دونالد بارثيلم

ترجمة: جولان حاجي

ترك موتُ الله الملائكة في وضعٍ غريب. فقد استحوذهم، بغتةً، سؤال أساسي. وبمستطاع المرء أن يحاول تخيُّل تلك اللحظة. كيف كانت سحناتهم آنَ اجتاحهم السؤال، مغرقاً الوعيَ الملائكي، مستحكِماً بقوّة مروّعة؟ وكان السؤال: «ما الملائكة؟».
حديثي العَهد بالتساؤل، غير معتادين على الرّعب، مفتقدين إلى أي مِراس في الوحدة، استبدّ اليأس بالملائكة (وهذا افتراضٌ منا).
للسؤال المتعلق بِـ «ماهية» الملائكة تاريخٌ جدير بالتأمّل. فعلى سبيل المثال، تحدّث سويدنبورغ إلى عدد هائل من الملائكة، وتفانى في تدوين ما رووه له. يقول سويدنبورغ إن الملائكة على شبَهٍ كبير بالكائنات الإنسانية. «لقد رأيتُ ألف مرة أن الملائكة بشر، أو أشكالهم إنسانية». ثم يقول مجدداً «من خلال تجربتي التي عمرها الآن سنوات كثيرة، بمستطاعي القول إن الملائكة هم بشر بالكامل من حيث الشكل، ولديهم وجوه وعيون وآذان وأجسام وأذرع وأيادٍ وأقدام...». لكن الإنسان لا يستطيع أن يرى الملائكة بعيني جسده، وإنما عبر عيون الروح فحسب.
في حوزة سويدنبورغ الكثير الكثير لكي يقوله بخصوص الملائكة، وكل ما يقوله مثيرٌ لأكبر الاهتمام: لا يُسمَح لأيّ ملاك بتاتاً بالوقوف خلف ملاك آخر فيرمقَ قُذاله، لأن هذا التصرف سيحول دون دفق الخير والحقيقة الآتي من لدن الرب؛ كما أن الملائكة ينظرون شرقاً حيث يُرى الربّ كشمسٍ مشرقة على الدوام نصبَ عيونهم؛ ويكتسي الملائكة لباساً يتباين طبقاً لدرجة ذكائهم: «فبعضهم أولو الذكاء الخارقِ يتلفّعون بأرديةٍ تتوهج كأنها اللهيب، وللبعض الآخر أرديةٌ تأتلق كأنها تشعُّ نوراً؛ أما الأدنى في مراتب الذكاء فيرتدون ثياباً لمّاعة البياض أو بيضاء بغير نصوع، وأدناهم ذكاءً على الإطلاق يكتسي بثيابٍ متنوعة الألوان. غير أن الملائكة في علياء السماء القصيّة لا يرتدون أية ثياب».
كلُّ هذا (تخميناً) ما عاد ممكِناً.
ضمَّ غوستاف ديفيدسون، في عمله المفيد «معجم الملائكة»، الكثير من المتعارف عنهم. أسماؤهم تدعى: الملاك إيليوباتل، الملاك فراياغني، الملاك غاب، الملاك هاتيفاس (عبقريُّ الحُليّ)، الملاك ميرمر (ملاك ساقط)، الملاك ماترو، الملاك أور، الملاك راش، الملاك ساندالفون (تناهِز قامته رحلة تدوم خمسمائة سنة سيراً على الأقدام)، الملاك سمات. يميز ديفيدسون أصنافهم: ملائكة التسبيح الذين يحوطون عرش السماوات؛ أسياد العويل البارعون وأرباب الصيحات، وعملهم مديح الله؛ السعاةُ والرسلُ والكَتَبَةُ المترصّدون والوُسَطاء الأدِلاّء والمنذِرون. إن معجم ديفيدسون كتاب ضخم للغاية؛ فقد أُدْرِجَت في ثبت مراجعه قائمة تحوي ما يربو على ألف ومائة مرجع.
