لما تشاجرت فردوس مع عوض السيد في تلك الليلة، كان الوقت عشاء آخر. وانتهت المشاجرة بأن أطلقت فردوس كلماتها الرصاصات لتنكأ عدة جروح عميقة وقديمة في قلب عوض السيد. كظم هو غيظه، ورماها بنظرات ذات شرر، قبل أن يوليها ظهره متجهاً نحو الباب الخارجي. وبنفس الجلباب الذي صلى به صلاة العشاء، والذي لم يكن يحتوي محفظته الجلدية كالعادة، هبط عوض السيد الدرج والتقط مفاتيح الأكسنت قبل أن يصفق الباب الحديدي خلفه.

في الأكسنت سمع قلبه يصطخب ويضطرم، فكبح لهاثه المضطرد وأدار المحرك. نظر في ساعة يده فوجدها تشير إلى العاشرة فشعر بالضجر يحيط به. تلمس جيوب جلبابه فوجد النظارة، ووجد الوريقات النقدية المخصصة للصدقات العابرة اليومية، ولم يجد المحفظة التي كان متأكداً انه لن يجدها. زجر أي فكرة تحثه نحو العودة إلى الداخل مجدداً. شد الطاقية على يأفوخه... وانطلق.
مبتعداً من حي الرياض تكتكت التروس في صدغيه وهو يتأمل العالم خارج زجاج الأكسنت فشعر بغلواء الغضب تخبو. تنبه إلى أن الشارع التجاري قرب البيت ليس هو هو ليلاً مثله نهاراً. رآه شارعاً مختلفاً يعج بالسابلة والألوان والأدخنة.
كان قد اعتاد - منذ زمن بعيد – على النوم مبكراً بعد صلاة العشاء بقليل. بدأ تلك العادة الحميدة منذ أن ترك لعب الورق في النادي مع عبد الصمد وقرشي وصلاح ونعيم.
استعاد تلك اللحظة التي قال لهم فيها بكل جدية:
حتام نسهر في اللعب ونغفل عن الرب؟! يا سادة: القبور هي الآن أقرب من فتحة الكونكان. في أي لحظة قد يشهق أحدنا فلا يزفر ثانية، وهذه الحياة الباطلة ستباغتنا في أي لحظة بقول: كش ملك.
ليلتها تضايق الأصحاب من سجعه السخيف والمؤلم. من نبرة صوته كانوا قد تبينوا مدى جديته، ومن ذلك الحين صارت رسائل المجاملة الأعيادية هي كل ما تبقى بينهم.
وهو في الأكسنت كان لا وعيه يمدّه بالذكرى الماضية، وكان هو يعي تفاصيل حياته المعتادة ولكن من زاوية جديدة. تنبّه إلى رتابة حياته الآنية؛ حيث لا تتعدّى مجالسة فردوس، ومشاوير شراء الخبز والصحف، وإجازات ناجي والأحفاد السنوية، وزيارات رنا والزهرات الأسبوعية.
ذكّر نفسه أنه اقترب من الله أكثر بطريقة ما، إلا أنه صار من ناحية أخرى أشبه بالإنسان الآلي. بمعنى أدق لم يعد ينتظر شيئاً سوى ضمة القبر. وفي هذه اللحظة شعر بالضيق يتضخم من جديد ليجثم على أنفاسه، فقرر على الفور أن يخفت من صوت لا وعيه، وبدأ مباشرة في التركيز على العالم خارج زجاج الأكسنت. رأى فتيات شابات يتضاحكن ببهجة مع فتية واقفين أمام بوابة أحد المطاعم التركية التي رآها اجتاحت الشارع دون أن ينتبه بتاتا لأمرها. تمتم في صمت أن مثل هذه الوقفات كان من المستحيل أن تحدث في زمنه. أكد الأمر لنفسه قائلا:
السينما في حد ذاتها هي أطيش مغامرة يمكن الحصول عليها.
كان صلاح هو الرفيق الدائم في رحلات السينما الليلية، لذا عنّ له أن يمضي نحو منزله، ويقضيا ليلتهما في السمر عن أفلام ذلك الزمن الجميل. توجه بالأكسنت نحو حي الصحافة قاصداً النادي هناك؛ حيث سيكون صلاح بالتأكيد. وصل إلى النادي بسهولة... أو كما كان يظن، لكنه لم يجد النادي. وجد جدران النادي نفسها لكن بزيادة في عددها وبمدخنة وبلافتة ضخمة تعلن أن المكان هو لمخبز. حين دقق النظر أكثر تبدّت له ببطء هيئة العجانين والمعجنة والفرن.
