يؤمن الروائي السوداني أمير تاج السر (1960) أن الكتابة حياة، لذلك فإنه يحرص على الكتابة يومياً، ويخصص ساعات الصباح لذلك. وربما يكون هذا الحب الصافي للكتابة ما جعل بعض شخصيات رواياته تكتب نصوصاً داخل نصوصه هو، وهو أيضاً ما حدا به لنشر بعض الكتب التي تتناول كواليس الكتابة وعوالمها، مثل «ضغط الكتابة وسكرها»، و«ذاكرة الحكّائين»، وأخيراً «تحت ظل الكتابة». الكاتب السوداني، المقيم في دولة قطر، يمزج في كتاباته بين الشعر والأساطير والراهن، يضفّر رواياته بحكايات عجائبية ربما لا تليق إلا بالمجتمع السوداني الخصب في إنتاج الحكايات. وربما يفسّر هذا الأمر انتقاله قبل سنوات طويلة من كتابة الشعر إلى كتابة الرواية. وفي هذا المجال الأخير، حقق تاج السر انتشاراً كبيراً، ووصلت كتاباته إلى القرّاء العرب في مختلف الأقطار، كما تُرجِمت الكثير من أعماله إلى لغات أخرى كالإنكليزية والفرنسية. بخلاف أنه حاز على عدّة جوائز، ووصلت بعض رواياته لقوائم الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» مثل رواية «صائد اليراقات». كما فازت روايته «366» بجائزة «كتارا» للرواية. إلى جانب الروايات، أصدر تاج السر كتباً سيرية، منها «سيرة الوجع»، و«مرايا ساحلية»، و«قلم زينب». ويؤكّد الكاتب السوداني أن كتبه السِّيَرية ليست سوى واقع صرف، لم يغير فيها سوى بعض الأسماء، في حين أن بعض الكتاب العرب – على حد وصفه – ينشرون سيرهم بعد أن يعقموها وينظّفوها بما يتناسب مع مجتمعاتهم. الصحافة أيضاً جزء من نشاطات تاج السر الكتابية، والتي يشتكي منها ويؤكّد أنها تُثقل كاهله. لكنه بالمقابل أيضاً، يؤكّد أنه يكتب مقالاته بذات التشنّج والانفعال الذي يكتب به رواياته. «كلمات» التقى بأمير تاج السر، وأجرى معه الحوار التالي:



■ انتقلت من كتابة الشعر إلى الرواية قبل سنوات طويلة، ما سر تلك الهجرة؟
ـــ نعم، كان هذا منذ سنوات طويلة. كنت أكتب الشعر، بالعامية السودانية، وشعر الأغاني، وأيضاً القصيدة الحديثة، ونشرت أعمالاً كثيرة في الصحف والمجلات العربية آنذاك. وأظنني تحدثت كثيراً في هذه المسألة، وقلت إن قصيدتي كانت تحتوي على حكاية في الغالب، مما شجعني على الكتابة السردية، إضافة إلى أن هناك من شجعني من مبدعي مصر الذين تعرفت إليهم في تلك الفترة، حيث كان الجلوس في المقاهي خصباً للغاية، وكانت كل جلسة عبارة عن حصة تعليمية، يستفيد المبدع المبتدئ منها كثيراً. الناس ما زالوا يجلسون في المقاهي، لكن هناك ما يشغلهم دائماً، وأعني التكنولوجيا التي يندمجون معها، ويصبح وجودهم وعدم وجودهم سيان.

■ كيف كان تأثرك بالطيب صالح الذي جمعتك به صلة قرابة؟
ـــ هذا السؤال صراحة أعتبره صالحاً قبل عشرين عاماً، أما الآن فلا يمكن أن تسأل صاحب تجربة كبيرة، في هذا العمر عن تأثره بكاتب، لكن أقول لك أنني تأثرت في بداياتي بكتاب أميركا اللاتينية، ثم اكتشفت طريقتي الخاصة التي أكتب بها الآن، وفيها كثير من الشعر والأساطير.

