يقال إن السجن مكان لإعادة تأهيل نزلائه، أو لمنعهم من إلحاق الضرر بالبشر والممتلكات، أو لمعاقبتهم على ما ارتكبوه من مخالفات بحق القانون العام والخاص. هذا هو المفترض، مع أن الإحصاءات تقول إن ما يزيد عن ثلثي نزلاء السجون في العالم هم من أصحاب السوابق. أما الحبس الانفرادي داخل السجون، فقد استحضر بداية من أجل منح النزيل أو المدان فرصة لتأمل ما ارتكبه من مخالفات قانونية، بما يساعده في التوبة وسوق حياة مستقيمة بعد انقضاء فترة الحكم. هذا كله افتراض، لكن الحقائق غير ذلك تماماً كما سنرى في كتاب «الجحيم مكان متناهي الصغر - أصوات من الحبس الانفرادي» الذي حرّره جين كسيلّا، وجيمس ردجواي وسارة شراود.

قبل الانتقال إلى أصوات الذين عانوا من الحبس الانفرادي لمدد متباينة، وجب التنويه إلى أن إحدى محرري المؤلف سارة شراود، عانت نفسها الحبس الانفرادي في إيران بين عامي 2009 و2010 دام 410 أيام، وكانت قبل ذلك مقيمة في سوريا لتعليم التلاميذ العراقيين عقب الغزو الأميركي واحتلاله. صوت سارة شراود مهم لأنها عانت جنوناً مؤقتاً قبل أن تستعيد حياتها الطبيعية، ما أمكن. وعندما عادت إلى بلادها، اكتشفت أنّ السجن الانفرادي يمارس هناك على نحو روتيني حيث يصل عدد المحبوسين انفرادياً في أي وقت إلى نحو مئة ألف من البشر، فقررت ترك عملها وأوقفت نشاطاتها وحياتها لمحاربة السجن الانفرادي في بلادها وسجلت معاناتها في «سجن إيفين» الإيراني بكلمات خالية من رغبة الانتقام.
تصوري سيدتي القارئة سيدي القارئ أنك مسجون في غرفة صغيرة، لا تتجاوز مساحتها أربعة أمتار. لا ترى أي بشري، فتبدأ في الظن أنك وحدك في هذا العالم الصغير، أو في هذا (الصندوق)، كما تُعرف الزنزانة الانفرادية لدى المساجين. ثلاث مرات في اليوم يلقى إليك بصحن طعام من فتحة الباب، وقد تكون محظوظاً إن رأيت يد السجان، وحظك أكبر إن تبادل معك بضع مفردات. لكن في السجون الحديثة، فإن كل شيء يتم آلياً، فلا تتواصل مع أي كان. حتى إن سُمح لك بالخروج من الزنزانة للتجوال لمدة ساعة، مرة كل بضعة أسابيع، فإنه يتم آلياً، ما قاد إلى ولادة صناعة جديدة هي السجون ذات الحراسة المشددة.

