قفزت من فراشي على هلع، طرقات عنيفة خلعتني من أوّل غفوة. أشعلت مصباح البطاريّة الصغير، الكهرباء مقطوعة منذ منتصف الليل. في صمتي، لعنت الكهرباء، وهذا الربيع ببرده وبروقه ورعوده وشراسة مطره المباغتة. لعنت هذه الحرب. كانت أمّي تضرب بعصاها على طرف السرير الخشبيّ. خيّل لي أنّ الضربات العنيفة، التي أيقظتني، لم تكن مماثلة لنقرات عصا أمّي الخفيفة والمتلاحقة!

بريبة، أصغيت إليها وهي تردّد بإلحاح: «اخرجيهم من هنا»!
نزعَتْ عنها الأغطية، وهي ترتعش بحنق. حضنتها بين ذراعيّ، أهدّئ من روعها. ناولتها كأس الماء، ارتشفت رشفة واحدة، ثمّ قالت: «أخرجيهم من هنا!» كانت مذعورة. واصلت محاولاتي لتهدئتها، وأنا أؤكد لها أن لا أحد سوانا في الغرفة، هي وأنا. رمتني بنظرة عاتبة لأنّي لا أصدّقها. قالت بحزم: «أخرجيهم من هنا، قلت لك!». ثمّ أردفت: «أخرجيهم! ما الذي تفعلينه معهم، وتتركينني وحدي؟» أعادت طلبها بلهجة يمزجها الأمر والاتهام، ومعها فشلت في تهدئتها وإقناعها بأنني أنام في سريري بجوارها. لم تكن تسمعني، وتابعت بسخرية: «وتتأخرين بالمجيء إليَّ، كعادتك!». وفي الواقع، كلّ ليلة، كنت أنتظر ساعة نوم أمّي المتأخرة. أستغلّ ما يتيسّر من شتات الكهرباء؛ ومن شتات نومها، لأشاهد الأخبار، أو أفتح الإنترنت. لكنّني، ذلك الليل كنت في سريري، تقضّ مضجعي سكينة بكماء وصمت أصمّ قاهر. لقد دُفنَ جنديان شابان فقيران، في مقبرة قريتي البعيدة عن الحرب.
أعدت ترتيب الأغطية فوق جسد أمّي. والعواصف المطريّة كانت تصفر وتعوي ضاربة بحبّات البرد الصلبة أبواب البيت ونوافذه. كان صوت أمّي يخيف النوم ويبعده، وهي لا تتوقف عن المطالبة بطرد من تخالهم حولها.
سألتها إن كانت تبغي الذهاب إلى الحمّام. فردّت بخجل مقهور: «أنا مبلّلة!» مازحتها أهوّن عليها خجلها وأزيله.
في الحمّام، سدّدت نظراتها إلى عينيّ، شعرت أن طريقاً وعراً يصل بين عيوننا. قالت:
«أرجوك، قولي لي ماذا يفعلون في غرفتي؟» قلت أجاريها: «لقد رحلوا ، يا أمّي !» قالت بحدّة: «لا تكذبي ! إنّهم هنا وأنت تتآمرين معهم ضدّي!» ثمّ صمتت لا تردّ على ما أهذر به من أسئلة أو خبريّات، لأبدّد اضطرابها.
عدنا إلى الغرفة. المصباح في يدي. من خلف النافذة، بدت السماء مشقوقة بالنار.
أعدت أمّي إلى فراشها، وتوسّلت إليها أن تنام. أدرت ضوء المصباح في أرجاء الغرفة، لأظهر لها أن لا أحد في المكان. ولأوّل مرّة، سألتها عمّن يجب عليّ طردهم. أجابت بنبرة من يضيف مسلّمة: «ألا ترينهم ؟! الموتى !» داريت فزعي، ورحت أصوّب نور المصباح إلى حيث تشير. وأقول لها:
«هذه بطانيّة، وتلك الخزانة، وذلك هو الباب، وهذا كرسيّ، وهذا المشجب وثياب معلقة، و...» كانت عيناها تلحقان بالضوء بصمت وشكّ. ثمّ حدّقت في السقف طويلاً، وتجمّدت في صمتها الحائر.
