الاشياء لا تنتهي *



تنحدر الشّمسُ على طَرفِ الكوكب
صمتُكِ نهرٌ من عصافير
وصمتي غابة !
...
في رِيفِ نظرتِكِ
رأيتُ الرّعاةَ الصبيان حفاةً عرايا
يبحثون عن حصاةِ الحظّ
...
مثلهم... كبرتُ
وورثتُ روحاً مثقوبةً بالضجر
...

خلف هذا السياج مدياتٌ
قومي...
قومي نركضُ خفيفينِ... خفيفين
يتحطّم الهواءُ على قميصينا !
...
قومي
الأشياءُ لا تنتهي
العشبُ نارنا الخضراء
وبيتُنا نسمة !


حارسُ التّل*


قَمرٌ وحيدٌ
فوقَ البراري تَخْمش
صمْته الثَعالب

أنتَ حارسُ التلِ تحتَ المَجَرْاتِ البعيدة

/ أوروك... يا أوروك
أيّ قشةٍ تميمةٍ نعْلَق بها ؟/

الليّلُ نهرٌ مِنْ فراشاتٍ ميتة

قميصكَ الأدغال...
وهذا النسيمُ بيتُكَ القديمْ...!


السّائحة*


سائِحةٌ على رملٍ ، سائِحةٌ بَعيدة
ظهرُها للغابة!

تقْتَربُ أكْثر، تَدخلُ والشّمسَ في المياهِ العظيمة
فيحرقان هشيمَ الأشياء، الأشياء كُلها!

■ ■ ■

سائحةٌ ساعةَ الأصيل
ذَهَبٌ على كاحلِها، ذهبٌ على ملْبَس الفتى !

السّائحةُ من سلالةِ زهرِ الطرقاتِ الطَلقة،
بِقشّةٍ على ساقِها اليسرى، واقفةٌ مثل بَرْقِ الأساطير،
تُطعِمُ البحرَ قميصَها!

أسمعُ صدري...
ألبسُ قشْعَرِيرة الليّلِ المَخْروم بالسّهامِ المضيئة!
وألمسُ الأبدَ ينخلُ نُجِيماته على غصنٍ ينْحَني
على شاطئ حصى!

■ ■ ■

في الخارج
ريحُ الجنِّ، تتشاجرُ، على أسيجة مقبرةٍ

■ ■ ■

مِنْ عمقِ الأعماق، تصعدُ السلّم ـ سائحةٌ
عاريةَ القَدَمين ـ تُعرّش على العُزلة
وطيّات الستارة، وتخرجُ، مُنقّعةً بالسّطوعِ، من رحمِ الموجِ والشّاشاتِ والسنين!

فيكتب هاوٍ معذّب: هاكِ قلبي ساحلاً وشَمْسَ أصْدافٍ ومِياه!

في ليلِ المُتَحاربين
آه... أيّها الموت المُزْدهر، العَذِب، المُتبادل:
مُزاحٌ ثقيلٌ بين غَجرياتٍ في حفل!
ـ يُهمْهم الفتي
والسائحةُ، عارية القَدَمين، لنْ تأتِي...!

*إلى زيرين


قَديمَاً...
تَهبُّ العَصافيرُ مِنْ خَشَبِ السقوف
صافيةً تَهبُّ نَحوَ البَر

هي ذي:
مُنْتَصِبَةٌ على طَرفِ الكَوكَب، تَغصُّ بطيرٍ اعزَل، يَجْفَل
فَتَسْقُط اخرُ قَلائدِها الذَهَب: وَرَقَةٌ... وَرَقَتْان
يَضْربُها الفراغ...

