لا نبالغ إذا قلنا إن الباحث والناقد المغربي سعيد يقطين من أهم الدارسين العرب اليوم في مجال الدراسات السردية، هذا الحقل الأدبي الشاسع، الغني بالمفاهيم والمصطلحات، الذي طبّق ضيفنا مناهجه على النصوص السردية العربية القديمة والحديثة. وبهذا الامتداد الزمني، وصل طموح يقطين إلى نتائج أغنت الرواية العربية الحديثة، وأعادت إلى النص الشعبي المتخيّل (سيرة سيف بن ذي يزن مثلاً) في كتابه «قال الراوي» مذاق الحكي الآسر، وفتنة التخييل المفقودة. هذا ما انغمس فيه يقطين منذ ثلاثة عقود، سواء في الجامعة المغربية، أو الجامعات العربية والدولية، حيث زار أكبرها، أو في ندوات وملتقيات، في وقت عرفت فيه المناهج النقدية مأزقاً كبيراً.

يرى يقطين، في جلّ أعماله، أن قوة السرديات راجعة إلى قدرتها على مقاربة النص الأدبي المكتوب والشفوي، انطلاقاً من مبدأ توليد الدلالة، وإبراز جمالية اللغة والسرد. وهذا سرُّ انكبابه على نصوص من الشرق والغرب، بمصطلحات ومفاهيم لم يألفها النقد العربي الحديث. وقد سعى من خلال ذلك إلى تأكيد اكتمال هذا الحقل الدراسي، ومرونة تطبيقاته المتعددة على النصوص، قصيرة أو طويلة، عالمة أو شعبية.
يقطين الذي يعمل حالياً على إخراج نصوص من الأدب العربي العجيب إلى التداول، هو من مواليد مدينة الدار البيضاء سنة 1955. من مؤلفاته «تحليل الخطاب الروائي» (1989)، «انفتاح النص الروائي» (1989)، «الكلام والخبر» (2007)، «الفكر الأدبي العربي، البنيات والأنساق» (2015) وهو الكتاب الذي نال عليه جائزة الشيخ زايد للكتاب 2016. هنا حوار معه:


■ لنبدأ من نظرتك وتقويمك للنقد العربي اليوم، في المجلات الثقافية والكتب؟
يعيش النقد الأدبي العربي اليوم حالة تحول. لكنه التحول الذي لا ينبئ بأنه يعيش وضعاً مريحاً. لقد مرّ منذ أواسط الثمانينيات إلى الآن بمرحلتين كبريين: في الأولى، هيمنت البنيوية وامتداداتها مع نظريات النص والتفاعل النصي. ومنذ أواخر التسعينيات، بدأت تظهر ملامح حقبة جديدة مع الدراسات الثقافية والنقد الثقافي. ما طبع العلاقة بين المرحلتين يتجلى في القطيعة. فكل الذين ذهبوا إلى النقد الثقافي عدّوه بديلاً من البنيوية. لكننا عندما نقارن الزخم الذي ولدته البنيوية في الدراسات الأدبية العربية، بما يولده النقد الثقافي نجد فرقاً كبيراً بينهما. فالبنيوية خلقت مناخاً فكرياً شارك فيه كل من اشتغل بالأدب دراسةً وتحليلاً. كذلك إنّ ترجمات بعض الأصول البنيوية والكتابات المتصلة بها كانت من الكثرة والجدية والإثارة، ما أسهم في خلق وعي مشترك بأهمية الاتجاه العام الذي دخله النقد العربي.
لكن إذا أردنا التوقف على واقع النقد العربي في المجلات والكتب اليوم، أي في الحقبة الثانية، نجد النقد الثقافي يعرف التباساً لدى المشتغلين به. فمرجعياتهم متباينة ومختلفة. وكل منهم يطبقه وفق هواه. فلا الأدبيات الفكرية الثقافية مترجمة، ولا الاجتهاد في التطبيق يخدم النص أو يقدم لنا معرفة دقيقة عنه. فمجمل ما نقرأ في هذا الاتجاه عبارة عن تأويلات فردية وذاتية. هناك حماسة لدى بعض الشباب للنقد الثقافي، لكن عدم التمكن من المعرفة الثقافية وتعميقها بما يشترطه النقد الثقافي يجعل الكتابات النقدية ضحلة وغير ذات فائدة. صحيح أن الصعوبة تكمن في النقد الثقافي نفسه. فهو مجال واسع وغير مقيد، تتداخل فيه الاختصاصات والمعارف، لأنه ليس اختصاصا دقيقاً ولا محدداً. ويتطلب هذا من المشتغل به معرفة واسعة بالأدب والفكر. وهذه المعرفة لا يمكنها أن تتوافر لمن لا يعمل على توسيع أفق ثقافته بجعلها تتسع للعلوم الطبيعية والاجتماعية واللسانية والأدبية، ومن السابق لأوانه الحكم على هذه التجربة. ولكن من دون تعميق النقاش، والتعرف إلى الأدبيات الثقافية العميقة والأصيلة، لا يمكن أن يكون لهذه المرحلة أي أثر مهمّ في تطوير الفكر الأدبي العربي المعاصر.

