منصف الوهايبي



لأقل بدءاً إنّي في هذه الشهادة، كمن يجرّد من نفسه شخصاً آخر، ويتملاّه في مرآة. بل أجدني داخل نصّ آخر. ذلك أنّ الواقع أو هذا الماضي البعيد (الستينات من القرن الماضي) أو ما هو خارج الكتابة؛ "بنية جوفاء". أمّا وأنا أكتب هذا "النص" عن منصف الوهايبي في بداياته، أو عن كتابه الأوّل، والمؤثّرات التي ألمّت به؛ فيتهيّأ لي أنّه شخص آخر مختلف. كيف نحدّد العلاقات ونرسم الحدود بين "الداخل" في العالم مكتوباً و"الخارج"؟.
إنّ "أنا" أشبه باسمٍ لغير علم، يعقد صلة حميمة أشبه بوشيجة القربى، بين المتكلّم وكلامه. وهذا الضمير على ذيوعه وشيوعه "شديد الغرابة" وليس بالميسور محاصرته، لتعقّده وعدم ثباته. ومن نافل القول أن نذكّر بأنّ الكتّاب أنفسهم يصرّون على التمييز بين الكاتب من حيث هو "أنا اجتماعيّة" والكاتب من حيث هو "أنا إبداعيّة".
كانت محاولاتي الأولى، وأكثرها نصوص ملتزمة لم أجمعها في كتاب حتى الآن، ولا أفكّر في ذلك؛ أقرب إلى الاتجاه التعبيري القائم على التصريح بالمعنى، في شكله المحدّد، والتجانس المألوف بين الصفة والموصوف، والأخذ بنوع من التدفّق الوجداني؛ والاحتفاظ بالبنية الإيقاعيّة في شكلها المستحدث "قصيدة التفعيلة" على قلق العبارة. ونعمة الشعر عندي منذ أن قرأت الشعر القديم، والشعر الحديث العربي والأجنبي؛ هي في إيقاعه ومنه؛ ولا أقصد الوزن، وإنّما هذا الإيقاع الذي أعدّه مثل آخرين ، انتصار الإنسان على الزمن.
كنت ولا أزال أنهل من العربيّة والفرنسيّة، والعربيّة الحديثة لغة كانت قد بدأت بعد في التّفاعل مع اللّغات الأوروبيّة. لغة ننصت إلى أجراس الآداب الأخرى تُقرع في أحشائها وتتصادى سواء عن طريق الترجمة أو عن طريق أسلوب أولئك الرّواد الذين برعوا في الكتابة بواحدة من اللّغات الأوروبيّة (خاصّة الإنكليزيّة والفرنسيّة) وبلغتهم الأمّ، بما في ذلك رواد عرب مثل جبران (وهذا موضوع كنت فصّلتُ فيه القول في رسالتي الجامعيّة عن أدونيس، ثمّ في رسالة دكتوراه الدولة عن أبي تمّام).
على أنّ هذه المحاولات ـ وأكثرها منشور في مجلّة "الفكر" التونسيّة" بين 1968 و1971 كانت معقودة على الذات وهمومها ومشاغلها، دون أن تكون رومانسيّة بالمعنى الدقيق للكلمة. فقد التحقت بالجامعة التونسيّة في أواخر الستينيات، وانضويت مثل بعض أبناء جيلي إلى اليسار (حركة "آفاق" ثمّ "العامل التونسي"). محاولات لا يشدّها في بداياتها نسق إيديولوجي مخصوص، وأكثرها يزاوج بين الصور المجازيّة القريبة والجمل الإشارية؛ ويتمثّل هواجس الذات وحالاتها الوجدانيّة وإحساسها بالعجز والصدع والخواء، في غنائيّة تحتفي بالأشياء والتفاصيل الصغيرة. حتّى إذا عرض لي من بدَواتِ الأدب وحَدَثانه ما عَرض، وأخذتُ من الثقافات الأجنبيّة بحظ، وتأدّبتُ بآدابها؛ كان من الطبيعي أن أصرف قراءتي إلى كلّ ما هو حديث أو أدب ملتزم.
