صدر للمؤلف اللبناني الكندي كمال ديب كتاب «تاريخ لبنان الثقافي: من عصر النهضة إلى القرن الحادي والعشري (دار المكتبة الشرقية ـ بيروت) الذي يضم 15 فصلاً وملاحق وفهرس أعلام ولائحة المراجع باللغات العربية والأجنبية.

يتميّزُ الكتاب بعرضِه الشيّق وبحثِه الممتع، بعيداً عن المؤلفات التقليدية التي تّتسم عادة بتجميع البيانات والوقائع بطريقة جافة. هنا سيجد القارئ فصولاً حيّةً وممتعةً، عن الثقافة في لبنان في ميادين الأدب والفكر والغناء والموسيقى والرقص الشعبي والفولكلور والمسرح والسينما والمطبخِ والشعر. وكلّها مجالات كانت، ولا تزال، تنمو وتزدهر في لبنان. كما يخترق الكتاب هاجس أسبابِ صعودِ وهبوطِ لبنان الثقافي خلال قرن، وشروطَ عودته الجديدة، في قالب فكري حول واجبات المثقّف والانفصام بين الفكر المدني المعاصر والفكر التراثي.
يعرّف في الفصل الأول بالثقافة والمثقف، ويستعرض في الفصل الثاني لبنان عشية النهضة وصعود بيروت كمركز ثقافي والتنوّع الديني والرباط الأوروبي وازدهار التربية والتعليم. أما في الفصل الثالث، فيشرح النهضة الثقافية في لبنان وأهمية بيروت والقاهرة ودور المدارس والمطابع والجمعيات والصحافة، إلى تجديد اللغة العربية والمصطلحات وكذلك الأبعاد السياسية للنهضة. ويطرح سؤالاً: لماذا مثلّث حلب بيروت القاهرة وليس أماكن أخرى وراء ولادة النهضة وانطلاقتها.
ثم يخصّص الكاتب الفصلين الرابع والخامس للآداب من إحياء اللغة العربية وتأثير الثقافات الغربية ودور الفلسفة، ويعرّج على أهمية جبران خليل جبران في تجديد اللغة والأسلوب. ثم يطرح موضوع الأدب الملتزم في الخمسينيات. وينتقل في الفصل السادس إلى الفولكلور والرقص الشعبي ودوره في خدمة الفكرة اللبنانية واستمرارية الكيان، وكذلك شرح مشوّق عن «مهرجانات بعلبك الدولية». وفي الفصل السابع فصل عن موضوع لطالما أهملته الكتابات الثقافية سواء في الإعلام والصحف أو في الكتب وهو المطبخ اللبناني: طعام القرية اللبنانية، جذور تاريخية للمطبخ اللبناني، تقاليد المطبخ وانتشاره، طعام المدينة اللبنانية، ووجبات الطعام.
ويحتل الغناء والموسيقى عدداً مهماً من صفحات الكتاب، حيث يتطرّق الفصل الثامن إلى نهضة لبنان الموسيقية والمدرسة الرحبانية وإذاعة «الشرق الأدنى»، وانتشار الموسيقى اللبنانية في سورية وفلسطين، و«مهرجانات بعلبك»، والليالي اللبنانية والفيلم الغنائي والأغنية اللبنانية وهموم السياسة، وفيروز، ونهاية زمن الفولكلور، وزياد الرحباني كمجدد للموسيقى اللبنانية، فأغنية الـpop، ثم لائحة بفناني البوب الغنائي.
ويتناول الفصل التاسع الشعر من القصيدة النهضوية وسعيد عقل وخليل حاوي ويوسف الخال، وكيف أصبح لبنان ملجأ الشعراء العرب، بخاصة أدونيس ومحمود درويش ونزار قباني.
أما المسرح اللبناني، فهو يغطي الفصلين العاشر والحادي عشر: المسرح الغنائي والمسرح الجاد، المسرح اللبناني قبل 1850، مسرح مارون النقاش، المسرح اللبناني الحديث، فرقة المسرح المعاصر، فرقة محترف بيروت للمسرح، فرقة المسرح الاختباري، المسرح الوطني «شوشو»، الفرقة الشعبية اللبنانية «الرحابنة»، ومقابلة مع الكاتب المسرحي فارس يواكيم، ثم مسرح زياد الرحباني من 1969 إلى 1996.