عدم التمكن من المعرفة
وتعميقها بما يشترطه النقد الثقافي يجعل الكتابات النقدية ضحلة

■ هل الدراسات السردية العربية المعاصرة راكمت ما يكفي من الدراسات؟
تولد الاهتمام بالسرد العربي قديمه وحديثه، وتطورت الدراسات السردية العربية في المرحلة البنيوية. فكان أن تطورت العناية بالسرد، وظهرت السرديات باعتبارها علماً للسرد، إلى جانب السيميائيات الحكائية. هذا إلى جانب النقد السردي. لكن أغلب المشتغلين بالسرد العربي، قديمه وحديثه، لم يهتموا بتطوير العلمين السرديين، أو الاشتغال في إطارهما، وأقصد بذلك السرديات والسيميائيات الحكائية. لذلك، نجد النقد السردي هو المهيمن. حاول نقاد السرد الاستفادة مما تبلور في الدراسات السردية الغربية، فطبقوا مفاهيم ومصطلحات جديدة لم تكن موجودة في المصطلحية النقدية العربية. ووسعوا دائرة المتن، فلم يشتغلوا فقط في الرواية، ولكنهم عادوا إلى التراث السردي العربي، فاهتموا بالكثير من النصوص التي لم يكن يهتم بها النقد الأدبي العربي، سواء كانت تنتمي هذه النصوص إلى الثقافة العالمية أو الشعبية. وأعتبر هذا من أهم منجزات الدراسات السردية العربية في الحقبة البنيوية. هذا إلى جانب العكوف على التقنيات السردية التي تزخر بها النصوص، ومحاولة الكشف عنها واستجلائها. لكن عدم الأخذ بأسباب البعد العلمي في الدراسات السردية العربية، لأن الفهم الذي تكرس للبنيوية والذي اختزلها في كونها «منهجاً» نقدياً شغل المهتمين بها عن طابعها العلمي، فراح النقاد يزاوجون بين النظريات السيميائية والسردية دون تمييز. كذلك، فإن المصطلحية السردية لم تدقق للسبب نفسه. فكان لتغييب البعد العلمي أثره في صعوبة تطوير الدراسات السردية على النحو الأمثل.