تمدّدت إلى جانبها، أحضنها. أربت على كتفها، أمسّد شعرها العجوز، وأقبّل جبينها. دقائق مرت ثقيلة. انتظمت أنفاسها. نامت.
أنزلت ساقيّ على طرف سرير أمّي، وما كدت أضع قدميّ على الأرض، حتى أمسكت بهما يدان . قبض الرعب عليّ.
كانتا كأنهما يدا طفل. لم أجرؤ على إشعال المصباح، أو الإتيان بأيّ حركة. اشتعل البرق. بسرعة وحذر رنوت إلى أسفل، فرأيت طفلاً أزرق اللون منتفخاً، يتمدّد على البلاط، ميتاً، ويشدّ بكلتا يديه على قدميّ.
أضحى لساني قشّاً يابساً يتدردر ويجتاح حلقي. حاولت أن أسحب قدميَّ بهدوء، والرعد الصاعق يقذف بمطر مدرار قاتم، في الخارج وفي عينيّ. حاولت أن أهوّن عليّ، وأكون عقلانيّة؛ فأنا متعبة ولا شيء أراه، لا طفل ميتا ولا جثّة، لا شيء بتاتاً، وما أشعر به ليس أكثر من أنّ قدميّ وساقيّ خائرة من الإرهاق، ومن الطبيعيّ أن تنتفض الشرايين والأوردة وتنقبض، بقسوة موجعة.
لم أجرؤ على النظر إلى أسفل ثانية. حرّكت قدميّ المرتجفتين بتؤدة. لكنّني كنت أشعر أنّهما تنسلّان من بين أصابع الطفل. فرَّطَني الخوف، فهرعت ألوذ بسريري.
عند طرف سريري، باغتتني البروق المتلاحقة بجسد رجل يقف قبالتي تماماً. ضامراً، بعينين مغمضتين على بؤبؤين جاحظين بفظاعة. كان الرجل جامداً مثل تمثال كالح، يحمل في يمينه سترة طفل صغير. جامدة أحدّق في الرجل. فجأة، مدّ لي يده بالسترة، وهو يقول بتراخ: «أنا ميت! غطّيه أنت!» وأومأ برأسه إلى الخلف، يشير إلى الطفل المنتفخ. وكنت ما أزال أشعر بآثار أصابعه على قدميّ.
توقّف ضجيج السماء وغضبها، وسادت عتمة حادّة. شعرت بالسترة تُرمى عليّ، تبعها صوت ارتطام قويّ، جفلت في قنوط. لا بدّ أنّ الرجل الميت سقط أرضاً. سمعت صوت ارتطام رأسه بحافة السرير. «سأرتاح قليلا، لن أغفو!» هل قال ذلك حقّاً؟ قاله، بلى، سمعته، حتى إنّ أمّي تململت، ثمّ أفاقت.
كدت أنخلع عن أرضي حين عاد صوت أمّي يتوسّل من جديد: «قولي لهم أن يخرجوا!» مات صوتي. مددت يدي ألتمس هاتفي النقّال على الكومدينا الملاصقة لسريري، لأستنجد بأخي الساكن في الجوار. لكنّني تخشّبتُ. كنت أظنّ أنّ ما يضجّ، في الخارج، وراء النافذة العريضة، هو جنون ياسمينة أمي المعلقة مثل مظلة ضخمة وهي تقاوم الانكسار في العاصفة.
بغتة، انفتحت النافذة على مصراعيها. ورأيتهم. كانوا يتدافعون في الدخول، ينزلون بمحاذاة الجدار، يستتندون عليه، يمدّون سيقانهم، ويتنفسون الصعداء! عرفت أحدهم على الفور. كان أحد الغرقى ممن حاولوا الهجرة بطريقة غير شرعيّة بسبب الحرب، وفي فراره أكله تجار الحرب والبحر. متأكدة أنّه هو.
تفجّر لهاثي وتناثر في فضاء الغرفة، تصحّر حلقي وتيبّس. أرعدني نور النواصة الخضراء المباغت، عادت الكهرباء. إنّهم هنا، رأيتهم بأمّ عينيّ!