■ تقول إن السودان يحضر دوماً في أعمالك بحكم خبرتك بتلك البلاد، هل تستصعب الكتابة عن فضاءات مكانية أخرى رغم كثرة سفرك وإقامتك في الخارج في بلدان مثل مصر وقطر؟
ـــ لا توجد صعوبة في الكتابة عن أي مكان، خاصة الذي يعيش فيه الإنسان لفترة طويلة، وقد عشت في مصر وقطر فترة طويلة وتشربت من ثقافة هاتين البلدين، وفي نيتي كتابة عمل طويل عن الدوحة التي أعطتني الكثير، وسهلت علي مهمة الكتابة والانتشار. فقط ما يحدث عندي، هو أن لدي مخزون كبير من بلد الخبرة الأولى، وأعني السودان، ما زال يقفز في ذهني كلما جلست لأكتب، وداخل هذه الكتابات آتي بشخصيات عرفتها في مصر أو قطر، وأظنك تعرف أنني في أغلب أعمالي لا أذكر بلداً معيناً أو مدينة معينة، وإنما أترك الأمر، أي أترك القصة تمضي، ويمكن أن تكون في أي مكان، فقط القارئ الملم بالبيئة السودانية، يعرف أنها في السودان.

«ألف ليلة وليلة» و«كليلة ودمنة» هي خامات الواقعية السحرية التي كتبها اللاتينيون بعد ذلك وجاءتنا منهم لاحقاً

■ ما الضرورة الفنية لتجهيل الأماكن والكتابة عن فضاءات غائمة؟
ـــ هذا ما ذكرته في إجابتي السابقة. ربما لا تكون هناك ضرورة فنية تستدعي ذلك، خاصة في زمن لم يعد فيه شيء خافياً على أحد، إنما هو أسلوب كتابة درجت عليه وأحبه، وعندي أعمال مثل رعشات الجنوب وأرض السودان، ذكرت فيها الأماكن بوضوح.

■ أصدرت كتابين في السيرة هما «مرايا ساحلية» و«قلم زينب»، كيف وجدت الفرق بين السيرة والرواية بخلاف أن الأولى تتمركز حول شخص الكاتب؟
ـــ هناك أيضاً «سيرة الوجع»، وهو حكايات من السيرة. المسألة واضحة في الفرق بين الرواية والسيرة، ففي حين أن الرواية قد تضم نتفاً وأجزاء من سيرة الكاتب، إضافة إلى متخيلها المفترض، فإن السيرة ينبغي أن تكتب بلا أي ذرة من خيال، وحتى لو كانت متسخة، ينبغي أن تكتب كذلك ولا يتم غسلها وتطهيرها، كما يفعل بعض الزملاء العرب، وذلك لدواعٍ مجتمعية، فنحن لسنا في الغرب، لنكتب كل شيء، وأيضاً الالتزام الشخصي للكاتب يجعله يكتب ما يراه صالحاً للقراءة في مجتمعه. أما سِيَري التي كتبتها فكانت صادقة. كتبت الوقائع فيها كما هي، وقد أكون غيرت الأسماء فقط، ووضعت أسماء مشابهة. كثيرون علّقوا على «قلم زينب» واعتبروها رواية، وأنا أؤكد أنها سيرة حقيقية، لم أُضف إليها أي بهار من الذي اعتدت إضافته في رواياتي، وأعترف أن فيها شخصيات مثل شخصية قريبي فضل الله، صاحب مطعم السمك الجنتلمان، يمكن أن تصلح لعمل روائي.

■ كتّاب كثر خاضوا تجربة كتابة نص يلتقي فيه الكاتب بأبطال الرواية مثل بورخيس وكالفينو، ما الإضافة الفنية التي سعيت لترسيخها في روايتك «طقس»؟
ـــ الفكرة في مجملها ليست جديدة فعلاً، وتطرق لها بورخيس وكالفينو وغيرهما كما ذكرت. أنا لا أعرف حجم الإضافة التي أضفتها، لكني كتبت عن فكرة موجودة بطريقة مختلفة. ربما أردت إرسال رسالة ما بشأن العشوائيات، والظروف الصحية والاجتماعية لساكنيها، عبر كاتب مهتم. وربما هو عشق الفنتازيا. شخصياً لا أدري بالتحديد. تركت القارئ يحلل الرواية، فأنا أعتقد أن دور الكاتب هو الكتابة، وليس الركض إلى ما بعدها.

