نجد أنفسنا أمام ظاهرة جديدة نوعاً ما، هي ما يعرف بصفة الإرهاب، وهو عمل مقصود به إلحاق الضرر بفرد أو بمجموعة من البشر، أياً كانت أعمارهم وانتماءاتهم، وما إلى ذلك، وعادة لا تكون لهم علاقة بالشخص المقصود، بغية توصيل رسالة ما. لكن ثمة مقولة، قد تكون صادمة للبعض، تقول: عندما تخفق كافة التحليلات الاجتماعية، الطبقية وغير الطبقية، لشرح ظاهرة ما وفهمها، لا يبقى أمام المرء سوى اللجوء إلى التحليل النفسي والاستعانة به.

المؤرخان دييغو غامبيتّا وستِفن هِرتوغ يعيدان الأعمال الإرهابية إلى نحو قرنين من الزمن، مع أنّ ثمة مؤلفات تدعي أنّ الإرهاب قائم منذ العصر الإغريقي. لكن إذا عدنا إلى العصور الحديثة، فإن اغتيال الأمير النمساوي فرديناند وزوجته، في صربيا، يعد عملاً إرهابيًا، من منظور أصحاب التعريف، مع أن الضحية فقط كان المقصود بذلك. ولا ندري لماذا لا تعد محاولة اغتيال الزعيم الألماني القومي-الإشتراكي أدولف هتلر عملية إرهابية مع أنها ألحقت أضرار بمجموعة من البشر الذين كانوا متواجدين هناك، لا علاقة لهم بالقائد الألماني، ولماذا تعد العمليات الانتحارية في فلسطين المحتلة عملاً إرهابيًا.

مجموعة كبيرة من الإحصاءات التي تحلّل انتماء أفراد هذه الجماعات

لكن المثل الأكثر حضوراً هو هجوم الحادي عشر من أيلول على برجي التجارة العالمية. الكاتبان، وهما أستاذ النظرية الاجتماعية وأستاذ مساعد في السياسات المقارنة على التوالي، يقولان في هذا المؤلَّف الإشكالي: إن نتيجة أي عمل إرهابي تعتمد على ردّ فعل «الضحية» المقصودة، وليس عليه. على سبيل المثال، إن اغتيال الأمير النمسوي فيرديناند، قاد إلى الحرب العالمية الأولى، وهو لم يكن هدف القاتل، والهجوم على مركزي التجارة العالمية في نيويورك، قاد إلى غزو العراق وأفغانستان، ونتائجه الكارثية على الولايات المتحدة!
استخدم الكاتبان في المؤلف مصطلح «الجهاديين»، إذ يريان أنّ توظيف صفة إرهابي هي نعت هدفه الانتقاص من العدو وأن لا قضية له، وأنهما تعاملا مع مجموعة من الحركات الإسلامية في مختلف البلاد الإسلامية، التي تسلك العنف طريقاً لتحقيق مكاسب، وتلك التي ترفض العنف. إضافة إلى ذلك، فقد وضع العمل مختلف الحركات العنفية، اليمينية واليسارية، من «الفارك» في كولومبيا إلى «الجيش الأحمر» في ألمانيا (الغربية) ضمن التحليل، وتحت المجهر، ما يسوِّغ نبذه لمصطلح إرهابي. يتعامل المؤلَّف على نحو أساسي مع ملامح الحركات الإسلامية في مختلف بقاع العالم، ومع مستوى تعليم «الجهاديين» وطبيعته. ومن هذا المنظور، قسم العامل التعليمي إلى ثلاث مجموعات رئيسية هي: أفراد متحاربون (militant) ولدوا في دول إسلامية وينشطون فيها، ومسلمون متحاربون ولدوا في دول غربية وتربوا فيها، وأفراد غير عنيفين في مختلف الدول الإسلامية. ويضيف إلى هذه المجموعات متطرفين إيرانيين قبل الانتفاضة الشعبية الناجحة ضد الشاه وحكمه، ومتطرفين إسلاميين تخلوا عن أعمال العنف. هدف المؤلف الرئيسي هو معرفة الأسباب التي تدفع أفراداً إلى الانخراط في أعمال عنف، وهذا يتعلق بالإسلاميين أساساً، وغير المسلمين من اليمين واليسار. الوصول إلى الهدف مرتبط، في منظور الكاتبين، بالإجابة عن أربعة أسئلة هي: ما الشروط الاجتماعية الاقتصادية التي تشرح أسباب انضمام البشر إلى جماعات متطرفة؟ هل ثمة مجموعة من البشر في وضع عقلي (mind-set) يساعد جاهزيتها للاستسلام لإغواء التطرف؟ ما الذي يساعد مجموعة من الناس على اختيار أفراد يرون أنّ ثمة مؤهلين للانضمام إلى مجموعات متطرفة؟ هل يمارس الفكر أو الأيديولوجيا دوراً في طبيعة أي نوع من الناس سينضمون إلى الحركات المتطرفة؟
هنا لا بد من التنويه إلى أن الكاتبين أثريا المؤلف بمجموعة كبيرة من الجداول والبيانات والإحصاءات التي تحلل انتماء أفراد كل مجموعة، إسلامية كانت أو يمينية أو يسارية، وطبيعة فكرها الأعضاء والأهداف، وأوصلتهما إلى قناعة بأن طلاب الهندسة والمهندسين هم أكثر الأفراد المحتمل انضمامهم إلى الحركات الإسلامية العنفية، مع استثناء واحد هو السعودية، حيث عدد المهندسين في الحركات الإسلامية العنفية هناك قليل. الكاتب يستحضر أمثلة عديدة، ومنها مثلاً الجهاديون ــ والصفة للكاتب ــ الـ845، وفق أرقام مركز توثيق تابع لـ «كينغز كولدج» اللندنية، الذين توجهوا إلى سوريا والعراق عام 2013/2014، امتلك 28 رجلاً منهم شهادة جامعية، من بينهم 8 مهندسين! ومن هنا يأتي عنوان المؤلف.
أخيراً، نذكر المجموعات التي غطاها هذا البحث الأكاديمي وهي: «الجيش الأحمر» (بادر ماينهوف) في ألمانيا الغربية، «الجيش الأحمر» في إيطاليا، «حركة فتح»، «حركة حماس»، الحركات الإيرانية المعادية للشاه مثل «مجاهدي خلق» وغيرها، و«الإخوان المسلمون» في مصر، و«جبهة العمل الإسلامي» في الأردن، و«حزب التحرير» في سوريا، الإسلاميون المنشقون في السعودية، «حزب العدالة والتنمية» في المغرب، «الجماعة الإسلامية» في الهند، حزب «عموم ماليزيا الإسلامي»، النواب المنتمون إلى جماعات إسلامية في البرلمان الكويتي، «الجهاد الإسلامي» في مصر، «الجماعة الإسلامية» في مصر وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، و«الجهاد الإسلامي» الفلسطينية، وجماعات «القاعدة» الموزعة على مجموعة من دول العالم غير الإسلامي، وهي السويد والدانمارك والبوسنة وإيطاليا وهولندا وأميركا والمملكة المتحدة وإسبانيا وفرنسا وكندا وأوستراليا وتنزانيا وكينيا والفيليبين والهند، إضافة إلى مجموعة من الحركات اليمينية واليسارية في الغرب وروسيا.