«مرفوع الهامة يمشي» هذا الشاعر الجنوبي الذي ولد في إحدى محافظات الصعيد المنسية، في قنا، كان من طلائع كتاب قصيدة النثر المصرية في سنوات التسعينيات، متمسكاً بالشعر لـ «يصارع المسوخ»، واضعاً «قدماً في الواقع وقدماً في الحلم». نشر فتحي عبد السميع سبعة دواوين شعرية: «الخيط في يدي» (1997)، و«تقطيبة المحارب» (1999)، و«خازنة الماء» (2001)، و«فراشة في الدخان» (2008)، و«تمثال رملي» (2012) و«الموتى يقفزون من النافذة» (2013)، و«إحدى عشر ظلا لحجر» (2016). لم يتوقف عن نهمه المعرفي، فقدم العديد من الأبحاث في النقد الأدبي وفي التراث الشعبي، وتناول تحديداً ظاهرة الثأر التي كانت سبباً في حصوله على «جائزة الدولة التشجيعية» لعام 2016. كما نجح في أن يعيد لقصور الثقافة في الصعيد بعضاً من ألقها الغابر عبر تحويلها إلى ساحات للقراءة الشعرية وإلى حوارات حول قضية القتل الثأري التي طالما شغلت الشاعر. حتى إذا عبر عن رأيه - كأي مثقف أو شخصية عامة- في «انتفاضة 30 يونيو» ووصفها بالنكسة، تكاثرت السهام المصوبة نحوه مطالبة بسحب جائزة الدولة منه، وبعدم ترشيحه لإدارة سلسلة كتب في إحدى مؤسسات النشر الحكومية. لكنه لم يعر كل هذا الضجيج بالاً، ومضى إلى حال سبيله يتمم ديوانه الجديد إلى أن رأى النور أخيراً، بعنوان «أحد عشر ظلاً لحجر» (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، إحدى عشر قصيدة يسترشد فيها الشاعر بالحجر، يتماهى معه في رحلة تبدأ بالغلظة والبداوة والقسوة وتنتهي بالوعي والاستنارة والشعر. رحلة تتجسد بين مفتتح قصيدة «قاطع الطريق الذي صار شاعراً»: «أنا الولد الذي فشل في قطع الطريق/ وصار نشالاً/ أصابني بمس/ فصرت أمشي ملثماً بعتمة صغيرة/ يدي بريئة من كل إكراه/ وروحي شغوفة بالسرقة»، وبين خاتمة «مشاء لا يحب الوصول/ لا مقعد لي في الحياة/ وظهري مسنود على باب مفتوح».


■ إذا عدت إلى البدايات، متى وُلدت كتابة الشعر لديك وأنت الموظف الذي يعمل في إحدى مؤسسات الصعيد، بعيداً عن الأدب؟
* صرت شاعراً بالصدفة، فقد ولدت كتابة الشعر بشكل طبيعي في مرحلة الصبا، وتم قمعها سريعاً، من خلال سلطة الجهل.

في بيتنا، لا أحد كان يشجع، أو يتفهم الشعر باستثناء المواويل والمربعات الشعبية، ولم يكن أمامي سوى مدرس اللغة العربية، وكان أكثر جهلاً، فقد سخر مني، وأخذ يتحدث عن الأوزان، والإلهامات العبقرية التي يعرفها الشعراء وحدهم، وقد أقنعني بانعدام موهبتي، ولم أفكر في الكتابة مرة أخرى. بعدها بسنوات، كنت قد التحقت بوظيفتي، وحدثت انتفاضة الحجارة، ووجدتني مدفوعاً نحو كتابة قصة عن فرس عربي ذليل، فكتبتها، وبالصدفة عرفتْ تلك المحاولة العابرة طريقها لأحد الأصدقاء، فعرفني على شاعر اسمه سيد عبد العاطي يلتقي بالأدباء في بيته كل أسبوع، وعندما قرأ قصتي اعتبرها قصيدة، وقدم لي بعض النصائح، وبدأت مسيرتي.