■ ما هي ضرورة الاستعانة الموسعة بمناهج العلوم الإنسانية في الممارسات النقدية؟
لقد استعان النقد العربي الحديث منذ بدايات القرن العشرين بالعلوم الإنسانية والاجتماعية. لقد ظلت الاستعانة بالتاريخ منذ البداية وحتى أواسط القرن العشرين، حيث بدأت الاستفادة من علم النفس والاجتماع. وفي الثمانينيات بدأت الاستفادة من اللسانيات، والآن نعيش مرحلة الاستعانة بمختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تطورت كثيراً في أواخر القرن العشرين، مع تبلور السيبرنطيقا والعلوم المعرفية والذكاء الاصطناعي ونظريات الذهن والدماغ والمعلوميات... لكن المشكل الحقيقي ليس في ضرورة الاستعانة بهذه العلوم والاختصاصات، بل في كيفية تحقيق ذلك. بل إن المشكل الأكبر يكمن في سؤال: ما هي العلوم الإنسانية والاجتماعية التي يمكن التعامل معها؟ ولأي هدف؟ هبْ أن دارساً عربياً للأدب يريد الاستعانة بعلم النفس. لن أطرح السؤال عن أي اتجاه في علم النفس سيتعامل معه، ولا السؤال عن مدى معرفته بالاختصاص ونظرياته المتعددة، لأن من يريد الاستعانة باختصاص آخر، لا بد له من معرفة دقيقة بهذا الاختصاص المتفاعل معه. ولكن فقط أتساءل: في غياب علوم إنسانية طورها علماء عرب في هذه الاختصاصات، كيف يمكننا الاستعانة بعلوم إنسانية؟ أيكفي أن «نطبق» بعض إجراءات هذه العلوم لنقول إننا نستعين بها؟ ماذا قدم لنا تطبيق العقاد والنويهي وطرابيشي لمقولات مستقاة من علم النفس التحليلي؟ هل يكفي القول بأننا مصابون بعقدة أوديب لنكون مستعينين بعلم النفس؟ يمكن قول الشيء نفسه عن اللسانيات في المرحلة البنيوية. ففي غياب لسانيات تطوع اللغة العربية، وتسهم في التعرف إلى خصائصها في الصيغ وبناء الجملة، وفي دراسة الزمن، والموجهات، وكيفية اشتغال الضمائر، وفي تجديد النظر في أقسام الكلام العربي، نجد صعوبة كبرى حتى في تطبيق اللسانيات على الأدب، وهي التي اشتغلت بالنصوص الأجنبية. إني أتعجب ممن يتحدث عن «المضارع»، والماضي «البسيط» كيف يمكنه أن يستعين باللسانيات في تحليل السرد العربي. الاستعانة بالعلوم الإنسانية تفترض أولاً وجودها في تربتنا العربية، وتستدعي ثانياً التعرف الدقيق إليها من لدن من يريد تلك الاستعانة. كذلك فإنها تتطلب ثالثاً أن يكون المستعين بالعلوم الأخرى ينطلق من علم خاص بالأدب. أي أن يكون له اختصاص خاص به. فمن دون اختصاص علمي أنطلق منه، لا يمكنني أن أستعين بعلوم أخرى.

■ عرفت الرواية العربية اليوم تراكماً كمياً ونوعياً، كيف ينظر سعيد يقطين إلى الرواية العربية اليوم، مقارنة مع نظيرتها لدى الأجيال السابقة؟
ما قلته عن النقد العربي اليوم، ينسحب بشكل كبير على الرواية العربية الآن. إن الزخم الكبير الذي عرفته الرواية العربية في السبعينيات والثمانينيات هو نفسه الذي عرفته الدراسات النقدية العربية في المرحلة البنيوية. فبروز أسماء كبيرة على امتداد خريطة الوطن العربي، هو الذي أدى إلى بروز القولة الأسطورية: «الرواية ديوان العرب» الجديد. لقد راكم الكثير من الروائيين تجارب خاصة، وصار لكل منهم عوالمه ولغته ومتخيله، لكن كل ذلك جرى في نطاق تشكيل رؤية روائية جديدة ومتجددة حاولت العمل على تجاوز الرواية العربية الواقعية. هل أذكر حنا مينة وهاني الراهب وحيدر حيدر ونبيل سليمان، وفؤاد التكرلي وعبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وإلياس خوري وإميل حبيبي والغيطاني وصنع الله إبراهيم وعبد الحكيم قاسم والطيب صالح، وأحمد المديني وعز الدين التازي والميلودي شغموم والطاهر وطار وواسيني الأعرج وغيرهم كثير. لقد أسهم كل هؤلاء الروائيين في بلورة رواية عربية «جديدة» و»تجديدية» بكل معاني الكلمة، ولكل منهم إضافته الخاصة، وما يميزه عن غيره. وجاء بعد هؤلاء كتّاب يسيرون في الركب نفسه، يطورون الكتابة السردية العربية ومحتوياتها، مستفيدين مما تحقق من منجزات وتقنيات جديدة. الآن برزت أجيال جديدة، لكن تعدد التجارب وتوزعها يجعلانها علامات فردية، وليست تعبيراً عن تجربة جديدة لها ملامحها الخاصة والمائزة كما كان الأمر عليه مع رواد التجربة الروائية العربية الجديدة. وإني لا أرى في الروايات الجديدة هاجساً لتجاوز «الرواية العربية الجديدة». إن أغلب الكتابات المعاصرة تنويع على تلك التجربة، وليس لها أفق لتجاوزها.