أغمض عينيه ليصفي ذهنه، فتأكد أن ذاكرته لا تذكر مكان بيت صلاح. صار ذهنه ورقة بيضاء، فكر أن يسأل أحداً ما عن النادي/المخبز، أو عن بيت صلاح، لكن الأمر كله بدا سخيفاً.
بعد وهلة، استجمع شتاته مقرراً أن يتوجه نحو عبد الصمد في أم درمان وليذهبا معاً إلى صلاح. حين عبر سوق الخرطوم 2 استعاد من جديد وعيه بأنه لا يحمل محفظته معه، وبأن أي عسكري مرور يستطيع أن يوقفه، وبأنه قد يتعرض لأي حادث ويفقد الوعي ولا يتعرف إليه أحد، وبأنه قد يحتاج إلى نقود كافية لأي شأن ما. زفر بصوت عالٍ:
الوقود؟
ألقى نظرة خاطفة نحو مؤشر خزان الوقود فاطمأن وتنهد. ثم حمد الله أن الوقد متأخر لتواجد عساكر المرور، وأن البلد خال من حالات الطوارئ وحظر التجول ونقاط التفتيش. كان واثقا من أن عبد الصمد يسكن في حي الملازمين بأم درمان، وكان يتذكر جيداً وصف المسكن، لكن ما أن عبر عوض السيد الجسر الرابط بين الخرطوم وأم درمان حتى انتبه إلى أن الوقت قد تأخر جداً. التفت إلى ساعة يده فوجدها تشير إلى دقائق قبل منتصف الليل.
أوقف الأكسنت قرب مستشفى السلاح الطبي وأخذ يقهقه متدرجاً نحو ضحك هستيري كامل. فأفأ بالكلمات التالية:
الساعة الثانية عشرة! عبد الصمد يكون قد تغطى وانخمد قبل العاشرة .. يا لغبائي.
دار بالأكسنت متوجهاً نحو شارع النيل. مر قرب مبنى البرلمان فهاجت في قلبه الهائجات، داس على الأكسنت لتبعده أسرع. فكر أنه سينزل ويتمشى، وبالمال القليل في جلبابه سيشتري بذور البطيخ يقزقز بها. انشرح باله عندما رأى الرصيف المطل على النيل خالياً.
أوقف السيارة. هم ّ أن ينزل منها، لولا أن رأى النعل الأسفنجي على قدميه. كان ذلك هو ما ينتعله لكل خروج نحو المسجد. شعر بالحرج ممزوجاً بالاستياء. استحى: أن يمشي موظف متقاعد مرموق مثله في منتصف الليل ووسط شارع النيل بنعلين من الأسفنج، وجلباب متواضع. قال في نفسه:
دعك من بقية الناس؛ ماذا سيقول نعيم وقرشي فاحشي اللسان إذا عرفا بالأمر! سيمسحان بك الأرض. لن يرسلا رسائل. سيقدمان لملاقاتي ونوشي بالسياط اللاذعة.
وهنا تذكر فردوس.
تذكر قصة علاقتهما؛ خاصة ما يتعلق بأنهما لم يرق أحدهما للآخر منذ البداية. كان زواجا تقليدياً ليس فيه أي أمر مثير. أهله قالوا أن أهلها طيبون، والطيبات للطيبين، و حُسم الأمر. تذكر أنه تعرف إليها في شهر العسل كأنها رفيق سفر مفروض عليه. حاول أن يعرفها على أصدقائه، ما دامت ليس لها صديقات كثيرات. كما أنه فضل ألا يتعرف إلى صديقاتها قفلا لباب احتمالات الغيرة النسائية. لكنها لم تنِ تحذِّره من نعيم وقرشي رغم أنها لا تعرف الكثير عنها. في البدء أغضبه الأمر، لكنه كان قد تلقى كثيراً من الوصايا عن التغافل والصبر على النساء، كما أنه صبّر نفسه بأن صديقيه لن يعرفا أبداً بقرون استشعار زوجته المشرعة نحوهما، ولأن الرجال لا يرونها أبداً. ثم أمّن على استنتاجاته بأنّ من في العالم كله على الاطلاق يستطيع التكهن بتصرف النساء.
من سيبيع بذور بطيخ في هذا الوقت من الليل؟ لا بد أنني قد جُننت.
تثائب قائلاً لنفسه وهو يتأكد من نوافذ السيارة محكمة الإغلاق. كان برد آخر الليل يتسلل إلى جلبابه الخفيف.
في الدنيا أشياء لا يملك الانسان أن يفعل حيالها أي شيء. مثلاً: ما الذي يدفع شاباً مثل نادر إلى الهجرة إلى كندا؟ لم أنجح في منعه. قال لي إن البلد تخنقه، وإنه ليس مثل ناجي، وإنه لا يريد أن يتزوج مبكراً. قال لي إن المسألة لا تتعلق بالنقود؛ فهو يعرف أنني لن أدعه يعوز شيئاً. قال إنه يختنق وحسب، وإنه يودّ لو يتنفس هواء نظيفاً. لم يكن في يدي حيلة.
