النظام الرأسمالي لم يترك أمراً لم يسلعنه، ابتداءً من الحجر وانتهاء بالبشر. لكن في مرحلة العولمة النيوليبرالية، صار يبحث عن «بضائع» جديدة فامتد سلطانه ليسلعن أعضاء البشر، بالقطاعي هذه المرة. المقصود هنا المتاجرة بالأعضاء البشرية، فعلياً ومجازياً. وهذا المؤلف هو الأول الذي يتناول هذه المسألة بالبحث المفصل، والكاتبة، البرفسورة فيروزة نهوندي عالمة اجتماع، وتناولت الموضوع من منظورها الأكاديمي.

يحوي المؤلف ثمانية فصول، بما فيها المقدمة والملاحظات الختامية. الفصل الأول مخصص لتوضيح منظور الكاتبة وشرح الخطوط العريضة لأهداف المؤلَّف. توضح أن أعضاء جسم الإنسان في هذا العالم الذي سلعن كل شيء، تحولت أيضاً إلى سلعة، ودخلت، بهذه الصفة، التجارة العالمية. والكاتبة إذ تعالج هذه المسألة فإنها تهدف إلى توضيح نمط جديد من مصادرة ثروات الفقراء، أياً كان مقر إقامتهم على نحو عام، وفي الدول الفقيرة على نحو خاص، لصالح الأغنياء.
هذا المدخل ينقلنا إلى مختلف مواد المؤلف مثل التجارة بالشعر الطبيعي، والحمل البديل (sorrogacy) أي سلعنة رحِم المرأة، إضافة إلى التجارة بالكِلى، وأخيراً وليس آخر هجرة العقول، والمقصود هنا «الاستيلاء» على العقول الأكاديمية والعمالة الماهرة.
توضح الكاتبة أنه رغم أن ليس كل هذه الأصناف من التجارة بالأعضاء تقود حتماً إلى جراحة تنقل عضواً من جسم إلى آخر، لكنها تتشارك في صفة موحدة هي انتقالها، فعلياً ومجازياً، من أجساد فقراء ومجتمعات في الدول الفقيرة إلى أجساد الأغنياء، وإلى الدول الغنية.
وإذا كانت هناك آثار جسدية ضارة تلحق بالبشر جراء الإتجار ببعض الأعضاء، فثمة إتجار بأعضاء يخلّف آثاراً نفسية سلبية للغاية في «المتبرع» المضطر أو المضطرة لتقديمه مقابل مبلغ زهيد كما سنرى، والمقصود هنا التجارة بالشَّعر. لكن الإتجار بالكلى والحمل البديل يتركان آثاراً صحية ضارة في كثير من الأحيان، وقد يقود ذلك إلى موت البائع! أما هجرة العقول، فتتم عبر إثارة اهتمام المهاجرين والمهاجرات من الدول الفقيرة بحياة ومردود ماديين أفضل، وربما روحي أفضل، للمهاجر وللدولة المستقبلة للمهاجرين (دول الشمال)، لكنها ضارة بالدول الفقيرة (دول الجنوب) التي تفقد عقول أبناء يُفترض أن يسهموا في بناء دولهم وأوطانهم. ومن هذا المنظور، وجب إدخال هذا النمط من سلعنة أعضاء الجسد في نظرية التطور العامة، دوماً وفق الكاتبة، وتُذكِّر بأن عوامل أخرى تم تجاهلها في الماضي، ومن ذلك تجارة الرقيق التي أغلق الباب عليها وألقي بها في متاهات النسيان.

