في مقدمة روايتها «قصر الحلوى»، تذكر التركية إليف شافاك (1971) تصورها النظري عن الكتابة الروائية، لكننا سننتظر انتهاء الرواية كي ندرك مدى التزامها بفكرتها حول دحرجة كرة السرد عبرَ مسالك عدة، ثُمّ إعادتنا في النهاية إلى نقطة البدء ذاتها. لقد بدت الكاتبة منظّرة في القسم الأول، ووفيّة لنظريتها حين تشرع بالكتابة. ستأخذ دوائر السرد بالاتساع والتشكّل في اتجاهات بعيدة عن صلب الحكاية إلى درجة يخال القارئ أنّ الرواية تتكون من قصص متباعدة بالفعل، من دون رابط عدا المكان، الذي لا يتصف، بدوره، بسمة جامعة. حالما تكاد الكرة تنفلت من كلّ رابط، حتى تعيد الكاتبة جمع ما انفلت وفق مبدأ حلول الصفحات الأخيرة.

في الرواية التي انتقلت أخيراً إلى العربية عن «دار الآداب» (ترجمة محمد درويش)، تذكر الكاتبة فلسفتها بشكل مباشر في البدايات، ثُمّ تواري تلك الفلسفة في سلوك شخوصها، التي تبدو انعكاساً لتصوّر واحد للوجود، حيث الخارج مُنتَج الداخل. تطرح شافاك سؤالين فلسفيين تقليديين: لماذا؟ إلى أين؟ لتضع إجاباتها غير المحتمّة في قالب حكائي ثري ومتنوع.

تتحدث عما تسميه «الخصائص العقلية الواهية للأقلية»

تصلنا قصة المكان، قصر الحلوى، عن طريق سرد حكاية صاحبه المؤسس، الجنرال الروسي الذي دفعته الثورة الروسية للهروب إلى تركيا. هرب من إمبراطورية هوت بحثاً عن ملاذ في إمبراطورية توشك أن تهوي. ستفقد زوجته طفلتها، ويرحلان مجدداً إلى باريس، ليتزوج مرة أخرى ويعود إلى اسطنبول بعد سنوات طويلة، ويبني «قصر الحلوى» في منطقة كانت مقابر للأرمن والمسلمين. يقدم القصر هدية تشبه الاعتذار لحبيبته، بعدما اعتبرها طوال سنوات سجلاً شخصيّاً له. تؤول ملكية القصر في النهاية إلى ابنته، التي ستدير شؤونه من باريس. لم تكترث بإحضار المقتنيات الشخصية لوالدها، لتتولى ذلك أرملة عجوز مهتمّة بجمع ما يقوم الآخرون بالتخلي عنه. من هنا بالضبط، ستجيء فكرة الرواية. سيتحول «قصر الحلوى» إلى ما يشبه مكبّ نفايات؛ يحتشد البق في كلّ زواياه وتنتشر الصراصير في كلّ حدب وصوب منه. ستصور العمارة كمصحّة أمراض عقليّة، حيث التعفّن والتفسّخ؛ وسيفقد الجميع أشكالهم ويختلطون بمختلف الأشياء، فالرواية باختصار تتحدث عن تاريخ نفاذ البشر والصراصير والأطعمة والمواد. على هذا المنوال، اختارت الكاتبة شخصياتها متنوعي العقد النفسيّة، لكن يبرز ضمن سكان القصر، توأمان متناقضا السلوك، يعملان في صالون للحلاقة. تستغل الكاتبة الصالون كي تجعله مكاناً لالتقاء سكان القصر، المرأة غريبة الأطوار وابنتها التي تشكو من القمل، العمّة والعشيقة الزرقاء، الرجل العجوز وأحفاده، الطالب الجامعي وكلبه، أبناء الطبع الناري وغيرهم.
يبرز أيضاً، البروفيسور الذي يضيع في مقارنات بين عشيقته وطليقته مستمتعاً بتلك الفروق، التي تكون بمعظمها مقاربات ذهنية، تهدف إلى مقارنة الأعراف الاجتماعية بين الشرق والغرب، وتصوير ذلك معضلةً ثقافيّة في المجتمع التركي. أضف إلى ذلك المثلية الجنسية التي تحاول توظيفها في السرد على أنّها «هبة اجتماعية»، واعتبار عدم الزواج شكلاً من أشكال «المقاومة السياسية». في المحصلة، بدت روايتها مشتتة في كلّ ما سبق، من دون سؤال جوهري، وفي ذلك يكمن أسلوبها، إلى أن تحاول في النهاية ربط الخيوط التي شتتها في عقدة واحدة، ستعيدها إلى رؤيتها الفلسفية حول الوجود، بدءاً بالتكرار الأبدي إلى الخطوط العمودية التي تشكل نشازاً في الحياة الأفقيّة. إنّها تضع كلّ سلوك شاذ في إطار عمودي، فتشكل تلك الأعمدة مشاهد فارقة في لوحتها التركية متعددة الألوان.
وكما هو معروف في جلّ أعمالها، تنشغل الكاتبة هنا أيضاً بقضايا الأقليات، لكنها تقترب على نحو خجول وحذر من تفكيك الهويات الأقلوية. إنّها لا تفكر بتحليل الشخصية التي تتصف بهاجس الأقلية تحليلاً عميقاً، بل تكتفي بذكر انطباعات ذاتية في متناول الجميع، حول التشابه النوعي للأقليات التي تتصف بأنّها «نكدة الطالع» بسبب الخوف من المستقبل. إنّها تتحدث عما تسميه «الخصائص العقلية الواهية للأقلية»، عن الإحساس الدائم بانعدام الأمن، وأزمة انتماء وسطوة خوف، مصدره يكمن داخل الفكر الأقلوي لا من تهديدات خارجيّة فعلية!
تستعرض شافاك عدداً كبيراً من العادات والمعتقدات، لكننا بحذر بالغ يمكن أن نقول إنّ روايتها تتخذ من الإرث الجمعي خزاناً للكثير من مقارباتها للحكايا المتنوعة التي سردتها، إذ يحضر عالم الجان والسحر والخرافات الجوفاء، إضافةً إلى الإيمان العنيف بالأولياء. لكنها لا تقدم ذاك الاستعراض من جانب هجومي، بل تتخذ من الفن الروائي مرآة جامدةً لعالم متصارع، يواجه أسئلة شتى حول الهوية والمستقبل.
تتحدث شافاك عن قلب نظام الأشياء، وهذا هو جوهر الحداثة وفق منظورها، إلا أنّها تبقى مهادنة إزاء جميع الإشكاليات التي طرحتها، وتخبرنا، كي تُوقِف تساؤلاتنا عن التركيز العجيب على عالم الحشرات، بأنّ القمل لا ينتمي إلى الخارج بل إلى الداخل. إنّه ينتمي «إلينا شخصيّاً». وفي نهاية الأمر، سينسحب كل فرد إلى ما ينتمي إليه، نافيةً «الفردانية» التي كانت قد بدأت روايتها بالدفاع عنها.