وجهي بلا عينين يحفر في زجاج النافذة. القطار بطيء وأزيز جهاز الحفر في رأسي. الكتاب يخرجُ ويدخل مُعلّماً على الصفحة ذاتها في الحقيبة، من قبل عام أظن، وعلكة قديمة وخيوط أسنان وفواتير مجعدة. ناقمة على ماذا؟ أُرخي كتفيّ عملاً بالنصيحة، طبيبة الأسنان تحسست فكي في النهاية وعجّلتني بالنهوض. بعظمته المشدودة يكشف عن كوابيسي.

نوبة فزع تضرب معدتي مع الصوت وهو يستطيل، يستدق، التوقف الألكتروني الناعم للقطار، المغص ولا بد خشية من يقيني في أن الوقت سيقفز بغفلة عنا أمام القطار، بكل ما سرقه مني، مثل الذي فات قبله.
يدخل القطار تحت الأرض. نقترب من المحطة التي تشتهر بأنها الأمثل لفعل الانتحار. يحلّ الصمت وتنقبض النفوس طوال النفق المظلم، بينما القطار يتهادى حذراً متوجساً وكأنه يمر بمنطقة ألغام.
وجهي يحفر في الزجاج. العمال ينزلون مصابيح زينة أعياد الميلاد ويرفعون قمامة احتفال رأس السنة المتخلفة في الشوارع. رأيته، يهرب عبر الجدار الخلفي، يختفي بين الحشود، يتسلق الأبراج، ويتسلل عبر الحدود. أعتلي أعلى مصطبة، ألمحُ صرّته من بعيد بينما أركض خلفه في مكاني. سرقني وغنائمه محاضر دفاع بخط يدي عن تهم رُفعت ضدي، أنصاف قصص، كؤوسٌ ظلَّ نصفها فارغاً، علب حبوب مسكنات، وكثير من باقات ورد كلّلتُ بها روحي بين اليوم والآخر.
أنتِ أقل منكِ، مآسيكِ مختَلقة وعقلكِ عضوٌ مجترّ، والعالم كان قبل أن تكوني.
رفعت رأسي. لم أتنبه إلى مَن غادَر ومَن جلس إلى جواري. منذ عام، يرقص الأسد مع الحوت، ومالت السيدة العجوز من مقعدها صوب الطفل مقابلنا، ناولته جريدة المترو المجانية ليتهجى برجها بصوت عال.
أنيقة قدر استطاعتها، رأسها يهتز مثل رقبة أسدٍ في مقدمة شاحنة، تضع اصبعها على البرج وتُعينه ليخرج من فمه الكلمات.
في الحب أربعة من ستة.
في العمل أربعة من ستة.
والحيوية أربعة من ستة.
شكرته ممتنة، وبيدٍ خلعتْ عنها قفازها الأبيض استعادت منه الجريدة وأخذت تمسدّها.
رمقتُ الحروف الناعمة بزاوية عيني. أرقص مع مَن؟ خطواته أسرع منكِ، والآخر شديد العاطفية حداً لا تحتملينه. تكرارات لصياغات لها وقعها الشاعري بلغتها الأجنبية. سحر كلمات الأبراج البسيطة يكمن في أن لها القدرة على الإيهام بأنكَ غير منسي!
وجهي في الطفل أمامي، عاد يتابع القراءة في كتابه، خشيت لانهماكه أن يفوته النزول. أمعنتْ العجوز بثني الجريدة وطيها وكأنها تدربت على الأوريغامي لسنوات.

ركض العام من خلفي، تبعني، تقدمني وأنا الهث، بينما القطار بطيء مهموم، بطنه مثل حوت يونس؛ زحمة وشاشات لبث إعلانات وملصقات. مفاجآت لا تحتملها القلوب الضعيفة. مثل بيت الأشباح في التيفولي؛ في لحظة سيبرز لك وجه عدو مفترس وسيبدو الركاب مثل قطع متناثرة أو أسنان مخلخلة توشك هلعاً على السقوط.
انها لعبة القطارات. متشردون أنيقون يصعدون وينزلون، يجلسون إلى جوارنا، يستجدون الوقت منا، بينما نحن هاربون داخل رؤوسنا. ونحن نصعد وننزل ونجلس إلى جوارهم نقرأ طالعنا في وجوههم بينما نستجدي الوقت بدورنا منهم.

نهضنا بوقت واحد مبكر استعداداً للخروج، من أجل اللحاق بالقطار التالي. مدت العجوز عصا المكفوفين لتحسس الطريق أمامها، أزاحتني بلكزةٍ قوية عن عمد آلمتني، تدافعت من أجل أن تتقدمني في النزول وهي تردد بصوت محايد بارد ومسموع للجميع؛ مهلكِ عزيزتي... على مهلكِ.

* من مجموعة بعنوان «لا تقصصي القصص يوم الأربعاء»، تصدر قريباً عن «منشورات المتوسط».