هل العنوان فخُّ لاصطياد القارئ الضال، أم أنه استراتيجية كبرى، وهويّة أنطولوجية للنصّ، بقصد العبور إلى الجوهر؟ ما بين توريط المتلقّي بعنوانٍ مخادع، وحيرة الكاتب في اختيار عنوان كتابه بما يتواءم مع تصوراته النهائية لنصّه، تتفاوت الآراء، أو كما يقول سليم بركات «كلّنا يقلّب جملةً من مفاتيحه على باب النصّ». يتعانق العنوان مع المحتوى بوصفه إذاً، علامة مركزية في الإرسال والتلقي حسب نظريات البنيويين، لكننا سنتفق مؤقتاً، على أن الكتاب يُقرأ من عنوانه، بصرف النظر عن وعورة تضاريس بعض العناوين أو ابتعادها عن المتن السردي أو الجمالي للنصّ. في هذا المقام يتفوّق الشعراء على الروائيين في «صناعة» العنوان، وهو ما جعل الرواية في بعض نماذجها المتأخرة تتكئ على الشعر في اختيار عناوينها بقصد ترميم المسافة مع القارئ المحتمل، فالعنوان، في نهاية المطاف «يعلو النص ويمنحه النور اللازم لتتبّعه» وفقاً لما يقوله عبد الفتاح كيليطو. من جهتنا قمنا باقتحام المطبخ السرّي لعدد من الروائيين والشعراء العرب للتعرّف على اللحظة الأخيرة في «توطين» عناوين كتبهم في قيد النفوس الأدبي بوصفها أختاماً نهائية وتواقيع معتمدة، وذلك بأسئلة تتعلّق بهذا الجانب الخفي من مخاضات الكتابة ومكابدات أصحابها في كيفية عثورهم على عناوين كتبهم، وهل كتبوا نصوصهم ثم بزغت عناوينها لاحقاً، أم أن العنوان كان حاضراً منذ السطر الأول، وهل خضعت بعض العناوين إلى تعديلات لاحقة على المسودة الأولى، بمعنى متى كانت لحظة الطمأنينة إلى أن هذا العنوان أو ذاك هو من سيزيّن كتبهم في نسختها النهائية؟ لا طمأنينة كاملة لدى معظم الكتّاب في صواب العنوان، حتى أن بعضهم يلجأ إلى معونة صديق، كما يفعل عزت القمحاوي مثلاً، فيما تنبّه جيهان عمر إلى أنها افتقدت الثقة التي كانت تلازمها في بداياتها، كتاباً وراء آخر، أما شاكر لعيبي فيحسم الأمر بقوله «لا أختار عناويني بل هي التي تختارني». «كلمات» سأل عدداً من الكتّاب والكاتبات، وقلّب معهم عناوين كتبهم، فكانت الشهادات الآتية:



رهان القراءة الثانية


أمير تاج السر *
شخصيّاً أنتمي إلى النوع الذي يكتب الرواية أولاً، ويعيد كتابتها حتى النسخة الأخيرة، ثم يأتي العنوان وحده بلا أي بحث، وينطبق ذلك على كتاباتي العادية في المقالات وأيضاً في الشعر حين كنت أكتبه، حيث تنتهي المقالة، أو القصيدة، وأجدني أكتب عنوانها بطريقة آلية. هناك استثناءات من ذلك بالطبع، بمعنى أن ليس كل الأعمال التي كتبتها، جاءت بهذه الطريقة، فهناك أعمال انتهيت منها ولم يأت العنوان كما يحدث دائماً، فأضطر إلى إعادة قراءتها، وحين لا أجد عنواناً مناسباً أتركها فترة، وفي النهاية أقوم بعنونتها بلا اقتناع كبير، مثل رواية «رعشات الجنوب» التي أرّخت لقضية الشمال والجنوب السوداني وتنبأت بانفصال البلدين. لكن هذه العناوين غالباً ما تنجح لحسن الحظ. هناك أعمال ولدت عناوينها معها، أي منذ أن كانت الفكرة تدور في رأسي، وقبل أن أكتبها، مثل رواية «توترات القبطي» التي استوحيتها من تاريخ الثورة المهدية، ومن كتاب ألفه قبطي عاصر الثورة، ومنذ البداية كنت أكتب توتراته في وسط الجهاديين، وأعرف أن الرواية اسمها «توترات القبطي»، أيضاً «منتجع الساحرات»، روايتي الأخيرة، فقد كان عنوانها حاضراً في الذهن بوصفها تتحدث عن وقائع جرت في ساحة اسمها «منتجع الساحرات» وأي عنوان آخر كان سيكون بعيداً عن الواقع. كانت روايتي «زحف النمل»، التي صدرت طبعتها الأولى عن «دار العين» المصرية، تحمل اسم «كلية من زيتون»، وزيتون هذا هو المتبرّع الذي منح كليته للمغني أحمد ذهب، ثم قام بإزعاجه والاستيلاء على كل حياته، وحين عرضتها على الصديق الروائي عزت القمحاوي، اقترح أن نسميها «زخف النمل» لأن اسمها صعب، وقد ينطق خطأ في معظم الأحوال، وهكذا نجح الاسم معها والآن ُطبعت مرات عدة، وتذوقها القراء. ورواية «طقس» التي صدرت عن «بلومزبري»، كان اسمها الذي ولد معها هو: «أمنيات الجوع»، ثم استبدلته لاحقاً، و«366»، كان اسمها «رسائل المرحوم»، لكنني استبدلته في القراءة الثانية.
*روائي سوداني

هذه الأيام أعيش
حيرة عنونة رواية جديدة،
وغالباً سوف أستعين
بصديق!

تفسير المكنون الخفي
ليانا بدر*

قد يخطر في بالي العنوان الذي أظنه كافياً لتفسير المكنون الخفي للرواية، ويظل هذا العنوان يلحّ علي حتى أعتمده كعنوان أساسي إلا أن تطورات الرواية فيما بعد تبعده كلياً وتغّير من اتجاهه وفحواه وطريقة استخدامه. لا أذكر يوماً أن ما خطر لي كعنوان ملائم استطعت اعتماده كعنوان نهائي بعد أن تنتهي الرواية التي تشبه بحراً يموج بحركات لانهائية، ودلالات واضحة أو ملتبسة عبر أوقات زمنية متواصلة أو متقطعة. عنوان الرواية الوحيد «نجوم أريحا» هو الذي ظل على حاله منذ كتبت الفصل الأول فيها بهذا العنوان والذي صار الفصل الأخير بعد اكتمالها . ففي تلك الرواية التي تجعل المدينة في مكان البطولة والتي لعب فيها سكانها دور الأنغام التي ترافق السيمفونية كان الاتجاه واضحاً منذ الكلمة الأولى. كان على المكان أن يبني نفسه وأن يفرض شخصيته وطالعه وأوقاته وتغيّراته وحكاياته وتواريخه. وهكذا كان، فقد ظل العنوان هو ذاته. بينما في روايتي الأخيرة «الخيمة البيضاء» كان العنوان مشابهاً بطريقة أو أخرى، لكنني أحببت أن أكثفّه وأن أخفف من تضاريسه، وأن أجعله مختصراً لأن محمولاته الرمزية مكثّفة. الكلام واضح في أن علينا أن لا نكتفي بحمل الخيام بطريقة أو بأخرى خوفاً من البياض يظللها ويجعلها مكاناً بعيداً عن المساءلة والنظر والتدقيق والتحليل فيما يحدث حولنا.
* روائية فلسطينية

