إليَّ نظرةَ ريبةٍ
كلُّ الذين اكتفوا بلمسِ سطحي
وَحْوَحوا مبتعدينَ عني
أنا ثمرةُ تينِ الشّوك
نَبَتُّ حيثُ الحصى جمرٌ
أرضي قاحلةٌ وهوائي صَهَدٌ .
لكنَّ باطِنِيين مصقولينَ بِإزميلِ الرَّبِّ
تَحَمَّلوا قسوتي
وتجَمَّعوا حولي
مُبتهجينَ
قائلينَ:
هذا الذي نُريدُهُ
ظاهرُهُ فيه العذاب
ومَضْمُونُه عَسَل.
صبري رحموني
(شاعر تونسي)






ثمّة رأس مقطوع في ثلاجتي!
لا أعرف ما الذي يفعله في هذا المكان البارد!
هذا يعني أنّ أحداً ما البارحة
نام بلا كوابيس،
أستطيع أن أحمل هذا الشيء على كتفي
وأمشي معه في الشّارع،
وأتحدّث مع الجميع
دون أن يلاحظ أحد أنّ الكلمات لا تخرج من مكانها الصّحيح!
أستطيع أيضاً ببساطة أن أتجاهل الأمر،
وأعود إلى حياتي..
أتزوج
وأنجب أطفالاً
أكبر
ثمّ أموت
ويرث أولادي الثّلاجة،
واحدٌ تلو الآخر يفتحها،
يحمل هذا الشّيء
يمشي في الشّوارع
ويتحدّث مع الجميع
دون أن يلاحظنا أحد.
جلال الأحمدي
(شاعر يمني)




أبي لم يكن أبي
أبي كان جدي دائماً
كلما تحدثت عنه كنت لا أقصده، كنت أقصد العجوز الذي أحببت صوته في صلاة الفجر
أتذكره جيداً
يحمل طوريته
ويركض خلف الماء
ويسبقه
وكنت من بين رجليه أتراكض
حفيدته بالشبشب والغمازتين
"لا تغيب تلك الصورة
من رأسي أبداً"
لقد علمني جدي الحكم كي لا أستعملها
وعلمني كيف يعيش الإنسان حزيناً بحكم كثيرة تفوح بالنصر
كان كلما طالت به الحياة تحسس آلام ظهره
هزال ساقيه
وسقوط أسنانه
وبقوة شاب في العشرين صام شهرين متواصلين
في الشتاء الأخير
تكفيراً عن أخطائه.
أحلام بشارات
(شاعرة فلسطينية)