دوَّن جوزف ليون أبرع التوصيفات حول الوعي الملائكي الأوَّلي (في مقالٍ عنوانه «سيكولوجيا الملائكة»، طُبِع سنة 1957). يقول ليون إن كلَّ ملاك يحيط بعلمه كلَّ ما يمكن معرفته عنه هو وعن كل ملاكٍ آخر سواه. «منذ الأزل، ما مِنْ ملاك استطاع أن يطرح سؤالاً، لأن التساؤل يتأتّى من حالة انعدام المعرفة السابقة عليه، كما يبيّن، بطريقةٍ ما، إن الملاك مدركٌ لعدم معرفته. لا يمكن لأي ملاك أن يكون فضولياً؛ إذ لا وجودَ لأي شيء يسترعي فضوله. إنه عاجزٌ عن الاستفسار. فمعرفته التي وِسْعُها كُلُّ الموجوداتِ القابلة لأن تُعْرَف، تجعل عالمَ المعرفة الممكنة يبدو في نظره، من دون أدنى شك، كنسق منتظمٍ من الوقائع، نسقٍ يتواجد برمّته أمامه، ثابتاً ويقينياً ومُلْكَ يمينه.....».
لكنّ هذا ما عادَ ممكِناً أيضاً.
إنها لِمن الغرائب التي تكتنف الكتابةَ عن الملائكة، أن يخلص المرء -في جُلّ الأحايين- إلى الكتابة عن البشر. فالموضوعان توأم. وهكذا، إذا ضربنا هنا مثلاً، يستنبط القارئ في نهاية المطاف أن ليون لا يكتبُ في الواقع عن الملائكة، وإنّما عن الفصاميّين - أي أنه يفكّر بالبشر عبر استحضاره للملائكة. وتصحُّ هذه الخلاصة حيال الكثير من الكتابات الأخرى ذات الصِّلة بهذه المسألة؛ وهذه نقطةٌ نحسب أن الملائكة لم تفُتْهم ملاحظتُها، عندما راحوا يعيدون النظر في علاقتهم المستجدَّة مع الكون، حين بدأت المقارنات تدور (أيشبه الملاكُ طائرَ كتزال أم إنساناً؟ أم لعله أشبه بالموسيقى؟).
ولنا أن نمضي قدماً في افتراضنا محاولات الملائكة أن يضعوا تعريفاً ذاتياً للملاك بحسب وظيفته. فالملاكُ هو ما يقومُ به. وهكذا، لم يجدوا بُدّاً من استقصاء إمكانيات أدوار جديدة لهم (ولا تنسوا أن هذا افتراضٌ تدنيسّي). بعد أن صرفَ الملائكة في نُواحِهم مئات ومئات من وحدةِ القياس التي يستخدمونها في حساب الزمن، اقترح ملاكٌ أنَّ يكون النواح وظيفة الملائكة أبدَ الدهر، على منوال التهليل والتسبيح فيما مضى. سيكون نمط هذا الحِداد الباكي هو الصمت، على النقيض من الترنُم الدائم بتمجيد الرب الذي كان شغلهم الشاغل في السابق. لولا أن الملائكة ليسَت صامتةً بطبيعتها.
ثمة فرضية أخرى مغايرة، تقول بأن الملائكة تبرهن على الفوضى. فقد كانت هنالك خمسةُ براهين كُبرى على وجود الفوضى، ويأتي على رأسها غيابُ الله. وليس صعباً تحديد البراهين الأربعة الأخرى. الانهماك بالتعريف والتأويل (إذا تمَّ بالدقة الكافية) قد يستغرق الملائكة إلى الأبد، مثلما شغلت هذه المهمّةُ على الطرف المقابل علماءَ اللاهوت بين البشر. بيد أن الملائكة لا يتوافرون على حماسة جارفة نحو الفوضى.
وإذا استرجعنا المقترحات التي فكّر بها الملائكة مليّاً، لوجدنا الرفض أشدَّها خطورةً كونه الأشدَّ تطرّفاً – إذ يقتضي أن يجرّدوا أنفسهم من الكينونة، لا من الوجود فحسب. أحسَّ الملائكة أن هذا الفعل سيمنحهم شعوراً مهولاً بالكبرياء ليس إلا تعبيراً عن الغرور الروحيّ. كان الرفض مرفوضاً.
كانت ثمة مقترحات أخرى أكثر رهافة وتعقيداً، غير أن أياً منها لم يُضاهِ الرفضَ في طغيان سحره.
شاهدتُ ملاكاً مشهوراً على شاشة التلفاز؛ شعَّت ثيابه كأنها من نور. تكلم عن أحوال الملائكة الآن. قال إنهم يشبهون البشر في بعض المناحي. كانت إشكالية التمجيد كامنة في صميم كلامه. قال إن الملائكة قد جرّبوا، لبعض الوقت، أن يعبُدَ أحدهم الآخر، على غرارنا نحن البشر، ولكنهم وجدوا في ختامِ تطوافهم أن هذا الأمر «ليس كافياً». قال إنهم يُواصلون بحثهم عن مبدأ تأسيسي جديد.