قد يكون سرّ الحداثة في هذا الزواج العرفي بين ثقافتنا وثقافتهم، منذ اللحظة الفارقة التي سمّيناها "صدمة الحداثة"، وليس في هذا أيّة غضاضة، فالحداثة في ما يقرّره مؤرّخوها، فعل كوني شموليّ، ونزوع إلى القانون الذي ما بعده قانون. هي ليست معيارية تنهض على قواعد تستتبع الحكم بالصواب أو الخطأ، و إنما على قوانين وأحكام عامة. وللحداثة الأدبيّة في الغرب قوانين غير تلك التي تجري عليها الحداثة الأدبية في ثقافتنا، فالأولى إنّما نشأت في المدينة أو هي من مفرداتها وتجلّياتها، بحيث يغدو أي كلام عليها، متعذّراً أو فضفاضاً، إن هو لم يُباشرها في فضاء المدن الغربية الضخمة بمؤسّساتها ومشاريعها الكبرى التي تستلب الفرد أو تحوّله إلى مجرّد أداة من أدواتها ورقم من أرقامها. على حين أن الحداثة الأدبيّة في ثقافتنا، حالة جزئيّة أوهي، في تقديري، تجلّ في جانب كبير منها، لحداثة الآخر ذات الطابع الكلّي الشمولي. هي "حداثة" تتناسل من حداثة، وليس من المدينة أو من المعيش بالمعنى الحصري الدقيق للكلمة.
وفضلاً عما تقدم فإنّ الحداثة الأدبيّة عندنا مرتبكة كأشدّ ما يكون الارتباك، فقد انخرطتْ في بداياتها، وربّما إلى حدود السبعينيات، أو بعدها بقليل، في مسار المشاريع الوحدانيّة الكبرى (المشروع القومي والمشروع الاشتراكي مثلاً)، وقد باءا بالفشل؛ قبل أن تنكفئ إلى ضروب من السريالية أو الدادائية أو العدميّة "النهلستية" واللامعقول... وهي مذاهب تولّدت من الانطباعيّة التي يعدّها البعض جوهر النظرية الحديثة في الأدب ويعزوها إلى موقف ابن المدينة من المدينة وليس موقف ابن الريف منها.
ولهذه المذاهب في الحداثة الغربية ملابسات غير تلك التي حفّت بها في ثقافتنا. وقد أشار غير واحد، إلى أنّ الحداثة الغربية صداميّة عدوانيّة أو هي خرق في الزمن والتاريخ وخروج الى الذات، سواء تجسّدت هذه الذات في "سوبرمان نيتشه"، وصرخة زرادشت "أنّ إلَهكم قد مات" أو في تحطم "الأنا" وتشظّيها في "أوليسيس" جويس، أو في شعار "الإنسان مات" كما هو الشأن عند فوكو.

لم أنخرط في معارضة منظومة الحكم السّياسيّة والقيميّة في نصوصي الشّعريّة والأدبيّة

إنّ لكلّ مرحلة أدبيّة أو فنّية ملامحها المتميّزة بحيث تلوح بناء قائماً بنفسه؛ منطلقه عنصر ما مركزيّ فاعل، أو جملة تأثّرات تتعلّق بـ"استجابة القارئ" وما استقرّ في مشاعره ووعيه، أو بـ "جماليّة التلقّي" عامّة. ولكنّ العمل "الأوّل" يظلّ له شأن، ويمكن أن نعتبره نواة التجربة عند أيّ منّا. والفارق بين مرحلة وأخرى يكمن في الدرجة التي تظهر فيها هذه الفرديّة أو تلك؛ أو هذا الخيط الناظم، أو هذا العنصر الذي يسِم المحاولات اللاحقة. هناك نظام ما أو بنية ما، كما هو الشأن في المدارس والتيّارات الكبرى؛ فالرومانسيّة مثلاً أو الرمزيّة أو التصويريّة لا تتمثّل في جماع سماتها، وإنّما في طبيعة العلاقة بين تلك السمات. وقد تقوى سمة ويكون لها أثر بنيويّ في