وينتقل الكتاب إلى السينما اللبنانية من 1960 إلى 1980 مع سينما محمد سلمان، وغاري غرابتيان، وسمير الغصيني، وفؤاد شرف الدين، والسينما اللبنانية في زمن الحرب مع برهان علويّة ومارون بغدادي، وسينما ما بعد الحرب وأزمة تمويل السينما والتسويق والتوزيع والرقابة وسينما الواقع ثم لائحة الأفلام اللبنانية المعاصرة.
ويخلص الكتاب في مواضيعه إلى موضوع الفكر في الفصلين الثالث عشر والرابع عشر: هنا مناقشة حول منحيين فكريين في لبنان يتعايشان وانقسام حول الفكرة اللبنانية، وكمال الحاج، وانقسام حول المقدّس، والمثقف التراثي، وجورج قرم وجورج طرابيشي ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون وعبدالله العروي وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد، ثم إمكانية طرح مشروع فكري، والثابت والمتحوّل ونقد العقل العربي ونقد الفكر الديني والهجمة المضادة، وسؤال حول نهاية الحضارة العربية.
ويخلص الكتاب إلى مناقشة انتكاسة النهضة: وهل هي موت مدينة (بيروت) أم موت مدنية (العرب)؟ ويطرح مأزق المثقف ونموذج المثقف (جبران خليل جبران وإدوارد سعيد وأدونيس) وموضوع طغيان واستبداد الفضائيات، وكيف أصبح المثقف اللبناني عبداً للمال، ثم انهزام فكرة العروبة والانهيار الثقافي، وصولاً إلى عودة الأمل.

كان مثلّث حلب بيروت القاهرة حضن النهضة وانطلاقتها

«تاريخ لبنان الثقافي من عصر النهضة إلى القرن الحادي والعشرين» يبرز لبنان الجمال، رائداً في النهضة العربية وحامل منارة الحضارة لكل العرب في القرن الحادي والعشرين، بعيداً عن شلال الكتب التي تصدر منذ عقود وتُعطي صورةً سوداويةً عن أوضاع لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كتاب يبعث على التفاؤل ويدعو إلى تأمّل الكنز اللبناني الكبير من حولنا. هو محاولة متواضعة لتأريخ مائة وخمسة وعشرين عاماً من الثقافة في لبنان بأوجهها العديدة. ولا ضرورة للإفاضة هنا عن الحاجة إلى مثل هذا الكتاب عن تاريخ لبنان الثقافي. وثانياً، الإضافة المهمة هنا هي ابتعاد هذا الكتاب عن السردية الرتيبة التي وصمت الكتب الساعية للشمول وانتهت إلى استعراض باهت لبيانات ووقائع وبأسلوب ممّل. في هذا الكتاب أطروحة تُقدّمُ إشكالية واضحة تخالف العرف السائد. وثمّة حرص طبعاً على تقديم أبواب الثقافة، ولكن كقضايا لا كمسحٍ لأهم الأسماء والكتب والنتاجات الفنية في كل باب. يختار المؤلف مسائل وشخصيات محدّدة وليس كلها طبعاً. والقارئ الفطين سيدرك استحالة الإحاطة بكل المسائل وكل الشخصيات، والناقد الثقافي سيقرّر أهمية المواضيع والشخصيات التي يطرحها الكتاب من عدمها. وجاء في مقدمة الكتاب: «تاريخ لبنان الثقافي مليء بأسماء شهيرة وكبيرة، ويؤلمنا التضحية بمعظمها، ونكتفي بمَن واجه قضايا معاصرة ومثّل جيله. وحتى في القضايا المطروحة، فإنّنا نقتصر من لائحة كبيرة على بضع قضايا تعكس اهتمامات ثقافية تخدم سياق الأطروحة: الالتزام الأدبي والمسرحي، التأثيرات الغربية، الحداثة، المقدّس، المثّقف، الثورة في المسرح والأدب، التجديد اللغوي، العلمنة، الفكرة اللبنانية، الهوية، الخ. ذلك أنّ عالم الثقافة واسع ما أن يشعر المرء أنّه كاد يدركه حتى يتّسع ويتشّعب، ويصبح تأطير الأفق المطروح ضرورياً».