■ في روايتك «366»، ضفّرت الحكاية بالرسائل من المرحوم إلى حبيبته أسماء، ما الإمكانات الفنية التي تتيحها الرسائل ولماذا فضّلت هذه التقنية؟
ـــ الرواية مستوحاة من حادث حقيقي كما ذكرت في بدايتها، وهو حادث عثوري مع زملائي الطلاب في المدرسة الثانوية على رسائل تحمل عنوان: رسائل المرحوم لأسماء. الرسالة التي كتبتها ليست التي كتبها المرحوم ولكنها رسالة طويلة موازية لرسائله التي كانت كثيرة. وأعتقد أن تقنية الرسائل في هذه الرواية كانت مهمة لأن الرسالة متجددة بتجدد الأيام، وتجدد عذابات النفس، وهي سلوى للراوي الذي لا يمكلك غيرها، وهي أيضاً ستؤدي إلى ضياعه الذي ينبغي أن يحدث حين يدرك أنها لن تصل لأحد. «366» كانت رواية استثنائية في تجربتي، وهي الرواية التي تمنيت حين أنهيتها، لو أنني لم أكتبها، وهي أيضاً التي حصلت على جائزة كبرى، وجعلت للكتابة معنى عندي.

■ يبدو هاجس الكتابة حاضراً في أكثر من رواية لك ومنها «صائد اليرقات» التي يسعى فيها عنصر الأمن للتحول إلى كاتب، كيف ترى مسألة «الكتابة عن الكتابة» في إطار رواية أو عمل إبداعي؟
ـــ هذه التقنية أحبها جداً، وقد ذكرت في مقال لي أنها طريقة متميزة يستطيع بها الكاتب أن يقول ما يريد قوله، تحت غطاء كاتب آخر داخل النص. أيضاً يمكن عبرها توجيه النقد لكل ما يهم الكتابة بلا أي مشاكل.
■ هذا بخلاف كتبك التي تناولت عالم الكتابة والكتّاب مثل «ذاكرة الحكّائين»، و«ضغط الكتابة وسكّرها»، وأخيراً «تحت ظل الكتابة»، كيف ترى هذه التجربة؟
ـــ هذه الكتب هي تجميع لمقالاتي الدورية التي أكتبها هنا وهناك، ولها قراؤها بلا شك، وقد راجعت تلك الكتابات بتأن، واكتشفت أنها مهمة لي وتضيء جانباً من تجربتي، وبدأت بنشر كتاب كل عام، بجمع مقالات العام، وهكذا. أظنها نجحت وسط القراء، وأرى تعليقات جيدة في حقها. قد لا أنشر كتاباً آخر قريباً، وأترك المقالات تتجمع لتنشر في كتاب كبير. عموماً هي تجربة فيها شيء من المتعة، وشخصياً أكتب المقال بكل تشنج، أي كما أكتب نصاً روائياً، ولذلك تجد فيه أسلوبي المعتاد.

■ قلت في أحد حواراتك الصحافية أن التراث العربي زاخر بسرديات تشبه روايات الواقعية السحرية. كيف ترى تأثير هذا التراث بحكاياته العجائبية على السرد العربي في الوقت الراهن؟
ـــ نعم «ألف ليلة وليلة»، و«كليلة ودمنة»، هي خامات الواقعية السحرية التي كتبها اللاتينيون بعد ذلك، وجاءتنا منهم، خاصة «ألف ليلة وليلة». هنا حجم الخيال يفوق كل ما هو متوقع، وأنا من الكتاب الذين يؤمنون بالخيال، أعتبره المحسِّن الرئيسي لكل طبخة روائية. لا توجد متعة في كتابة الواقع كما هو، ووصف من يدخل من الباب مثلاً، بأنه سريع الخطى، وطويل القامة. أنا أقول هنا، إن ظله سقط على نافذة بعيدة، وأصوات خطواته بدت كلحن سريع، لا بد من وضع نقاط يتبعها القارئ، ويفعّل خياله معها، ولذلك أقول دائماً إن أفضل الأعمال هي ما فتحت كوة صغيرة في باب قراءتها، وتركت القارئ يحاول الولوج، وينجح، ويكتسب لذة النجاح.

■ أين أنت من كتابة اللون السردي الآخر، وأعني القصة القصيرة؟ لماذا لا يكتب أمير تاج السر القصة القصيرة؟
ـــ لا أعرف كتابة القصة القصيرة، حقيقة لم أجربها، ولا أحس أنها من طبعي. أنا صاحب حكايات ممتدة، ستحجّمها القصة القصيرة، لكني أكتب قصصاً على لسان شخصياتي كما فعلت في رواية «طقس».

