مع أن هذا المؤلف صدر قبل نحو ثلاثة أعوام، إلا أنّ قرار عرضه جاء بسبب مادته التي لم يسبق أن تعامل معها أي كاتب آخر. أمر غريب أن لا تكترث الجامعات الأميركية العريقة، مثل «بل» و «هارفارد» و«برنستن» ببحث تاريخها، وأنَّ لا أحد سأل من قبل عن مصادر ثروة تلك المؤسسات الأكاديمية. جامعة «براون» أصدرت تقريراً عام 2006 عن تاريخها الأقدم وعلاقتها بالتمييز العنصري وبتجارة «العبيد» من البشر سود البشرة، ما أثار لغطاً وموجات من النقاشات عبر الولايات المتحدة وأجبر القابعين في أبراجهم العاجية على النزول إلى أرض الواقع. وهذا ما يذكرنا بتصريح صدر أخيراً باسم سيدة البيت الأبيض الأولى قالت فيه إنّ بشراً عبيداً أفروأميركيين من ذوي البشرة السوداء هم بناة البيت الأبيض. بدا ذلك التصريح، الذي صدر قبل أيام، غريباً، لكن عندما يثبت المؤرخ د كريغ ستيفن وايلدر أنّ صروح الأكاديميا في الولايات المتحدة، التي كثيراً ما قيل فيها من مديح وأنها تأسست كمراكز للفكر الليبرالي المنفتح والمعادي للعبودية والتفرقة العنصرية، فإنّ كلام السيدة ميشيل أوباما صحيح. بل إننا نعرف من مؤلفات أخرى، صدرت حديثاً، أنّ عبيداً من الأفروأميركيين أجبروا على العمل داخل مقر الرئاسة الأميركية. بحث الكاتب في مكتبات الجامعات ومحفوظاتها ليجد مواد لا نهاية لها عن الجذور العنصرية والعبودية لمجموعة من الجامعات. إضافة إلى الجامعات التي سبق ذكرها أعلاه، هناك جامعة «رتغرز» و«وليمز كلدج»، و«إمُري»، و«مرِلاند»، و«نورث كَرُلاينا»، و«كلمبيا» التي تخرج الكاتب فيها، وغيرها من المؤسسات التي تعد من أفضل جامعات العالم من المنظور الأكاديمي.
اعتذرت جامعة «ألباما» رسمياً بسبب دورها في تجارة «العبيد»

الكاتب، وهو أفروأميركي، شدد على أنه واجه صعوبات في العثور على المواد ذات العلاقة التي تفضح ذلك التاريخ المسكوت عنه، لأنها لم تكن مؤرشفة وفق المادة، مما صعب على القائمين عليه مساعدته في العثور عليها بسهولة. هذا عنى تأخر استكماله البحث الذي بدأه عام 2001. المؤلَّف يعرض أهداف الآباء المؤسسين لتلك الجامعات، حيث نجد في مبانيها دموع البشر العبيد الأفروأميركيين و«الملونين»، ودماءهم، مخفية بين حجارة مبانيها. أهدافهم لم تكن دعم البحث الأكاديمي وحرية الفكر وإنما دعم نشر المسيحية، الإنجيلية طبعاً، و«تحضير» شعوب القارة الأميركية الشمالية من أهل البلاد وأصحاب الأرض الأصليين «المتوحشين». بل إن الكاتب يثبت أن الجامعات المذكورة في المؤلف أسهمت مساهمة أساسية في «الفتوح» الأوروبية هنا وإبادة أهل البلاد الأصليين. أما عن ثروة تلك الجامعات والصروح العلمية فمصدره، دوماً وفق الكاتب، تجارة العبيد الذين ساهموا بدورهم في بناء مباني أراضي الجامعات ومروجها. أما معاشات الأساتذة الذين عملوا في تلك الجامعات ومكافآتهم، فقد كانت تجارة العبيد مصدرها. والطاقم التعليمي المستفيد من تجارة العبيد استفادة مباشرة دعمَ السياسات العنصرية وتجارة العبيد بلا أي تحفظ. بل أن المؤلف أثبت أن أعمدة الحضارة الأميركية المعاصرة القائمة على العنصرية كانت الجامعات، إلى جانب الكنيسة وأجهزة الدولة. فالعنصرية والعبودية كانت متجذرة في كل المؤسسات الأكاديمية، حتى بعد تأسيس الولايات المتحدة الأميركية. بل إن المؤسسات الأكاديمية الأميركية ساهمت في ما سمي «العِلم العنصري» Race Science وكيفية حصولها على الهبات من تجار العبيد.
الكاتب، وهو أستاذ تاريخ في «معهد مَسَتْشُسِتس للتكنولوجيا»، قال إنه عندما بدأ بحثه، كان متحفظاً بعض الشيء. صرّح للعاملين في المكاتبات والمسؤولين عن المحفوظات بأنه يبحث عن مواد مرتبطة بالأوضاع الأكاديمية في البلاد في القرن الثامن عشر. لكنه لقي مساعدة أكبر عندما صرح بموضوع بحثه بكلمات واضحة، إذ اكتشف مساهمة مصارف وشركات تأمين في دعم تلك المؤسسات الأكاديمية العنصرية.
لكن عندما صدر تقرير جامعة «ييل» عام 2010 عن علاقتها بالعبودية، رفضته رئاسة الجامعة وعدّته منحازاً. وعندما صدر عن جامعة «هارفارد» بحث مماثل في تفاصيله، رفضت الجامعة تبنيه ودفع تكاليفه. أما جامعة «ألباما»، فقدمت اعتذاراً رسمياً عام 2004 بسبب إسهامها في السياسات العنصرية ودورها في تجارة العبيد. جامعة «برنستن» اكتشفت أن رؤسائها الأولين كانوا من مالكي «العبيد»!.