عندما وضع الكاتب عنوان «ما بعد القرن الأميركي»، فإنه قصد ربط بحثه واستنتاجاته بمقولة «القرن الأميركي» العائدة إلى الناشر الأميركي، الموصوف بأنه «كان المواطن الأميركي الأكثر تأثيراً في الولايات المتحدة في عصره» هنري ليوس (1898-1967). الأخير قال في مطلع أربعينيات القرن الماضي «إن جاذبية الثقافة (Culture) الأميركية وشعبيتها ستجعلان العالم يقف موقفاً إيجابياً من الولايات المتحدة ومصالحها!».

أما الكاتب (أستاذ دراسات الشرق الأوسط واللغة الإنكليزية والدراسات الأدبية المقارنة في «جامعة نورث وسترن» الأميركية)، فقد أقام نحو عقدين في المغرب وألف كتاباً عنه، وزار الدولتين الأخريين المرتبطتين بعمله، أي مصر وإيران.
موضوع المؤلف نفي صحة مقولة هيمنة الثقافة الأميركية. والمقصود هنا الموسيقى والأدب واللباس ومجلات الرسوم الكاركاتورية والكوميكس والروايات العاطفية أو الرومانسية، إضافة إلى بعض جوانب الدراسات الأكاديمية في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا. خصص الفصل الأول لتحليل كيفية تعامل المبدعين في كل من الدول الثلاث مع الثقافة الأمبركية الواردة إليهم عبر الثورة التقنية. بهذا، فإن العمل مسهب، والكاتب يدخل في تفاصيل الموضوع ليثبت صحة رأيه.
الفصل الثاني، الذي يعد مدخلاً للعمل، خصصه الكاتب للحديث عن الأدب المصري ورسوم الكاريكاتور السياسية. الفصل الثالث خصصه للحديث في المادة ضمن المحيط الإيراني وعلى نحو خاص فيلم أصغر فرهادي «انفصال نادر وسيمين» الذي فاز بجوائز عالمية عدة، ونال شهرة واسعة عالمياً وحتى في بلادنا؛ مجرياً في الوقت نفسه مقارنة مع الفيلم الأميركي «الغول» Argo.

تمت «مصرنة» و«مغربة» و«فرسنة» هذه الإنتاجات

الفصل الرابع والأخير تناول الأفلام المغربية وكيفية تعاملها مع المسألة الجنسية، مشيراً إلى بعض الأفلام المغربية التي أثارت إشكاليات لدى المحافظين مثل فيلمي «ماروك» و«الموشومة» الذي تظهر فيه الممثلة المغربية/ الأمازيغية فطيم عياش عارية الصدر.
الاستنتاج الذي وصل إليه برين إدوردز أن متلقي الثقافة الأميركية، أي الجمهور العربي والإيراني، قام بـ «تدوير» تلك الإبداعات وأعاد إنتاجها محلياً. بذلك، فالثقافة الأميركية المنشأ والجوهر ما عادت كذلك حيث تم فصلها عن منبعها الأميركي والولايات المتحدة الأميركية.
أعمال المبدعين العرب في كافة المجالات المذكورة آنفاً، أنتجت ما هو غير متوقع. أنتجت أعمالاً جديدة وليست امتداداً للإنتاجات الأميركية المنشأ.
يخوض الكاتب في تفاصيل بعض الأعمال التي أشرنا إليها ويظهر كيف تم تأويل الإبداعات الأميركية والكيفية التي تمت بها عملية إعادة الاختراع. بهذا فقد تم تحرير المتلقي من الثقافة الأميركية السائدة وأعاد تأويلها سياسياً في اتجاه مضاد، خصوصاً بعد أحداث 9/11 والحملة المعادية للعرب والمسلمين التي أنتجتها.
من المفيد هنا العودة إلى الماضي وإلى أعمال الكاتب الأميركي مارك توين حيث ترجم أحد أعماله «Celebrated Jumping Frog of Calaveras County» إلى الفرنسية. الكاتب قرر إعادة ترجمة النسخة الفرنسية إلى الإنكليزية، ليرى ما لحق بإنتاجه. اكتشف أن العمل تمت «فرنسته» تماماً ليناسب ذهنية القارئ الفرنسي وإرثه الثقافي والأدبي، ما يصعّب على أي أميركي فهمه جملة وتفصيلاً ما لم يكن ملماً بالإرث الثقافي نفسه.
على هذا النحو، تمت «مصرنة» و«مغربة» و«فرسنة» الإنتاجات الثقافية الأميركية وحتى شخصيات مثل Shrek «شرك» الذي أعيد إنتاجه في إيران والمغرب، فحوّله أحد الفنانين الشعبيين المغاربة في الأخير إلى حمار!
يذهب الكاتب بعيداً في إسهابه واسترساله، ما نرى أنّه مفيد لدارسي الموضوع في بلادنا والتعمق أكثر في البحث، وإثبات صحة مقولة الكاتب الأميركي أو خطأها.
إعادة تدوير الإنتاجات الثقافية الأميركية آنفة الذكر ـ بحسب الكاتب ـ قد يساعد الجمهور الأميركي على فهم نفسه والآخر، ولا يتوهم أن الآخر يأخذ بثقافته كما هي، وهذا تماماً عكس مقولة «القرن الأميركي».
فهم جوهر تحليلات الكاتب تفرض أن يكون القارئ ملماً بالإنتاجات المذكورة، من أفلام وأغانٍ وروايات، مع أن الكاتب أسهب في شرح محتواها.
ملاحظة أخيرة، غلاف المؤلف صورة مركبة، لكن الخلفية، كما رجل الدين، التقطها المؤلف في مدينة إصفهان. والمؤلف نفسه يحوي العديد من المصورات ذات الصلة.