■ ما سر غزارة إنتاجك، ما هي نصائحك وتوصياتك للكتّاب لتوفير وقت كاف للكتابة إلى جانب مشاغل الحياة وهمومها؟
ـــ الكتابة عندي حياة واحتراف، بمعنى أنني لا أغيب عن الكتابة كثيراً برغم عملي الطبي وانشغالاتي الأخرى، ودائماً عندي أفكار تصلح للكتابة، وربما أكتب رواية كل عام، وحين تأتيني الفكرة وتلح علي أخصص وقتاً للكتابة، هو ساعات الصباح، وبشكل يومي حتى ينتهي النص. أعتقد أن كل من أراد أن يصنع تجربة عليه أن يخصص وقتاً في يومه للكتابة. وبالطبع مع صعوبات الحياة التي نعرفها، لا يستطيع الكتاب فعل ذلك، فالوقت غالباً يضيع في طلب الرزق، وإعالة الأسرة.

■ كيف ترى المشهد الروائي على مستوى العالم العربي؟ وكيف ترى المشهد في السودان في ظل تزايد الأسماء الموهوبة مثل حمور زيادة وحامد الناظر وغيرهما؟
ـــ الرواية تكتب بغزارة في أي مكان في العالم، وبتنا نشكو من كثرة الأسماء وصعوبة أن نلحق بها ونتابعها، لكن من المؤكد أن المشهد جيد، وظهرت أسماء كثيرة مبدعة فعلاً في الوطن العربي، وجاءت الجوائز الأدبية لتكشف لنا ما كان خافياً علينا. أما السودان فمثله مثل غيره من الدول، ظهرت فيه أجيال كتابية موهوبة، وتجارب حمور زيادة وحامد الناظر ومنصور الصويم وسارة الجاك وغيرهم، هي تجارب مهمة ينبغي أن يُؤطر لها جيداً.
■ وكيف تقيم تجربة جيل التسعينيات الذي يضم أسماء مثل أبكر آدم إسماعيل وعبد العزيز بركة ساكن؟
ـــ عبد العزيز بركة ساكن كاتب عظيم، له شخصياته وعالمه، وتجاربه التي عاصرها أيام عمله في المنظمات في أقاليم السودان، وحتى هجرته إلى أوروبا. هو من جيل قريب مني، وأحب أعماله. أبكر آدم كاتب موهوب، لكنه لم يستمر في الكتابة فقد هاجر مبكراً، وآمل أن أقرأ له جديداً. أحمد الملك من جيل التسعينيات أيضاً، وهو الآخر كاتب عظيم، وهو يقيم في هولندا وما زال يبدع. وهناك خالد عويس أظنه من نفس الجيل وهو كاتب مهم أيضاً.

■ حصلت على جوائزة عدّة، إضافةً إلى حضور رواياتك في قوائم «البوكر» العربية و«كتارا»، هل ترى أن الجوائز معيار صادق لتحديد النص الجيد؟
ـــ نعم دخلت قوائم الجوائز عدة مرات، وعندي رواية دخلت القائمة الطويلة للجائزة العالمية للأدب المترجم. أعتقد أن الجوائز ليست مقياساً لنجاح الكاتب أو إخفاقه، لكنها تعطي لمحة أو تنويهاً لكاتب ما، وهي عموماً جيدة في حق الأدب، وعلينا الحفاظ عليها مهما كانت سلبياتها، وأظن أن أهم السلبيات هي جذب الناس للكتابة بلا موهبة ولا دراية.

■ وكيف وجدت الفارق بين «كتارا» و«البوكر»؟
ـــ «البوكر» جائزة قديمة وترسخت منذ زمن، بينما «كتارا» جائزة كبرى مهمة تسعى لتترسخ، وهذا ما سيحدث لأن لديها مميزات غير موجودة بالبوكر. مثل الترجمة، وتعدد الكتب الفائزة، وإمكانية الفوز بجائزة الدراما.

■ يقول همينغواي في «وداعاً للسلاح» أن الكاتب الذي يعمل بالصحافة، لا يجدر به أن يستمر فيها لفترة تتجاوز السنوات السبع، كيف توفق بين طاقة ووقت الكتابة الأدبية ونظيرتها الصحافية؟
ـــ حقيقةً هي مسألة متعبة جداً، وأعاني منها، لكن لا بد من الوجود في حيز ما، ولا بد من الحديث بعيداً عن الكتابة الروائية، وعموماً ربما أتخلى عن بعض الأماكن التي أكتب فيها.

■ أخيراً، كيف ترى المشهد السياسي في المنطقة العربية في ظل الأحداث الساخنة في مختلف مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
ـــ لا أتابع السياسة بحماس، وأشعر بالأسى لأن الربيع العربي كان مجرد إعصار قضى على الكثير من الآمال، وقد قلت صراحة وبلا مواربة أن شعوباً كثيرة ما كان ينبغي أن تثور، لأن ثورتها دمرت أوطانها تماماً.