مجمل السمات الأخرى. على أنّه من الصعب في شهادة كهذه أن أتميّز السمات الدقيقة أو الظلال الخفيّة بين المحاولات الأولى الرومنسيّة فالملتزمة، وما أعقبها منذ أن نشرت كتابي الشعري الأوّل "ألواح" عام 1982 والمقصود "ألواح الطين"، (لم أضمّ فيه من القصائد الأولى سوى أربع قصائد)، ثم "من البحر تأتي الجبال" عام 1991، و"مخطوط تمبكتو" عام 1998، ثم " فهرست الحيوان" و"كتاب العصا" 2007 ، و"أشياء السيّدة التي نسيت أن تكبر" 2009، و"تمرين على كتابة يوم الجمعة 14 جانفي”2011" و"ديوان الصيد البحري" 2013 ، حتى ديواني الصادر هذا العام "بنات قوس قزح" 2016؛ فضلاً عن ثلاث محاولات روائيّة، والمشاركة في عملين سينمائيّين، أحدهما عن زيارة الرسام بول كلي إلى القيروان عام 1914 مقتبس من نصّ شعري لي عنوانه عنوان لوحة كلي "عند أبواب القيروان". ولكنّي كنت دائماً أنظر إلى هذه المحاولات بعين القارئ الناقد، وكأنّي أنظر في مرآة ارتداديّة؛ وأرى ما ورائي. تحرّرت من سطوة الخطاب الصوفي الذي قد يكون طغى على الكتاب الأوّل، وانصرفت إلى عالم المدن واليومي والمعيش. بل راهنتُ ولا أزال على الأشكال الحديثة، وأحاول من نصّ إلى آخر أن أستوعب مكوّناتها وتحوّلاتها؛ وأن أقف على منحاها الانقلابي والنقلة النوعيّة التي يحدثها في بنية الخطاب الشعري.
هناك ناحية أخرى في حياتي قد ترجع إلى سِنِيّ الجامعة وانخراطي في تجربة اليسار التونسي، فربّما كنت من القلائل أعني من الشعراء والأدباء عموما الذين عارضوا النظام ـ لأنّ النّشطاء من حقوقيين ونقابيين والسّياسيين ليسوا على أيّة حال قي قلّة الأدباء ـ على أنّ صوتي ضدّ النظام قبل 2011 والمنظومة القيمية التي دعمته لم يكن عالياً؛ وإنّما كان واضحاً.
لكن ما ينبغي التّذكير به أنّي لم أنخرط في معارضة منظومة الحكم السّياسيّة والقيميّة في نصوصي الشّعريّة والأدبيّة؛ فأنا اليوم لا أعتبر نفسي كاتباً ملتزماً بالمعنى المعهود، وإنّما أسعى إلى كتابة قصيدة أفعّل من خلاها حياتي؛ ما هو يوميّ فيها وما هو ميتافيزيقيّ. ولذلك، فإنّ مناهضتي للمشهد السّياسيّ أمس واليوم أيضاً، كما أوضحت في روايتي الصادرة حديثاً "ليلة الإفك"؛ تعكس ما أتصوّره الشّرط الأدنى لعلاقة المثقّف بالشّأن العامّ. على أنّ نصّي الشّعري يتحرّك في أفق وجودي غير مسيّس بالمعنى الحرفي للسياسة، وفي حساسيّة جماليّة لا تقطع صلتها بالسّياسيّ لكنّها ليست على أيّة حال مسيّسة.
لأقلْ إني لم أصمت في واقع الأمر. ولكن السّياق تغيّر؛ فلم نعد ضمن معادلة تقليديّة معقودة على تقابل بين سلطة وموالاة من جهة ومعارضة ليّنة أو راديكاليّة من جهة ثانية، وإنّما نحن في وضع انتقالي نتيجة "حدثيّة" استثنائيّة في تاريخ تونس المعاصر تأتّى لي أن أتمثّلها في بعض النصوص الشعرية والسردية. وقد أتمثلها في نصوص أخرى. وفي الجملة، فأنا مثلي مثل مثقّفين كثيرين أتعلّم بعدُ كيف أتهجّى هذا الوضع الانتقالي.