ما زالت القصة البوليسية تسيل حبراً غزيراً وتثير الكثير من الأسئلة النوعية، رغم كل محاولات تقعيدها وتبيان بنيانها وشكلها وتاريخها وقيمتها الأدبية. والدليل على ذلك ظهور كتب تدرسها كجنس أدبي يتطور باستمرار ويتخذ بنية مفتوحة، ما جعل بنيته غير قارة ولا مقننة. ومن هذه الكتب «القصة البوليسية: تاريخها، قواعدها وتقنياتها» للروائي والناقد والشاعر الإنكليزي جوليان سيمونز (1912-1994). الكتاب انتقل أخيراً إلى لغة الضاد (منشورات «دار الزمن» المغربية) بترجمة الأديب العراقي علي القاسمي.

ركز جوليان سيمونز جهده التأريخي والنظري على القصة البوليسية في بريطانيا، مسلطاً الضوء على المكانة التي احتلتها، وتحتلها، في الأدب الإنكليزي في القرن العشرين. لا تكاد تمرّ سنة من دون أن تظهر في سوق التداول الأدبي (المكتبات، والمعارض..) مئات من القصص البوليسية، وقصص الجريمة عموماً، بحيث وصلت إلى قمة تداولية لم تستطع مبيعات بقية الأنواع الأخرى بلوغها.
أما فئة قراء هذا النوع من السرود، فهو مختلف، وحيِّر في كثير من الأحيان. هذه الفئة تضم رجال الدين، والساسة (إضافة طبعاً إلى الطلبة والأساتذة) عدّوا هذا النوع من الأدب «وسيلة للراحة والتخلص من أعباء الحياة وهمومها». ويتنبأ سيمونز بأدوار أخرى، وفراغات ستملأها القصة البوليسية في المستقبل، إذ سيوليها علماء الاجتماع، والأنثروبولوجيون أيضاً حسب نيكولاس بليك، أهمية بالغة لأنهم سيتوقون إلى معرفة طبيعة إنسان القرن العشرين.
بعد هذا الإطراء، ينتقل مؤلف هذا الكتاب المشوّق إلى البحث عما يفتّش عنه القارئ اللبيب عندما يفتح دفتي كتاب (سرد) وُضع على غلافه تجنيس «رواية بوليسية». يجيب بأن أفق انتظار هذا القارئ يتمحور حول معرفة الموقف الذي جرت فيه الجريمة، لينشدّ بقوة إلى فك غموض ولغز مرتكب الجريمة (المجرم)، ومن ثم البحث عن دوافعه (النفسية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية...)، وبعد ذلك وسائل الجريمة.
وإذا ما تساءل القارئ عن نوع هذه الجريمة، فإن سيمونز لا يتجاوز القول إنّها أنواع، ولكن في تسع حالات من عشر، يكون نوعها جريمة قتل. وأهم شيء فيها هو اللغز الذي يضعه الكاتب أمام القارئ. ومن دون أن نشعر، نكون قد فهمنا ما هي «رواية (أو قصة) بوليسية»، من دون أن يُشعرنا المؤلف بأنه يقدم تعريفاً لها، يضاف إلى فيض التعريفات التي وُضعت حولها.
لكن في هذا الجنس الأدبي المليء بالبنيات الداخلية، يقف القارئ ركناً أساسياً. مؤلف هذا النوع من القصص يضع نصب أعينه عدم إزعاج هذا القارئ، فأسباب انزعاجه كثيرة ومتنوعة. هو ينزعج إذا وجد نفسه فجأة أمام حقائق غير متوقعة، فيشعر كأن المؤلف قد خدعه. وقد ينزعج إذا وجد أن القصة قد انقلبت إلى قصة رعب، في حين أنه باشر قراءة قصة بوليسية. الأولى، أي قصة الرعب، تدور فيها أحداث رعب تظهر فيها الكيفية فقط، أي إنها تجيب عن سؤال: كيف؟ في حين أن القصة البوليسية تجيب عن أسئلة عدّة: من؟ لماذا؟ متى؟ أي إنها أكثر اكتمالاً وشمولاً من قصة الرعب.