حَاسِرَ الرَأس
بِسَترَتِهِ المَرقوعةِ بِغَدير ٍ يَذْهَبُ الطَريقُ نَحْوَ غيمَة:
تَشِعُّ مِنهُ آلافُ الأزرار
وبِرَاشِقٍ يَبْتَلُّ حَطَبٌ يَنام تَحْتَ جلدي

الظَهيرَةُ مُفَتَتةٌ كالقُطن، وعيناكِ تَغْسِلُ الفَقْدَ
كريحِ التلول المُعْشِبة

والهَواءُ ــ مَثلَمَا الهَواء قَبْل الطُوفان ــ يأتي
ويُهيّج الرَوائحَ في الهَياكِلِ القَديمَة

زيرين
ماذا بِوَسْع المَرء ان يَفْعَلَ حينَ يَنْقَطِعُ المَطَر؟!
الغُصنُ يُنَقّط..

عِبْرَ خَرَائِبِ الهَبّاتِ المُنْهَارَةِ، انْحَدِر
أذهَبُ مَشياً إلى«مَسْتَكان»..

بَيْنَ سَلاسِلِ الغيوم، مُتَلَفِتاً:
ايتُها الجِبالُ المُتَفَجِرةِ بالوَهْجِ الألهي
لا تقتليني...

عليّ ان أَعَدّ تَميمَةً لـ الليل..
ان أنجو مِنْ كَمَنْجَةٍ تُرافِقُ «شجريان» *
ومِنْ كُرْديَةٍ تَمْسَحُ ـ كُل صَباحٍ ـ الزُجَاجَ بِساعِدَيها
امام قلبي المكسور

قَديماً...
تَهبُّ العَصافيرُ مِنْ خَشَبِ السقوف
صافيةً تَهبُّ نحوَ البَر


1ـ مستكان ـ قرية قرب حلبجة
2ـ شجريان : فنان فارسي.

بعد السقوط*


الفولاذُ يضيءُ في روحِ السّتارة
ويختفي!
...
من زنزانةٍ في « وداي حَجَر»
تأتِي الأصْواتُ البشريّة!
...
طوالَ الليّل
كنتُ اسمعُكِ يا «ديلارا»...
طوالَ الليّل
والبروق تضرب قضبانها
في السّماوات!
...
انقطع المطر
أيّة اصداء... أيّة صلوات...
أيّة مصابيح باكية الآن في هذه الفجر
...
لا احد يذهب إلى «باب نرگال»
ولا طريق إلى « حردان»
...
وحدهُ الكلب رابضٌ تحت عربةٍ خشبيّة
ينظر إلى قريةِ « تلّ البنات»!
وبالقرب منه حذاءٌ مملوءٌ بالمطر...!

طائرٌ أبيض*


طائرٌ أبيض...
يجيءُ مع لمعةِ الصباحات الجبليّة
ويسكن على الغصن الأسود!
ولوانّه طائر ولكن فيه شيءٌ
من يديكِ...!

...
أجلسُ فوقَ صخرةٍ عملاقة
يأتي نقّارُ الخشبِ، ينقرُ لِحاءَ قلبي
ويطير فوق القنطرة!



في الظهيرةِ ثوبُكِ سحبٌ عابرة.

...

يخونني الخيطُ..
كيفَ أصيرُ واضحاً أكثر
وفي... فيكِ توخزني الأشياءُ كلّها
وتربكني الطفولةُ!


أتحسّسُ ذراعيّ بما يتكسّر من هواءٍ وزجاج
وأعانق صيحةَ العينين.

...
يذوب الثلجُ قليلاً
وحين تميلُ الشَّمسُ قليلاً
تَتَجَمّدُ البُحيرةُ مثل نظرة!

...
فانوسُ الله المنعكس في عذوبةِ المَسَارِب،
تشعل «الژاﮊ» ليتدفأ الرعاة
العائدون من «چوارتا» قبيل المساء!

بعد العاصفة
لَمَحْتُكِ في نارِ الحُرّاسِ تَتَوهجين
في ليلِ الحدود!
تأتي روحُكِ، وتطرد
الذئبَ عن قلبي...!

أأكلُ منها هذه البَحّة
وتُصيبني بالهزالِ وتسير في شرياني
كالنّجمةِ في الجليد.


*الﮊاﮊ: في اللغة الكردية أعواد حطب.



* شاعر عراقي