■ هناك أيضاً روائيون شباب، هل يمكن معهم الحديث عن رواية عربية جديدة؟
للرواية إغراءاتها، وصارت تستقطب اهتمام كثيرين من عشاق الرواية وقرائها والمهتمين بها. وتظهر بين الفينة والأخرى أسماء تقتحم الساحة الثقافية بروايات متميزة تفرض نفسها، ومن داخل الأقطار العربية كافة. وصارت للمرأة مكانتها الخاصة في الإنتاج الروائي. هذه كلها علامات دالة على التطور المفترض الذي يمكن أن تعرفه الرواية العربية مع هذه الأجيال الشابة. لذلك، فإني أتوقع للرواية العربية مستقبلاً زاهراً متى توافر شرطان أساسيان: المواكبة النقدية الجادة، لا الإعلامية، من لدن النقد الصحافي والأكاديمي. ثانياً: انشغال الكتاب الشباب بتعميق رصيدهم المعرفي بالكتابة الروائية، وإخلاصهم في عملهم، وألا يشغلوا أنفسهم بالجوائز بالدرجة الأولى، وأن يتجاوزوا الحساسيات المرضية التي يمكن أن تصيب المبدعين.
إن أهم شيء يمكن أن يعنى به الروائي هو اللغة. ولا غرابة في ذلك. لقد أدى الشعر العربي قبل الإسلام دوراً كبيراً في إعطاء اللغة العربية طابعها الخاص، في المرحلة الشفاهية. كذلك، قامت اللغة الروائية في أوروبا بالدور نفسه في تشكيل اللغات الوطنية وإعطائها خصوصياتها وبلاغتها المتميزة مع مرحلة الطباعة. ولا بد للرواية العربية الحديثة، أن تضطلع بالدور نفسه في منح اللغة العربية الحديثة والمعاصرة جماليتها التعبيرية والتداولية لتستفيد من منجزات المرحلة الطباعية، وتكون بذلك تسهم في الانتقال إلى المرحلة الرقمية.

■ ما رأيك بالنقد الصحافي ومراجعات الكتب في الصحافة المغربية والعربية؟ هل هو مكمل للنقد المنهجي؟
ارتبط النقد الأدبي العربي بالصحافة في العصر الحديث، أكثر من ارتباطه بالجامعة. لذلك، نجد كبار النقاد العرب اشتغلوا بالصحافة. وكان هذا من العوامل التي أسهمت في تطوير النقد الأدبي وجعله مرتبطاً بالقراءة والإبداع. لكن النقد الأكاديمي ظل بمنأى عن الإسهام في التطوير. وأرى هذا من العوامل التي شاركت في تأخر الدراسة الأكاديمية التي لم تتطور، على الصعيد العربي، إلا في المرحلة البنيوية. وحسب تصوري الخاص لا يمكن أن يتطور النقد الصحافي إلا بتطور الدراسات الأدبية الأكاديمية. إنها هي التي تمدّه بما يجعله مكملاً ومواكباً لما ينتج أدبياً. وعندما نعرف جيداً، أن أي عالم أدبي، لا يمكنه إلا أن يشتغل بالنقد الأدبي تبرز لنا العلاقة الوطيدة بينهما. لكن للأسف الشديد نجد العديد من الباحثين عندهم إمكانات مهمة للمشاركة في النقد الصحافي، لكنهم عندما ينهون أطاريحهم ينصرفون عن النقد. والذين يمارسون النقد ليست لهم جميعاً معرفة أكاديمية بالمناهج والتيارات. وعندما نلاحظ الآن الملاحق الثقافية المغربية والعربية، نجدها عاجزة عن مواكبة المستجدات الإبداعية والنظرية التي تتحقق في الغرب. ويمكن قول الشيء نفسه عن المجلات الأدبية والثقافية، إذ قلما نجد فيها دراسات تسهم في النقاش الأدبي، عامة، والروائي خاصة.