غالباً ما أستعين بصديق
عزت القمحاوي *

عرفت الطمأنينة بعد اختيار العنوان في أول كتابين، بعد ذلك أخذت الحيرة تتمدد عملاً بعد آخر، وفي الوقت نفسه تتنوع ملابسات اختيار العنوان. في المجموعة القصصية «حدث في بلاد التراب والطين» اخترت العنوان بعد الانتهاء من الكتابة، واخترت أن يعبر عن جو المجموعة كلها، بدلاً من فرض عنوان إحدى القصص على الكتاب. وبعد ذلك جاءت الرواية الأولى «مدينة اللذة» غريبة في متنها وعنوانها. ولد العنوان في رأسي أولاً، واستغرقت كتابة النص أقل من شهر، ولم أجد ما أغيّره في الكتابة الأولى.
في كتبي اللاحقة، لم يسبق عنوان نصه أبداً، ولكن الكتابة على الكمبيوتر تحتم أن يكون للنص (المستند) عنوان قبل كتابة السطر الأول، غالباً أضعه بشكل اعتباطي، وبعد معايشته طوال أشهر الكتابة يسد منافذ التفكير في غيره، مع الوعي بأنه العنوان الأسخف الذي يمكن أن يحملها لعمل. حدث هذا في كتاب «الأيك» مثلاً، وأتذكّر ما قاله لي الصديق الشاعر وليد خازندار «لم أتمنَ يوماً أن يكون لديَّ صديق يؤلف كتاباً عنوانه الأيك»، ووليد نفسه من سيختار لي لاحقاً عنوان رواية «البحر خلف الستائر» بعد أن توقّف ذهني عند عنوان الملف المبدأي: «البرج»، كذلك فإن عنوان «غرفة ترى النيل» كان من اختيار الصديق الروائي الراحل يوسف أبو رية، وكنت قد وضعت في بداية النص قائمة بعناوين تشاغلني، لكنه تركها جميعاً، والتقط جملة ساخرة يقولها المريض المقبل على الموت لموظفة الاستقبال في المستشفى: «غرفة ترى النيل من فضلك».
رواية «بيت الديب» كان عنوان ملفها على الكمبيوتر «العشّ» وهو اسم القرية التي تخرج منها أجيال عائلة الديب، ولم يعجب العنوان «دار الآداب» التي تحمّست لنشر الرواية، فأرسلت قائمة بعدة عناوين اختارت الدار منها العنوان الذي صدرت به «بيت الديب». وهذه الأيام أعيش حيرة عنونة رواية جديدة، وغالبًا سوف أستعين بصديق!
وبالرغم من الحرص على العنونة فإن المتن هو الذي يعود ليضفي على العنوان ألقه، لو تأملنا مثلاً عناوين مثل «السكرية» أو «الطريق» لنجيب محفوظ، أو حتى «الحرافيش»؛ سنجدها مسطّحة لا تعني شيئاً، لكن مضمونها رسّخها، مثلما تستقر صورة الشخص الرقيق من سلوكه وننسى أن اسمه عبد الجبار!
* روائي مصري

يخضع للتغيير المستمر
الحبيب السالمي *

لم يكن أي واحدٍ من عناوين رواياتي حاضراً منذ السطر الأول. كلها بدأت تظهر لي بعد أن كتبت فصولاً عديدة، أي بعد أن أخذت الملامح الأساسية للعمل تتشكل والمناخات تتوضح وتستقر، فأنا لست من الكتّاب الذين يخططون للعمل مسبقاً. لدي بالطبع فكرة دقيقة عما أريد أن أقول. لكن الطريقة التي ينبني بها العمل والإيقاع الذي سيتخذه يبرزان أثناء عملية الكتابة، لذا لا يمكنني أن أضع عناوين منذ البداية. وفيما بعد تظل هذه العناوين خاضعة للتغيير. كما أنني لا اختار الصيغ النهائية إلا عندما يكتمل العمل. وعادة أتوقّف عن إجراء التعديلات قبل إرسال العمل إلى دار النشر. وقد حدث أن اتصلت بدار النشر بعد إرسال المخطوط طالباً تغيير العنوان الذي كنت اخترته قبلاً. ومن بين العناوين التي أرقتني ووجدت عناءً في العثور عليها «روائح ماري كلير» و«نساء البساتين».
*روائي تونسي