أما أطروحة الكتاب، فيشرحها المؤلف كالتالي: «إنّ نهضة لبنان الثقافية بنكهة عربية وأوروبية قادها أرباب الفكر الحديث (سواءً من أصحاب «الفكرة اللبنانية» أو من «فكرة العروبة العلمانية الديمقراطية»)، فقدّموا فنوناً جميلة وأنجبوا شعراً وفكراً وأدباً وكتباً وموسيقى ومسرحاً. وهذه النهضة كانت ممكنة في لبنان في منتصف القرن التاسع عشر لما تمتّع به البلد باكراً مقارنة بالدول العربية، من بنية تحتية ثقافية - من مؤسسات ومعاهد ومطابع ومكتبات - ولانفتاحه على أوروبا، وأيضاً لما تمتّع به في القرن العشرين من أجواء حرية جعلته رائداً ومغناطيساً ثقافياً لما وفّره كمنفى وواحة لمثقفي العرب. وحتى الحروب والأزمات، لم تلغِ دور لبنان في ظل غياب بديل عربي حتى كتابة هذه السطور. وبسبب هذه الخصائص، نتبنّى نظرة تفاؤلية للمستقبل بأنّ لبنان لا يزال يعيش عصر النهضة في القرن الحادي العشرين».
ومن هذه الأطروحة يطرح المؤلف «إشكالية» الكتاب هي أنّ لبنان والعرب شهدوا ولادة النهضة ونقيضها معاً وأنّ هذين الوليدين في صراع مرير ومستمر. يعني ذلك أنّ ثمّة اتجاهين هما اتجاه النهضة واتجاه الرجعة، فيرفض الكتاب التعاطي الطوباوي مع جذور النهضة العربية، وتحديداً التعاطي التوفيقي والاعتباطي الذي يجمع بين الديني والعلماني، والحداثوي والتراثي، واضعاً في سلّة واحدة بطرس البستاني وجبران خليل جبران وشبلي الشميّل وفرح أنطون وغيرهم، مع جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا. الدعوة إلى التراث عودة إلى الماضي لا تشبه الدعوة إلى الحياة المدنية والنهضوية التي حاكت الحواضر الأوروبية ونظرت إلى الأمام والمستقبل. العودة إلى الدين كانت النطفة التي ولّدت بعد عقود قليلة تيارات متشدّدة من اخوانية وسلفية، وكانت السبب الرئيس ـ بعدما توفّر لها المال والدعم الخارجي ـ لانكفاء النهضة العربية منذ 1967 وتراجع دور لبنان منذ 1975 وطغيان التفسّخ الطائفي والمذهبي مكان الفكر المتنيّر، وحلول الرجعة الدينية مكان الفكرتين اللبنانية والعروبة.
أخيراً، كتاب كمال ديب يسدّ حاجة ملّحة، في المكتباتِ والمدارسِ والجامعاتِ إلى مرجعٍ أساسيٍ عن بلدٍ محوريٍّ، ليس في ريادةِ النهضةِ العربيةِ وضخِّها بألوانِ الفنونِ فحسب، بل كمنارةِ إشعاع للعربِ في القرنِ الحادي والعشرين، بفضلِ ما قدّمه ويقدّمه من مناخِ حريّة وبنية تحتية ثقافية وكبلدٍ عربي بنكهةٍ أوروبية. هو كتابٌ للقارئ المهتمِ بالشأنِ الثقافي بشكلٍ عام، كما للباحثِ والإعلامي والطالبِ الجامعي، في لبنان والدول العربية، سواءً في كليات العلوم الاجتماعية والإنسانية أو في فروعِ التاريخِ والأدبِ والفلسفةِ وعلمِ الاجتماع.