■ الأدب الرقمي هل يمكن أن يصبح بديلاً من الأدب الورقي؟ هل ينافسه؟
ليس في إمكان الأدب الرقمي أن يكون بديلاً ولا منافساً. فالأدب أدب. وهذا الأدب يمكن أن يشارك فيه الأديب تارة ورقياً، وطوراً رقمياً. فالمشكلة ليست في الوسيط، ولكن في الـ»أدبية». فعندما نكون عاجزين عن إنتاج أدبي حقيقي ورقياً، لا يمكننا أن ننتج أدباً راقياً رقمياً مهما كانت محاولاتنا وادعاءاتنا. الوسيط يمكن أن يعطي إمكانات مختلفة، وأحياناً متطورة، وأحيانا أخرى يوفر سبلاً متعددة للتخيل وللإبداع؛ ولكن العجز عن تمثل مختلف الإمكانات والوظائف المتنوعة التي يمنحها الوسيط، لا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق إبداعية أفضل وأعمق. وأرى أن الأدب الرقمي العربي ما زال في حاجة إلى فترة أطول ليتحقق لأسباب متعددة تتصل بخصوصية الوسيط الرقمي، من جهة أولى، وبغياب ثقافة رقمية عربية، من جهة أخرى، وبسبب عدم مواكبتنا للأدبيات الرقمية الأجنبية التي ما زالت هي أيضاً بدورها تتلمس الطريق، وتبحث عن آفاق جديدة للإبداع، من جهة ثالثة. كل هذه العوامل، ولا سيما ما اتصل منها بغياب الثقافة الرقمية، تؤدي دوراً حاسماً في تأخر تبلور إبداع رقمي عربي. لقد بدأ الآن يتزايد الاهتمام بما هو رقمي من لدن الكتّاب والدارسين، ولكنه غير كافٍ، ويتطلب ذلك زمناً للانتقال إلى مرحلة أخرى أكثر إبداعية.

■ فزت أخيراً بجائزة الشيخ زايد للكتاب في مجال الدراسات النقدية، هل الجوائز العربية تشجع الكتّاب العرب وتحفزهم؟
الروائيون أوفر حظاً من غيرهم في الجوائز. هناك مؤسسات عربية ومحلية كثيرة تهتم بالرواية، وتخصص لها جوائز قيمة. ولعل هذا من العوامل التي تشجع على الكتابة وتحفز على الإبداع. لكن هذا التشجيع في غياب عشق الإبداع والبحث الجاد، يمكن أن تكون آثاره سلبية لأنه سيدعو إلى التسرع والاستعجال، وفي هذا قتل لبعض المواهب التي يمكن أن تتزبب وهي حصرم. وتلك آفة الإبداع والبحث حين لا يصدران عن اقتناع وتفانٍ من لدن الكاتب أو الباحث. التشجيع ضروري، لكن التفكير الجاد والعمل المتواصل هما الكفيلان بتحقيق المراد الأسمى، وهو انتقال الثقافة العربية إلى المستوى الذي يؤهلها لاحتلال مواقع على الصعيد العربي أولاً، العالمي ثانياً.
العلوم اللسانية والاجتماعية
والإنسانية لا يمكنها أن تشارك
في تطوير الأفكار من دون
اشتغالها بالأدب