بمثابة الرحم
أمين الزاوي *

عنوان الرواية هو بطاقة دعوة للقراءة. شخصياً أعتقد أن العنوان يلعب دوراً كبيراً في إثارة القارئ وجلب انتباهه إلى شيء يريد الروائي نفسه أن يشاركه في الوقوف عليه والتمتع به أو التأمل فيه.
الدراسات الجامعية النقدية المرتبطة بماركتينغ الكتاب تقوم اليوم بتفكيك العناوين، خاصة عناوين الرواية، للوصول إلى الذوق الطاغي في مرحلة زمنية معينة، لقارئ معين وبمواصفات معينة، وبالتالي فهناك العديد من الأطروحات الجامعية في أوروبا وأميركا تلاحق سوق الكتاب والاستثمار في الكتاب انطلاقاً من العناوين.
في رواياتي سواء تلك التي كتبتها بالعربية أو بالفرنسية لا تختلف حكاياتي مع العناوين، بالتالي فاللغة لا تدخل في تحديد العنوان.
قد يلاحقك عنوان ما منذ بداية كتابة الرواية ويظل حتى تخرج الرواية إلى القارئ هاجساً مركزياً، فهو يشبه الرحم الذي منه تصعد أنفاس هذا الكائن الرواية إلى الوجود، هنا تكون فكرة العنوان مرتبطة عضوياً بهاجس مركزي في الرواية، حدث هذا معي مثلاً في رواياتي «صهيل الجسد» أو «السماء الثامنة» (بالعربية) و La Soumission الخنوع (بالفرنسية).
قد يكون العنوان هو مفتاح للدفق السردي ولكنه يختفي شيئاً فشيئاً بتقدم السرد في اتجاهات مختلفة وبالتالي يفقد ألقه في منتصف الكتابة أو قبل نهايتها وتبدأ عناوين أخرى تظهر لتكون بديلاً عن رحم العنوان حدث هذا معي مثلاً في رواية «الرعشة» أو «لها سر النحلة» (بالعربية) و Festin de mensonges وليمة الأكاذيب (بالفرنسية).
قد يكون العنوان نفسه عبارة عن اشتغال إبداعي منفصل أو يكاد عن النص الروائي، كأن تقوم بمعارضة عنوان تراثي شكّل هاجساً في قراءاتك الإبداعية أو الفكرية، حصل معي هذا في روايتين (حادي التيوس أو فتنة النفوس لعذارى النصارى و المجوس) وكذا في رواية (نزهة الخاطر). قد يكون العنوان أيضاً إحالة على زمن تاريخي بعينه يريد الروائي التأكيد أو تسليط الضوء عليه لبعد سيكولوجي أو جمالي أو سياسي أو حضاري حصل هذا معي في روايتي التي كتبتها بالفرنسية le dernier juif de Tamentit (اليهودي الأخير في تمنطيط) أو رواية (قبل الحب بقليل).
* روائي جزائري

