بعد مسيرة شعرية طويلة بدأها خلال دراسته الثانوية، يحرّض أمجد ناصر (1955) قرّاءه على البحث عن إجابات لأسئلة كثيرة تطرحها شخصيات روايته الثالثة «هنا الوردة» (دار الآداب). تحضر بيروت في الرواية عبر التساؤل. هل هي المدينة المقصودة بمدينة السندباد؟ هذا أحد الأسئلة. يترك الشاعر والصحافي والروائي الأردني أخيراً للقارئ أن يعرف أي المدن يقصد حين يتحدث عن الحامية ومدن الحدود. هل هي دمشق أو عمان وأي مدن بين هذه البلاد الثلاثة هي التي تدور فيها الأحداث؟
أسلوب شعري حميم خصوصاً في تناول الجوانب العاطفية لشخصيات روايته

الأسئلة تنسحب أيضاً على الأحداث التي تتوزع على أربعة فصول في الرواية. لجأ ناصر إلى إيقاع بطيء، ربما لإفساح المجال لتمرير هذا الكم من الأسئلة عن كل تفصيل يرد فيها. رواية تحكي سيرة يونس الذي يدخل في دوامة أحداث متلاحقة تقلب حياته وتغربه عن بلاده التي كان يطمح لتغيير واقعها. من هو يونس؟ هذا «الخطاط الصغير»، هل هو شخصية روائية أم هو ناصر؟ ربما فيه من ناصر نفسه أيام شبابه وبداياته في الأردن شاعراً ومناضلاً ولشخصيته شبه بأصدقاء الشاعر في زمن الأحلام الكبرى بتغيير العالم؟
ناصر الذي أسس قسم الثقافة في صحيفة «القدس العربي» بعد عمله مع الشهيد غسان كنفاني في «مجلة الهدف» في بيروت، يتحدث دائماً عن ذاته التي يوزعها على شخصياته الشعرية والروائية. ذات يبدو تتبع آثارها سهلاً في يونس الشاعر المتمرد الذي ينخرط في العمل السياسي السري ويزور مدينة على البحر نظن أنها بيروت. ذات الشاعر الذي كان من أوائل من كتب قصيدة النثر التي تحضر في الأسلوب الشعري الرقيق والحميم ولا سيما حين يتناول الجوانب العاطفية لشخصيات روايته. الأسئلة تنسحب أيضاً على أحداث الرواية، فعن أي تمرد في جنوب البلاد يتحدث ابن قرية الطرة الأردنية المولود باسم يحي النعيمي في أوساط الخمسينيات؟ من هو الحفيد، حاكم الحامية؟ ملك الأردن الحالي أم قد يكون أي حفيد لأي نظام عربي يغير أسماء ووجوهاً ولكن بالمضمون نفسه؟
إنها رواية تحرض على التفكير بلا شك، فالأسئلة كثيرة، وكل حدث يحمل إحالات على أسئلة مختلفة؛ عن التراث والتحديث في الشعر والخط العربي والعمل الحزبي عامة. أسئلة مستترة ولكن من الصعب تجاهلها. ينجح ناصر في جعل القارئ يضع الرواية جانباً ليرتب الأحداث التي يباعد بينها طول السرد لتقديم تفاصيل عن الشخصيات والأحداث، وهذا التفكير من بديهيات الأدب: أن يحرض على مزيد من المعرفة وأن يفتح مزيداً من الأبواب على مصادر جديدة للمعلومات لفهم العالم من حولنا، لا أحداث الرواية فحسب.
يبقى أن في الرواية سخرية واضحة باللهجة العامية أحياناً، من تفاصيل حياتية للشاعر الفوضوي الذي يدفع ثمن خياراته غالياً بالابتعاد عن وطنه وأهله وأصدقائه والزوجة التي يحب ولا يتاح لها الفرصة إخباره أنه سيصبح أباً. كل هذا إلى جانب السخرية السياسية من إجراءات أمنية ومن مواقف لدول إقليمية كما حين يتناول زمن الرد ومكانه على العدو الذي تكرر حتى لم يعد يذكره أحد.