أبوة هذا الجنس الأدبي تعود إلى الكاتب الأميركي إدغار ألان بو

من هنا نتبيّن صعوبة تركيب القصة البوليسية، ولماذا بدأت، وبقيت طويلاً، قصة قصيرة قبل أن تنتقل إلى رواية إلا أخيراً. ومن هنا، ربما، استمرار نعتها بـ «قصة بوليسية» بدل «رواية بوليسية».
بعد التشديد على دور القارئ في الأدب البوليسي، إذ إنه يشارك مشاركة أخّاذة في معركة ذهنية مع المؤلف، ينتقل سيمونز إلى الجانب التاريخي الزاخر. هذا النوع من القصص ظهر في أواخر القرن التاسع عشر، وبدأت شعبيته تزداد كلما تطورت قوة البوليس في بريطانيا. أما في الجانب الاجتماعي، فيؤكد سيمونز أن القصة البوليسية تعبّر بوضوح عن رغبة الطبقتين الوسطى والعليا من المجتمع البريطاني في نظام اجتماعي هرمي ثابت، وفي قوة بوليسية حازمة. أما الجانب النفسي، فيكمن في أنّ هذا الأدب هو بمثابة متنفس للشعور بالذنب. أليس الذنب الأساسي هو القتل؟ أما المتعصب لها، فإما أن يجد نفسه في صف رجال الاستخبارات أو في صفّ المجرم.
لفهم أي جنس أدبي، لا بد من الوقوف عند تشكله وتطوره، ليس فقط بمنهجية تاريخية، بل بمنهجية بنيوية أيضاً. من هذا المنطلق، أرجع بعض المؤرخين جذور القصة البوليسية إلى اكتشاف أرخميدس الخاص بعلم توازن السوائل. هناك من رجع بتلك الجذور إلى «زاديك»، وهو أحد أبطال فولتير، حين استطاع أن يصف بدقة حصان الملك وكلب الملكة من مجرد فحص الآثار التي تركاها خلفهما. غير أن مؤلف الكتاب، جوليان سيمونز، يعتبر هذه الجذور البعيدة «مجرد أشتات من الاستنباط المنطقي».
عرفت إنكلترا، في نهاية القرن الثامن عشر، حكايات رعب كانت شائعة، ارتعب لها الجمهور بأخبار ظهور خوارق وأرواح، إضافة إلى وشائج قوية بتلك الصفات الرومانسية المضفاة على القلاع المهجورة. غير أن جميع مؤرخي هذا الجنس الأدبي يرجعون أبوته للكاتب الأميركي إدغار ألان بو. عبقرية هذا الكاتب الأصيلة، وشغفه بالكتابة السرية (المشفّرة) وباستنباط النتائج من مقدماتها، وولعه بروعة الموت المصاحب للعنف، جعلت منه العبقري الرائد دون منازع.
حين آمن كتاب الرواية البوليسية ومؤرخوها ونقادها، على رأسهم الأب رونالد نوكس بأنها نوع أدبي مميز، في عشرينيات القرن العشرين، بدأوا يدعون إلى وضع قواعد خاصة بها. الأب رونالد هو القائل بأن القصة البوليسية هي عبارة عن لعبة لاعبين: المؤلف هو الطرف الأول، والقارئ هو الطرف الثاني. والحديث عن قواعد للرواية البوليسية مخالف تماماً للحديث عن قواعد الشعر. وهنا وضع الأب رونالد وصايا عشر لخصها مؤلف الكتاب بسبب طولها، وهي: يجب ذكر المجرم في وقت مبكر، يجب تحاشي الحلول غير الطبيعية، يُسمح بغرفة سرية واحدة أو ممر سري واحد، لا يُسمح باستعمال سموم لم تُكتشف بعد، يجب ألا يظهر صينيون في القصة، يجب ألا تساعد المخبر المصادفة السعيدة ولا الحدس، يجب ألا يقترف الجريمة المخبر نفسه، يجب ألا يخفي الكاتب أحد مفاتيح اللغز عن القارئ، يجب عدم إخفاء أفكار مساعد المخبر، يجب أن يكون هناك تحذير خاص عند استعمال الأخوين التوأمين أو المتشابهين.
إن الرجوع إلى هذه القواعد يبين القارئ أن شارلوك هولمز قد أخطأ في أوجه عدة، خصوصاً في ما يخص قضية إخفاء مفاتيح اللغز عن القارئ. كما يمكن أن يلاحظ مشاهد الأفلام البوليسية خرق وصية «يجب على المخبر ألا يرتكب الجريمة».
وربما بسبب مجموعة من قواعد هذا الجنس الأدبي الصعب، وجد المؤلفون صعوبات عديدة في تغيير نماذج قصصهم وإضفاء الجدة عليها.