مرحلة أرق
منصورة عز الدين *

يختلف الأمر معي من عمل لآخر. في الغالب أترك اختيار عنوان الكتاب للنهاية، يكون في بالي عنوان ما منذ البداية حتى لو كنت أعرف أنه مجرد اختيار مؤقت، ثم حين أنتهي من الكتابة أبدأ في التفكير في مدى مناسبة العنوان للكتاب. حدث هذا مثلاً مع «وراء الفردوس»، إذ بدأت كتابتها بعنوان بعيد تماماً حتى عن مضمون الرواية نفسها، ومع انتهائي من المسودة الأولى للعمل، فاضلت بين عدة عناوين، مستقاة من العمل، للوصول للعنوان النهائي. «جبل الزمرد» بدأت كتابتها بعنوان «جبل الحياة»، ثم فضّلت لاحقاً العنوان الذي نُشِرت به لأنه أكثر ارتباطاً بـ «ألف ليلة وليلة».
لكن في حالة الرواية الجديدة التي انتهيت من كتابتها قبل مدة ولم تُنشَر بعد، كان العنوان أول ما خطر لي، وانطلاقاً منه بدأت الكتابة، وهذا استثناء في ما يخصني. واللافت أن في هذه الحالة، كانت الكتابة أكثر سلاسة وتركيزاً، ولا أعرف هل لهذا علاقة بوضوح العنوان في ذهني منذ البداية أم لا.
المجموعات القصصية تحيرني عناوينها أكثر، لأن الاختيار يعني في الغالب تغليب قصة ما على باقي المجموعة، وأتذكر أنه بعد نشر مجموعتي «نحو الجنون» سألني أكثر من صديق لماذا لم أختر لها عنوان «ليل قوطي» لانحيازهم لهذه القصة أكثر من غيرها، وكان ردي أن الجنون بدرجاته وأنواعه هو الرابط الخفي بين قصص المجموعة، في حين أن «ليل قوطي» لا ينسحب إلا على قصة واحدة.
بالنسبة لي اختيار العنوان من أكثر المراحل المؤرقة، وأجدني حين أحتار في الوصول لعنوان يرضيني، أحسد الكاتب البولندي غومبروفيتش لاستهانته بالعناوين، إذ كان ينظر إليها كمجرد وسيلة لتفريق عمل عن آخر، وذكر مرة أنه اختار «فيرديدوركه» عنواناً لروايته الشهيرة لأنه بلا معنى وصعب النطق بالبولندية!
* روائية مصرية
حين أنتهي
من الكتابة، أبدأ بالتفكير
في مدى مناسبة
العنوان للكتاب

هي التي تختارني
شاكر لعيبي *

كان بودي الإجابة على السؤال بجملة واحدة: «لا أختار عناويني بل هي التي تختارني». هذا بالنسبة لي جواب شافٍ، رغم قلة الصبر التي قد ترشح من صياغته. أحسب أن كل جواب آخر من طرفي لن يضيف شيئاً للفكرة الجوهرية تلك، سوى إضاءتها في الغالب. هذا هو جوابي حقاً. دائماً ما انتظرتُ أن يفرض العنوان نفسه عليّ. أحياناً فرض نفسه على العمل برمته قبل اكتماله. مرات اختار نفسه فجأة في مرحلة ما من الكتابة مثل مجموعة «الأدنى والأقصى». العناوين هي التي اختارتني برفق. مرة واحدة فقط ساعدني أحدهم عَرَضَاً وأنا أتساءل عما يمكن أن يكون عنوان مجموعة شعرية مهمومة بالميتافيزيقا رغم ظاهرها الأيروتيكي، فقال: ميتافيزيك. وهكذا اختار العنوان نفسه من جديد مداوَرة. وحتى الأعمال التي كتبتها أو ترجمتها، متسلسلة إذا صح التعبير، على الفيسبوك، قد اختارت عناوينها هي بنفسها، إذ يتذكر أصدقائي أنني منذ البدء نشرتُ أنطولوجيا الحب بعنوان «انطولوجيا الحب» والآن «تاريخ التصوير الإسلامي: من وجهة نظر المرسوم على الخزف» بهذا العنوان. وأحسب أن الرغبة الملحة، الثيمة الملحة، الفكرة الملحة والمفهوم الملحاح، حتى إذا لم تكن بالوضوح الكافي، بادئ الأمر، في ذهن المؤلف هي التي تفرض عناوينها. العنوان الوحيد الذي لا يختار نفسه بنفسه هو «الأعمال الكاملة» الذي نفرضه فرضاً.
* شاعر وناقد عراقي