نادتني أمّي، وقالت: «اسقيني». يبعد سريرها عن سريري مسافة بلاطتين. وعلى الكومدينا ، الفاصلة بين السريرين، كانت كأس الماء تصطك. خارت قواي. تطلب أمّي ثانية: «اسقيني، هل أنت نائمة؟» كأنّني لم أعد أسمعها. ففي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة الخارجيّ بغضب مجنون. وإلى الداخل، انقذفت عصفة مطر دافعة معها أشخاص عديدون.
أحدّق في وجه أمّي في تيه. قالت: «ألا تدلّكين لي ساقيّ وقدميّ ؟ إنّها توجعني ، فلا أستطيع النوم».
صوت ارتطام جديد رفعني عن الأرض ثمّ أسقطني، ركعت على هلعي، وجحظت عيناي تبحلقان في أعلى الجدار المقابل، حيث كوّة صغيرة فارغة، منها سقط شابّ وارتطم بالأرض، لكنّه ظلّ واقفاً، كان ببقايا ملابس الهلال الأحمر، ومكان القلب تماماً ظهر ثقب وسيع مثل رغيف صغير محروق.
يتجه الشابّ إلى أمّي، وهو ينظر إليّ، قال بهمس مسحوق: «أنت نامي وارتاحي ! أنا من سيدلّك قدميها». وكنت ما أزال على ركوعي الهلع. دنا من أمّي، شمّر عن زنده، كان كمّه الوحيد يتقطّر ماء، نزعه من بذلته، سمعت صوت تمزّقه. ثمّ شرع يدلّك ساقي أمّي وقدميها. وما إن انتهى حتّى قالت أمّي: «سلمت يداكِ، ارتحتُ قليلاً، سأنام .وأنت ارجعي إلى نومك الآن! « كيف أقول لها: «لست أنا من دلّك ساقيك، يا أمّي؟!».
في تلك اللحظة، من الكوّة الجداريّة ذاتها، اندلق صراخ، استغاثات، أصوات مبهمة، وارتطامات جديدة. حفاضات بلا أطفال، وأطفال بلا حفاضات، نساء ورجال، شبّان وعجائز، صرر مربوطة، وأخرى مفلوشة، حقائب صغيرة، أحذية متنافرة، ملابس بلا أجساد، وأجساد عارية. انقطعت الكهرباء ثانية. سقط المصباح منطفئا. وأمّي تريد الذهاب إلى الحمّام، لا هي تستطيع النهوض بمفردها، ولا أنا أقوى على الحركة.
طافت الأجساد المنتفخة حولنا، البرق يتكاثف. أمّ يلتصق بثديها فم طفلها الأزرق المنتفخ هي أيضاً، كان الأزرق ينفخها وهي تسير على غير هدى.
وكنت ما أزال راكعة على رعبي وجمودي، في وسط هذا الحشد الأزرق المنتفخ! نهضت بتثاقل راجف، أقصد الخزانة، لأشيل منها بطانيات وأغطية، أدثّر الأجساد المرتعشة برداً وموتاً. لم تكن الأغطية كافية. فتلاصقت الأجساد وتلاحمت، كأنّها عائلة واحدة. إحساس غريب هاجمني حاول شدّي وإلصاقي بهم. فتراجعت خائفة.
استبدّ العجز بتلابيبي، وتلاشت قواي. فهرع بعضهم إليّ، حملوني، مدّدوني في السرير، ودثّروني.
وما كادت نتف الدفْء تتزحلق عليّ، حتّى أمسك أحد ما وتشبّث بكمّ بيجامتي. أحاول ألآّ أصدّق! أنا أحلم وحسب. أنفاس طفل كان يتمدّد إلى جانبي في السرير، أنفاس واضحة ومنتظمة ومستقرّة! متى؟ ولماذا؟ وكيف وضع هذا الطفل في سريري؟
لم أجرؤ على التحرّك. أحسست ببول الطفل ينسكب عليّ من وسطي حتّى قدميّ. لكنّني لم أبعد الطفل عنّي.
مكثت في سريري يبلّلني البول والرعب، مثلما يبلّل المطر الكاسر قريتي البعيدة عن الحرب. صوت أمّي كان يقتحم ذاك السكون ويفجّره، وحده صوتها ظلّ يعلو كلّ حين: «أخرجيهم، إنّهم هنا!».

* كاتبة سورية