■ ما هو موقع الثقافة العربية على المستوى العالمي؟
يراود العرب كثيراً همّ العالمية وحلمها. ولكنهم لم يوفروا لها كل المستلزمات الضرورية لتصبح واقعاً. فلماذا نجحت الرواية في أميركا الجنوبية فيما عجزت عنه الرواية العربية، رغم أن بعض علاماتها لا تقل أهمية عن نظيرتها الجنوبية. لا يتعلق الأمر بالكتابات النقدية التي تهتم بمنجزات الرواية الأميركية الجنوبية فقط، ولكن بإبداعيتها أيضاً التي تتمثل في خلق عوالم تخييلية تنبع من خصوصية الثقافة، وتكون معالجاتها ذات أفق إنساني. هذه التجربة تكاد تكون مفتقدة في روايتنا التي نجدها تتعثر في حمل قيم فكرية وثقافية خاصة، وذات أبعاد إنسانية. ويمكن قول الشيء نفسه عن الدراسات الأدبية العربية. فهي عاجزة عن مواكبة جديد النظريات، واستيعاب أبعادها وخلفياتهـا. ولذلك يهمين، على المستوى النظري والعملي، اقتطاع عناصر من النظريات ومحاولة تطبيقها على الرواية العربية. ولا يمكن هذا أن يسهم في تطوير النظرية الأدبية العربية التي ما زالت مشدودة إلى التأويل والانطباع. ويبدو هذا بجلاء في مقرراتنا الأكاديمية حيث العجز عن مواكبة النظريات المختلفة، وفتح نقاش جماعي حولها بهدف استيعابها وفهمها، من خلال العمل الجماعي. إننا من دون مواكبة هذه النظريات، لا يمكننا الاجتهاد في الاشتغال بها والعمل على تطويرها. ويمكن أن نلاحظ مثلاً أنّ الدراسات السردية الحديثة، بدأت مع الشكلانيين الروس في موسكو في العشرينيات، ثم انتقلت إلى باريس مع البنيوية في السبعينيات، التي أسهم فيها باحثون من مختلف الجنسيات. وها هي السرديات مثلاً تتطور الآن في ألمانيا وأميركا وأوستراليا. بالنسبة إلينا، نحن العرب، عندما تنتقل إلينا مثل هذه النظريات، نخوض سجالات عقيمة حول أهميتها أكثر مما نعمل على فهمها وهضمها وتطويرها. وعندما تظهر نظريات جديدة، وتنتقل إلينا انتقالاً ناقصاً، نقوم بالعمل نفسه. نتساجل أكثر مما نفهم أو نبدع، ثم سرعان ما نتخلى عنها، لننخرط في غيرها. هذ المسار لا يمكن أن يؤهلنا للإسهام في تطوير الفكر الأدبي الإنساني. لذلك سنظل على هامشه، ولا يمكننا الإبداع من داخله من دون معرفته. وكل الذين يتحدثون عن «نظرية عربية» خالصة، وهم يعيبون على من يتفاعل مع النظريات الأجنبية، أعجز الناس عن التفاعل مع الفكر الأدبي العربي القديم وتجديده بالصورة التي يمكن أن تجعله واقعاً راهناً. ومدار اللبس أنّ تطوير الفكر الأدبي العربي القديم رهين بتجديد رؤيتنا، وأدوات تفكيرنا في ما أنجزه العرب القدامى، وهو مهم جداً.
إن مدخل تطوير فكرنا الأدبي والإبداع الأدبي ليصبح له موقع عالمي، يمرّ أولاً من خلال جعل الأدب قطب الثقافة العربية. إن خصوصية أي ثقافة تكمن في الدرجة الأولى والأخيرة في ما يبدعه كتابها من آداب وفنون. ومتى تطور هذا الإبداع، تطورت الدراسات التي يمكنها بدورها أن تسهم في تطوير الفكر في مختلف تجلياته. فالعلوم اللسانية والاجتماعية والإنسانية لا يمكنها أن تشارك في تطوير الأفكار من دون اشتغالها بالأدب. وما دام التصور العربي السائد يقلل من قيمة الأدب ودوره في الحياة العامة، والثقافة، لا يمكن أن نبدع، أو نفكر في الأدب، أو نطورهما عربياً، بله أن يكون لهما موقع في الثقافة الإنسانية.