تتعب من المشي دون هدف في شوارع تلك المدينة الغريبة فتدخل باراً صغيراً باليدين معاً في الجيبين.

ـــ أنا عطشان أيتها النادلة الجميلة.
تقدم لك قنينة ماء مثلجة مع كأس فارغة وابتسامة.
تخمّن أن الماء لا يروي أبداً عطش الغرباء الذين يحملون في جيوبهم أوراقاً ثبوتية كثيرة وتذاكر سفر قديمة وجديدة عبر قطارات بخارية وسفن وعبّارات وعناوين لعائلات بفرد واحد هاجر.
الماء في كل مكان ينبع من أي شيء، لكن العطش ينبع منك.
تظل تحدق في قنينة الماء غير مقتنع بكل الأجوبة المقنعة عن أسئلة بسيطة لا تطرح في العادة تفادياً للحرج.
تنتبه النادلة إلى حيرتك الشبيهة بحيرة فراشة عثّ قرب قنديل.
ـــ هل تريد أن تجرب مشروباً آخر سيدي؟
ـــ نعم سيدتي أريد أن أجرب أي شيء لا يكون ماء.
تنتبه بحرفيتها الخفية إلى أنك تحدق بالضبط في قناني الويسكي.
ـــ حسنا ما رأيك بهذا؟
ـــ ويسكي؟
ـــ نعم ويسكي.
ـــ أوه فكرة جيدة فلنجرّبه.
ـــ أحمر أم أسود؟
ـــ حسناً دعينا نجرب الأسود أولاً، ثم الأحمر بعد ذلك. موعد تذكرة قطاري ما زال بعيداً، ويمكن أيضاً تأجيله بسهولة فلا أحد ينتظرني في أي مكان من هذا العالم.
تمدّ لك الكأس، تأخذها منها قبل أن تلامس الكُونْتْوَارْ ضاغطاً أصابعك على أصابعها. تعبُّها كماء. تضعها على الكونتوار وهي فارغة وأنت تحدق في النادلة دون أن ترمش وهي تتحرك كأنها منشغلة حقاً بشيء ما بين القناني متفاديةً نظراتك الفلتانة وسلوكك الغريب.
تخمن أنها حافية خلف الكونتوار.
ـــ هل أجد عندكِ ولاعة؟
ـــ طبعاً، تفضل.
ـــ على فكرة، عيناكِ جميلتان.
ـــ شكراً لك
ـــ لا لا لا.. إنهما جميلتان حقاً
تخمن في ذهنها دون أن يبدو ذلك على ابتسامتها: هذا سكير آخر بمجرد ما سيعبّ الكأس الثانية سيطلب عناقاً وقبلة.
تفكر في التخلص منك بلطف قبل أن تثمل بسرعة شديدة بطلب الحراس الأجلاف لك، أو الشرطة. لكن هذا على الأرجح سيسيء لسمعة المحل وسمعة المدينة وسمعة البلد وسمعة العالم، وهذا ليس بالخيار السديد لنادلة جميلة.
تستغل أنت حكمتها.
تعبّ كأساً أخرى كمتسابق يوشك أن يبلغ خط النهاية، وتطرقها على الكونتوار.
ـــ أقسم لك بكل الآلهة إن عينيك جميلتان جداً بشكل يصعب تصوره، هل تفهمين قصدي؟ هل تفهمين ما أعني؟
تبتسم لك ابتسامة أقل اتساعاً وهي تميل قليلاً كمطر خفيف لتملأ كأساً لسكير آخر.
البارات الصغيرة تكون فارغة في العادة، سكير واحد أو سكيران مع كثير من الفستق والبْلُوزْ، ثم هناك رأس أيّل جبلي محنط على الحائط، بقرنين حقيقيين دون تحنيط، وجوهرتين خضراوين مزيفتين مكان عينيه.
يبدو لك الآن أن لديك قبعة لم تكن ظاهرة لك أنت نفسك حين دخلت، لا تعرف من أين جاءت إلى رأسك، لكنها بدت مناسبة وهي منعكسة في الزجاج العميق وفي الخشب المعتم اللامع وهذا هو المهم، ثم ترتدي أيضاً معطفاً قديماً من الفرو ليس معطفك، وهناك ثلج في الخارج يبدو لك من النافذة رغم أنك تركت الصيف في الخارج قبل أن تدخل. لا تهتم كثيراً لهذه التغيرات التي يألفها الغريب. تكتفي فقط بفتح أزرار ذلك المعطف. تدخل يدك في جيبه فتجده مليئاً بالطوابع البريدية.
تعدل القبعة فوق رأسك، وتفرغ الطوابع فوق الكونتوار.
ـــ حسناً أيتها النادلة الجميلة، دعينا نجرب الويسكي الأحمر الآن. سأخبرك من أين أنا، وسنحزر معاً بلد كل طابع، وطابع كل بلد. سيكون دوامك مسلياً هذه الليلة، لقد ألفتُ تسلية بَارْمِيتَّاتِ البارات الصغيرة إلى درجة أني أصبحت بارعاً في ذلك.