تجارة بالشعر وتأجير الرحم واستئصال الكلى، وهجرة العقول

عود على بدء، تشير الكاتبة إلى مجموعة من الحقائق المرتبطة بمسائل التطور خصوصاً في الدول النامية ومن ذلك مسألة القضاء وعدم عدالة توزيع الثروة في العالم، إذ يملك 1% من السكان نصف ثروات العالم، و70% من البشر يعيشون في دول تعاني ازدياداً مطرداً في تباين الدخل بين الأفراد. ومن هنا تقول الكاتبة إن أحد أهداف المؤلف الإضاءة على أبعاد جديدة تسهم في ازدياد الفجوة بين الأقلية المالكة والأكثرية المعدمة. ترى الكاتبة أنه يمكن للعولمة المساهمة في خلق عالم أفضل، وهي ساعدت فعلاً في فتح آفاق تطور مهمة لبعضهم، لكنها في الوقت نفسه أوضحت أنها ليست حصينة، فهي قادت إلى مضاعفة عدم المساواة وازدياد الهوة بين الدول الغنية وبقية العالم.
تشير الكاتبة أيضاً إلى نمو فرع من التجارة بأعضاء جسد الإنسان ومنها ما يعرف بالسياحة الطبية وسياحة استبدال الأعضاء Transplant Tourism، مما يعني فقدان العالم النامي لبعض مصادر ثروته. ومن هذا المنظور، فإن التجارة بالأعضاء البشرية وجب عدها أحد أنماط الاستعمار الجديد (neo-colonialism)، بل أكل لحوم البشر الجديد (neo-cannibalism).
قسمت الكاتبة فصول المؤلف الثمانية إلى ثلاثة أجزاء. الأول خصصته لتعريف ما تعنيه بسلعة أعضاء الجسد البشري مع تقديم عرض للمؤلفات ذات العلاقة. وخصصت القسم الثاني لاستعراض أربعة أنماط أو أشكال من سلعنة الأعضاء الجسدية، وهي التجارة بالشعر وتأجير الرحم واستئصال الكلى، وأخيراً هجرة العقول. أما القسم الثالث والأخير فيتضمن عرضاً للحقائق التي أوردتها الكاتبة في الفصول السابقة.
تثري الكاتبة مؤلفها ببعض الجداول والإحصاءات والتقديرات المنشورة عن الإتجار بالأعضاء البشرية على النحو الآتي. في الفصل الثالث المخصص لتحليل التجارة بالشعر الطبيعي، تورد بعض الإحصاءات عن المردود المادي المرتبط بها. ابتدعت الرأسمالية الخصلات الإضافية (extension) التي يصل سعرها إلى 4000 دولار أميركي. وذكرت بما يحصل في بعض دول العالم الفقير ومن كمودجا تحديداً حيث تضطر المرأة إلى بيع شعرها مقابل 8 دولارات لابتياع أرز لها ولعائلتها! أما سعر الشعر في الهند، فلا يتجاوز 10 دولارات للمرأة. ويبلغ دخل الإتجار بالشعر في الهند 300 مليون دولار سنوياً. والسعر في فييتنام يراوح بين 45 دولاراً و250 دولاراً للكيلوغرام!
أما تجارة الحمل البديل، وهي موضع الفصل الرابع، فتبلغ، في الهند، على سبيل المثال، اكثر من 2 مليار دولار سنوياً. وقد توسعت السوق أخيراً لتضم تايلندا والمكسيك وكمبودجا وأوكرانيا. التجارة بالكلى ــ موضوع الفصل الخامس ـــ منتشرة على نحو واسع في العديد من الدول الفقيرة، وقد ضم إليها أخيراً المهاجرون السوريون في لبنان، الذين أخذوا مكان فلسطينيي تلك الدولة، الذين يبيعون كلاهم في تلك البلاد، ويلامون ويحاربون لأنهم ساهموا بذلك في خفض سعر الكلية. لكن الصين تتبوأ مكانة متقدمة حيث تتوافر دعايات في الصحافة والإنترنت لابتياع الكلى كان أحدها «تبرع بكلية واحصل على آيباد»!
أما المرضى الذين ليس بإمكانهم الانتظار ولديهم مبلغ ربع مليون دولار، فبإمكانهم ابتياع كلى على نحو فوري، والزبائن يأتون على نحو عام من الولايات المتحدة وكندا وأستراليا واليابان وعُمان والمملكة السعودية، وكيان العدو الصهيوني، وهي الدول التي تعرف بأنها دول استيراد الأعضاء البشرية (organ-importing countries). أما الدول «المصدّرة»، فهي الصين والهند والباكستان والفيليبين. مؤلف مهم عن علاقة التجارة بأعضاء الجسد من منظور التطور ونظرياته.