مثل الرأس من الجسد
جيهان عمر *

العنوان هذه البداية التي أؤجلها للنهاية، إنه مثل الرأس من الجسد كاشف ودال يتجهم ثم يبتسم في خبث، صادق، مخادع، أو كاذب ومحتال. العنوان الكلمة نفسها المثقلة بالوعود، لكن هذه الطمأنينة بالفعل هي التي تحسم الأمر في النهاية. شعرت بها في ديواني الأول، كان اسم قصيدة من الديوان، كما اعتدت أن أفعل بعد ذلك، وقد يبدو حلاً سهلاً، ورغم ما يحمله نشر الكتاب الأول من خوف وتردد إلا أنني كنت حاسمة: «أقدام خفيفة». تعجّب حسني سليمان صاحب «دار شرقيات» قائلاً: «انظري إلى عناوين بقية القصائد معظمها لافت وجريء». أجبت «لكن قصائد الديوان خافتة تماماً مثل هذا العنوان». تعجّب من ثقة شاعرة مبتدئة وآثر الصمت. في ديواني الثاني مع الدار نفسها، سألني الناشر بعد قراءة الديوان إن كنت قد اخترت عنواناً فأخبرته «قبل أن نكره باولو كويلهو»، فأطلق ضحكته الرناّنة النادرة وقال: هيا دعك من الدعابات الآن. قلت له أنا لا أمزح، فحاول أن يثنيني عن هذا العنوان الغرائبي باختيار أسماء قصائد أخرى، فلم أنصت إلى اعتراضه، لقناعتي بصواب هذا العنوان بالنسبة للمحتوى. ديواني الأخير الذي تردّدت في نشره خمس سنوات كاملة، أرهقني عنوانه تماماً، إذ غيّرت العنوان نحو عشر مرات. في كل مرة أختار عنواناً يلازمني مدة يوم أو يومين ثم أتخلى عنه مثل حبيب مؤقت، وحينما فقدت الأمل في قدرتي على الاختيار ذهبت إلى «دار العين» التي تبنّت نشره وأنا أتأبط أفضل خمسة عناوين، وكان محرّر الدار تامر عفيفي شاعراً أيضاً، فاختار من بين عناويني المقترحة «أن تسير خلف المرآة» ووجدتني أرتاح لأول مرة لفكرة أن يشير أحدهم الى أحد العناوين التي أرصّها في الصفحة مثل قطط صغيرة متشابهة وحديثة الولادة، لا أستطيع التمييز بينها. الآن أرغب أن تعود لي ثقتي القديمة، فمنذ أكثر من عشر سنوات كنت أضع العنوان أمام الناشر بثقة تفوقني حجماً، وقلبٍ مطمئن انتظر عودته.
*شاعرة مصرية