ولدت
هذه العقوبة مع ولادة
الدولة
الأميركية

بداية، عندما يلقى بك في الزنزانة، تبدأ في الصراخ وكيل السباب والشتائم للسجان ولكل من تعرف أنه سبب لك هذا المصير. قد تمر أيام من دون أن تتوقف عن الصراخ في زنزانة العزل، ورده عليك بالبذاءات ذاتها. ثم تصاب بالإرهاق والتعب، فتتوقف، لكي تعود مجدداً. تمر أيام على هذا الحال إلى أن تنهك قواك فتغرق في نوم عميق يريح جسدك وروحك. وعندما تستيقظ، تعود الدورة مجدداً. تكون قد توقفت عن الصراخ، لكنه يلاحقك في كل دقيقة. تحاول تجاهله عند سماع صوت فرشاة الأسنان وهي تنظف أسنانك، أو عندما تتناول أدويتك. تحاول إبعاد الصراخ بالقراءة.
في السجن الانفرادي، كما تقول المحررة، تكون محاطاً بمحيط رمادي يحاصرك من كل الجهات، يهدد وجودك وعقلك وكيانك وإنسانيتك. في السجن الانفرادي تتفوق أعداد المنتحرين عن أي مكان آخر. بعضهم يصاب بالجنون، بالمعنى الحرفي، فيجلدون أنفسهم إلى أن تدمى جلودهم، وآخرون يقطعون أعضاءهم التناسلية، وآخرون يلتهمون برازهم، وفقط «المحظوظون» منهم هم من يتمكنون من الانتحار. لكن البعض الآخر يتكيف أو يتأقلم مع السجن الانفرادي، وهو، برأي العلماء، دليل على فاعلية السجن الانفرادي. فأنت تستيقظ كل يوم لتدرك أنك منسيّ من كل معارفك، أو هكذا تتصور. إنه الموت الاجتماعي لأنك معزول عن العالم ومن غير المسموح لك التواصل مع أي كان، سوى سجانك، إن كنت محظوظاً.
أحد المشاركين في كتابة هذا المؤلف، الذي يجمع شهادات 26 سجيناً سابقاً، هو محام أرجنتيني اختطفته أجهزة «الخونتا» وألقت به في السجن حيث تعرض للتعذيب. عندما سقط النظام العسكري واستعاد حريته، عينته الأمم المتحدة مسؤولاً عن مسائل محاربة التعذيب. حاول زيارة السجون الأميركية وتعرف إلى ظروف الحبس الانفرادي، فمنعته السلطات لأن قادة تلك البلاد يعرفون قول دوستويفسكي «إن مقياس حضارة أمة من الأمم هو كيفية معاملتها سجنائها»، وسِجِل واشنطن في هذا معروف، يمتد من «أبي غريب» إلى «غوانتنامو». والسجن الانفرادي في الولايات المتحدة عادة ما يرفق به اعتداءات جسدية مثل الضرب والاغتصاب، إضافة إلى منع العلاج عن المساجين المرضى حتى الموت، وتزويدهم بطعام عفن لا يصلح للأكل.
انطلاقاً من هذا المنظور، أعلنت الأمم المتحدة أن ممارسة السجن الانفرادي لفترة تتجاوز الخمسة عشر يوماً يرتقي إلى مستوى التعذيب، لذا وجب منع ذلك قانوناً، لكن ليس ثمة من مستجيب في واشنطن.
يذكّر المؤلفون الثلاثة القراء بأن عقوبة الحبس الانفرادي هي اختراع أميركي بامتياز، ولد مع ولادة الدولة الأميركية قبل ما يزيد عن مئتي عام. في عام 1790 تم توسيع سجن «والنت ستريت» ليضم أيضاً زنازين عزل بعدما ازدادت الجرائم في محيطه. الهدف كان منح السجين فرصة للتأمل ومن ثم التوبة (penitent)، التي اشتق منها اسم المجمع الإضافة، أي «مركز الندم» (Penitentiary House). الحبس الانفرادي ابتدعته مجموعة من طائفة الكويكرز بهدف التخلي عن المعاملة العلنية الخشنة لبعض السجناء مثل الجلد. لكن المؤرخ الفرنسي الشهير ألكسي دو توكفيل، سجل عام 1821 أن الحبس الانفرادي لا يقوّم البشر بل يكسرهم ويقتلهم، بينما يصاب البعض بالجنون.
مع مرور الزمن، تحوّل الحبس الانفرادي إلى عقاب، ولنتذكر في هذا المقام قضية المجندة الأميركية تشيلسي مننغ، التي اندلعت أخيراً بسبب تسريبها وثائق إلى «ويكيليكس» وحكم عليها بالسجن ثلاثين عاماً، حيث يتهددها الحبس الانفرادي طوال فترة محكوميتها لأنها أدلت بتصريح صحافي لمنظمة العفو الدولية، ما جعلها تقول: أي حكومة قادرة على قتل أي شخص من دون صدور حكم.
المؤلف يحوي أصوات من عانوا السجن الانفرادي، وتم تقسيمهم إلى مجموعات: الصامدة، والمقاوِمة، والناجية. وتختتم الكتاب ملاحظات عن السجن الانفرادي تضم: التأثيرات النفسية للسجن الانفرادي، إضافة إلى كلمة أخيرة للمحامي الأرجنتيني سالف الذكر عن معاناته التعذيب في سجون «الخونتا» الأرجنتينية.