لا أشياء جديدة عن رواياته السابقة نقرأها في «أدب رخيص» (1994) آخر روايات تشارلز بوكوفسكي (1920 ـ 1994) التي انتقلت أخيراً إلى العربية (دار الجمل ـ ترجمة إيمان حرز الله). لم يكتب الشاعر والكاتب الأميركي أدباً «رفيعاً» وفق المعايير الأكاديمية، يمكن أن يقارن بما كتبه معاصروه كفيليب روث، وبول أوستر مثلاً، لكنه قدم أدباً مختلفاً صريحاً، مباشراً، صادماً، ومختلفاً لا يشبه أحداً. تبقى رواياته معروفة بسهولة، وإن قدمت للقارئ بلا غلاف، وتظل قراءتها مثل نوع آخر من القراءة لنوع آخر من الروايات؛ قراءة سريعة وسهلة، وصادمة في المرة الأولى، أشبه باستراحة من قراءة الروايات «التقليدية»، على اعتبار أن روايات بوكوفسكي مختلفة في لغتها ومواقفها، ونستطيع أن نقول إنها «شاذة» وبذيئة من دون أن يحدّ هذا من انتشارها وقراءتها، بل على العكس، لقد شكّل عاملاً زاد من إقبال القراء عليها، حتى في مجتمعات محافظة كالمجتمع العربي، بعدما ترجم عدد من رواياته ومجموعاته القصصية إلى اللغة العربية في السنوات الأخيرة. وبعد هذا الانتشار، وبسببه، يرد إلى الذهن تساؤل افتراضي يدغدغ الفضول، تساؤل عن إمكانية قبول «بوكوفسكي عربي» يخرج من أحد بلداننا التي لا تنقصها أزمات مجتمعية ومشاكل عائلية كالتي أسهمت في تكوين شخصية تشارلز بوكوفسكي، وصاغت نوعية كتاباته. مع التذكير بأن أميركا «المنفتحة» و«المتحررة» نفسها، لم تقبل شاعرها وكاتبها في البداية، ومن قبله هنري ميللر، قبل أن تعود وتقبلهما إثر الحفاوة التي لقياها في أوروبا. وثمة تساؤل آخر عن إمكانية احتضانه من قبل إحدى دور النشر العربية، ولا سيما أنّه كان لناشر بوكوفسكي جون مارتن صاحب «بلاك سبارو للنشر» (العصفور الأسود)، دور رئيسي في تحريضه على التفرغ للكتابة من خلال تخصيص راتب شهري له.
تبتعد عن السيرة الذاتية والتصريح اللذين طبعا أعماله

كما في رواياته السابقة، يحضر التهكم على كل شيء. نجد البطل نِك بيلين يتعامل مع عمله باستخفاف بالعمل ذاته، وبقدرته على تأديته، إذ يعلم قلة كفاءته كمحقق خاص. العمل كثير التداول في الروايات والأفلام الأميركية، وكأنه بذلك يتهكم على هذا النمط من الروايات والأفلام التي يحل أبطالها الخارقون كل العقد والمعضلات، ويخرجون منتصرين برفقة حبيباتهم الفاتنات من دون أن ينال منهم الموت. وبالرغم من قلة موهبته وفشله في حل القضايا الموكلة إليه، لا يتوقف الزبائن عن توكيله بقضاياهم، فيرسل إليهم صديقه جون بارتون الذي يحتفظ بثقته به رغم إخفاقاته.
يلجأ إلى بيلين رجال غيورون يطالبونه بمراقبة نسائهم، ونساء يتقفين أثر عشاقهنّ، نساء جميلات يثرن المحقق الوحيد الذي يشتهيهن ويسعى إلى مضاجعتهن. وفي انتظار ذلك، يستمني حتى على أصواتهن عبر الهاتف. وهناك زبائن آخرون يطلبون منه طلبات غريبة صعبة التحقيق كالبحث عن الكاتب الفرنسي لوي فردينان سيلين المتوفى. لكنّ السيدة التي تطالب بإيجاده تؤكّد أنها سمعت بأنه يتردد على إحدى مكتبات هوليوود، أو هناك من يطلب منه البحث عن عصفور أحمر محدد لا شيء يميزه أو يساعد في التعرف إليه سوى لونه الأحمر.
يعمل بيلين على قضاياه بمعاونة العدة التقليدية من المسدس والسيجار والخمر، الذي يشتريه المحقق المدمن قبل الطعام، بالمال الذي يطلبه كدفعات على الحساب من زبائنه.
يهدي بوكوفسكي روايته هذه إلى الكتابة السيئة، وقد أعاد كتابتها أكثر من مرة على غير عادته كأنه كان قلقاً حيالها وغير واثق من قيمتها، بخاصة أنّها تبتعد عن السيرة الذاتية والتصريح، وهما السمتان العامتان البارزتان اللتان طبعتا أعماله، بدءاً من أولى رواياته «مكتب البريد» التي يروي فيها تحوله من ساعٍ وعامل في خدمة البريد الأميركية إلى الكتابة. نجد في «أدب رخيص» مساحة أوسع للتخييل والترميز، وإن كان أكثر ما يتعلق فيها بحياة بوكوفسكي هو ما يختص بناشره وبدار النشر اللذين حوّر اسميهما مع الحفاظ على مساعدتهما وأثرهما الجميل في حياته. وكان لافتاً الحضور الأساسي للموت في هذه الرواية التي كتبها بوكوفسكي في سبعينياته، وهو يعاني من مرض اللوكيميا. لقد جسّده في شخصية السيدة الفاتنة التي تبحث عن سيلين، فأطلق عليها اسم «السيدة موت»، وكأنه يرى الموت شيئاً جميلاً ومشتهى، بعد حياة مترعة بالمعاناة النفسية والأمراض الجسدية.