هل كان بيدي حيلة! من كان يستطيع أن يمنعه؟ من يستطيع أن يمنع أي أحد اليوم! حتى البنات لا يملك الآباء من أمرهن شيئاً. زوج رنا لا يريد الاغتراب، لكن ماذا لو اختنق مثل نادر! ماذا لو اضطرت شركة ناجي لنقله إلى المقر الرئيس في دبي! إذا حدث ذلك فطبعاً لن يترك ناجي وزوجته أياً من الأحفاد لنا أنا وفردوس. إذن ما الذي سيحدث؟ هل سنعيش وقتها وبعد كل هذا الأمر وكأننا عجوزان عقيمان يشيخان في صمت. هذا يعني أننا سنتعفّن بالأمراض فيما تسلقنا الشيخوخة على موقد خافت.
كو كو كو
انتبه على صوت طرق على جسم سيارته، وعلى البخار المتكثف على زجاج نافذته الصادر من حصان سواري الليل. فرك عينيه بشدة منخلعاً وأنزل زجاج النافذة ليسمع الشرطي من فوق الحصان ينهره:
ممنوع النوم هنا يا مواطن. يا ويلك لو كنت سكران!
لا. لا. أعوذ بالله. العفو.
اعتذر عوض للشرطي معللاً بأنها مجرد غفوة غير مقصودة. أدار محرك السيارة وانطلق. بعد برهة نظر إلى الساعة فهاله الزمن الذي استغرقته غفوته. عبر الجسر نحو الخرطوم. عاد يحمد الله أن البلد ليس بها طوارئ، وأن سواري الليل رحموه من الجرجرة بين أقسام الشرطة. انتابه هلع حين خُيّل إليه حال فردوس وأولاده لو عرفوا أنه مرمي في قسم شرطة في مثل هذه الساعة.
مر بمحاذاة الفندق الكبير، ففارت في وجهه دون أي مقدمات ذكريات شهر العسل مع فردوس. كان قد مضى زمن طويل على الأمر. كان الفندق قد تغير اسمه الآن، إلا أنه ظل محتفظاً بنفس السمت الأصلي.
حين مر قرب مستشفى العيون انزلقت ذاكرته بنعومة إلى ذكرى عملية الصغير ناجي ذي العشرة أعوام ملتهب العينين. استرجع في حلقه طعم الذعر الذي ركبه قبل إجراء الجراحة.
فكر فيما لو كتب مقالاً يوماً ما يسرد فيه بعضاً من براعة أطباء العيون في ذلك الزمان. استعذب الفكرة إلا أنه سرعان ما انشغل بملاحظة شارع النيل الذي لا ينام. كان هناك رواد للشارع يسهرون ويفعلون شيئاً ما. ما لبث وتخيل فردوس بلسانها ابن الكلب يهزأ بأولئك السهارى ناعتة إياهم بقلة القيمة، وفراغ الأمخاخ، والانسخاط بلعنة الله.
بدأ يضحك دون قهقهة، فعقّب:
حين تريد تصير ألأم من ذئبة.
من بعيد تناهى إلى مسمعه صوت الأذان الأول منبثا من أحد أحياء ناصر. تخيّر مسجدا مفتوحاً و مضاء ليوقف الأكسنت قربه. أخذ يصلي حتى الأذان الثاني، بعد ذلك اكتفى بالتسبيح والتأمّل في المصلين الناعسين. لاحظ قليلا من الشيوخ يتشاكسون على الكراسي المرصوصة في الصف الأول تماماً مثل ما يفعل هو مع جيرانه في مسجدهم. فكّر في أن الأشكال هي الأشكال والشيب هو الشيب، وأفعال النعاس هي ذاتها.
حين سلّم، لم يستعجل الخروج. جلس يحمد الله على السكينة التي بدأت تظلّه. خارجاً من المسجد وجد قرب الباب مسكينة تمد يدها فنفحها بكل ما كان في جيبه.
لما اقترب لاحظ أن المصابيح الخارجية لا زالت مضاءة، لكن لم يكن هناك لا سيارة ناجي و لا سيارة زوج رنا. أوقف الأكسنت على مسافة قصيرة من الباب الخارجي، لكن بزاوية تخفيها من مرصد شبح فردوس القابع خلف ستائر نافذة غرفة النوم.
أطفأ المحرك. تسلل نحو الباب الخارجي. فتحه ببطء شديد. وضع مفتاح الأكسنت على المنضدة قرب الباب بكل سكون، ثم تنفّس لبرهة وهو يستعد لصعود الدرج.
* كاتب سوداني