طغراء الكتاب وختمه
محمد مظلوم *

بهجةُ العثور على عنوانٍ لكتابي، الشعريّ تحديداً، تُضاهي لحظةَ اكتمال الديوان نفسه، ولعلَّها تُشبه صرخة أرخميدس: «وجدتُها!» ولأنني أميل في تجاربي الشعرية إلى «الكتاب الشعري» وليس المجموعة، بمعنى أنني لا أجمع قصائد متفرقات في عنوان، وإنما أقارب موضوعاً يحتملُ النظرَ إليه من زوايا نظر متعدَّدة، كان العنوانُ، بالنسبة لي «الجامع المانع»، هو طُغراء الكتاب وختمه، وهو قصيدة أخرى، ربما أقصر القصائد، وأكثرها امتلاء بالدلالة، لأنُّه يمسكُ بالمضمون العام للكتاب باختزال وإيحاء مكثفين. إنه عندي أشبه ببيت القصيد. «وروح الشعر في بيت القصيد» بتعبير ابن عربي.
العنوان عندي هو الاسمُ، والنصُّ هو المسمَّى، وإذا كان كل كتاب مثل «مولود جديد» كما درجت عادات المؤلفين في وصفِ كُتبهم، فإنَّني أقربُ إلى تفكير الآباء في الشعوب القديمة من الآباء العصريين! فأولئك كانوا ينتظرون حتى ولادة أبنائهم، خاصة مع عدم وجود «السونار» لمعرفة جنس الجنين ذكراً كان أم أنثى؟ ليختاروا له الاسم المناسب، وكثيراً ما تختزلُ تلك التسمية وقائعَ وأحداثاً طارئة، لتجعلَ اسمه «مستوحى» منها. أتذكر، مثلاً، تلك الحكاية عن تسمية جدِّي الأكبر الذي حملت اسمه، فقد وُلدَ بعد أيامٍ من موت والده، لذلك اختاروا له هذا الاسم: «مظلوم!»
غالباً ما أسمي كتبي تسميات عدَّة قبل أن أستقر على التسمية النهائية، ظاهرياً ربما يبدأ العنوان قبل النص، لكنُّه في الخيمياء الداخلية للنص، يتغيَّرُ مرَّاتٍ ومرات، فلم يحدث أنه بقي معي حتى النهاية إلا مرة واحدة في جميع كتبي الشعرية، يموتُ العنوان مرَّاتٍ عدَّة ويحيا من جديد، قبل أن يأخذ صياغته الأخيرة، إنه يمحو نفسه وينقح زوائده ويتناسخ قبل أن يستقرَّ على تسميته النهائية، تلك التسمية التي غالباً ما تكون قبل وقت قصير جداً من دفعه للناشر. عندها فقط يكون الأمر بمثابة الاستسلام النهائي للاسم/ العنوان.
المرَّة الوحيدة التي ولد فيها العنوان حتى قبل أن أكتب أية كلمة من الكتاب، وبقي حياً حتى آخر كلمة فيه، كانت في ديواني «كتاب فاطمة» واللافت أن هذا العنوان قد ولد أيضاً من موت متعدَّد، موت متعدِّد حقيقي وليس مجازياً هذه المرَّة: امرأة وتوأميها!
* شاعر عراقي

عملية نحت
حمور زيادة *

لا أزعم أن هناك طريقة واحدة أستخدمها. عادة ما أفضل أن يكون هناك عنوان ما للعمل أثناء الكتابة. أفكّر في العنوان وأنا أجمع خيوط العمل (رواية أو قصة ) في ذهني. أعتبر العنوان حاضناً للكتابة. من الصعب أن أكتب بدون عنوان. لكن عناوين قليلة هي التي استمرت معي حتى نهاية العمل. أما كيف يتغير العنوان فهذا لا أعرفه. أحياناً أنحت العنوان نحتاً كلما تقدمت في الكتابة. وفي أحيان أخرى يأتي كأنه كان مسمى في مكان ما ورأيته فجأة.
عملي الأول «سيرة أم درمانية» اخترت اسمه بعد أن تحفظ الناشر المصري على العنوان الأول الذي كان شديد السودانية. فرأى أنه لن يفهم بشكل سليم ولن ينطق بشكل سليم، مما سيعطي معنى بعيداً عن المقصود. عنوان «سيرة أم درمانية» نحته نحتاً. كان العمل مكتملاً وعلى وشك الدخول إلى المطبعة وأنا أكتب وأكشط لأستولد عنواناً يناسب العمل. اعتبرت تحفظ الناشر أمراً يقع في دائرة اختصاصه بالتسويق. بينما عنوان «النوم عند قدمي الجبل» أتاني مع فكرة القصة. جاء العنوان بصحبة التفاصيل. ولم يتغير وشكّل مسار العمل. بينما أعمال مثل «شوق الدرويش» (رواية) و«الخواء» (قصة) و«حكاية حسنة بنت قنديل وما جرى بسببها» (قصة)، أتت أثناء الكتابة بعد عناوين أولية سابقة.
كل هذه العناوين، التي تُنحت نحتاً أو تُشرق فجأة أو تتولد أثناء الكتابة كلها أحكم عليها بالطمأنينة التي تأتي معها. حين أحس أن العنوان والعمل قد تآلفا كقطعتي بازل في مكانهما. في مرات نادرة كان العنوان الذي أطمئن إليه لا يلقى ترحيب الأصدقاء المستشارين. وعادة ما أمشي مع تقييمهم وأبحث عن طمأنينة أخرى في عنوان آخر.
*روائي سوداني