■ رغم كونك شاعراً منذ ثلاثين عاماً وأصدرت أكثر من سبعة دواوين شعرية، ورشحت أو حصلت على جوائز مرموقة إلا أنك حصلت على «جائزة الدولة» في مجال العلوم الاجتماعية. كيف تفاعلت مع هذه المفارقة؟
* توقعت الحصول على «جائزة الدولة» في الشعر منذ ربع قرن تقريباً، لكنني انصرفت عن انتظارها بمرور السنوات، بخاصة بعد شيوع الحديث عن الفساد الثقافي، وبأس الشلل والتربيطات، وبؤس موقفي في الحياة الثقافية، فأنا مقيم في أقصى الجنوب في ظل مركزية متوحشة، كما أنني ـ باستثناء الكتابة ـ لا أملك أي شيء يخيف الآخرين أو يعدهم بعطية، كي أدخل به في شبكة المصالح التي صارت هي البوابة الحقيقية للظهور أو الطمس. كما أن رؤيتي للشعر وللثقافة راحت تتبلور من خلال احتكاكي بالقراءة والواقع الذي أعيشه معاً، فتصالح الشاعر والموظف. صار الشعر سبيلاً لعمران حياتي اليومية لا أكثر، وصارت الجوائز الحقيقية هي التي أحصل عليها فورياً عندما أقرأ قصيدة جيدة، أو أكتب قصيدة جيدة. وقبل عامين، لم تكن تخطر جائزة العلوم الاجتماعية في ذهني أساساً، فلم تكن لي كتابات في علم الاجتماع، وهكذا كان الأمر غريباً بالنسبة لي، ولم تكن للجائزة أي قيمة معنوية.


حياة قصيدة النثر في الحرية، ومصرعها أيضاً، وقدر الشاعر هو الرقص على الخيط الرهيف بين المتناقضات


■ ما سرّ اهتمامك بالكتابة البحثية مثل كتابك «القربان البديل» عن الثأر، أو كتاب «الجميلة والمقدس»، و«الشاعر والطفل والحجر»، ألا تجد في الشعر كفاية للتعبير عما يشغلك من قضايا؟
* الكتابة البحثية تفرعت من الشعر، فقد اهتممت بالنقد الأدبي بسبب الشعر، فالنقد يثريني كشاعر، كما يثريني كداعية للشعر. شاركت في مئات الندوات في جنوب مصر، متحدثاً عن الشعر بشكل عام، أو محللاً لنصوص شعرية، كما اهتممت بدراسة الواقع الذي أعيشه من خلال الشعر، وهذا ما أكسبني شغفاً معرفياً هائلاً، وقدرة كبيرة على الرصد وعلى التفاعل الدائم مع الواقع المحيط، بكل مفرداته. كان كل ذلك يرتبط بقصور ثقافي كبير، فقضايا الصعيد مهمشة بشكل أليم. وعلى سبيل المثال، يعاني الصعيد من ظاهرة الثأر، وضحايا تلك الظاهرة أكثر من ضحايا ظاهرة الإرهاب. ومع ذلك لا نجد أدنى اهتمام بهؤلاء الضحايا. وقد كانت معايشتي لوقائع الثأر سبباً في التركيز عليها بهدف فهمها. هكذا لجأت إلى الكتابات التي تتناولها، وكانت أفضل دراسة عنها كتبها الدكتور أحمد أبو زيد من نصف قرن، كمحاولة أولى لفهم الظاهرة. وبدلاً من متابعة الدراسة وتوسيع نطاقها، رأيت الكثير من الرسائل العلمية تنسخ تلك الدراسة ولا تتقدم، ووجدت المعلومات والملاحظات التي أعرفها أكثر رحابة من تلك الكتابات القليلة، بما فيها الدراسة الرائدة للدكتور أبو زيد. هكذا عكفت على إعداد دراسة عن الثأر، بشكل يهدف إلى إشباع الشاعر أولاً، وعلى نحو يتناغم مع حياته ودوره كمثقف.

■ تعرضت لهجوم عنيف حين عبرت عن رأيك في انتفاضة 30 يونيو ووصفتها بالنكسة، وتوارت حينها الأصوات المطالبة بحرية التعبير وبالحق في الاختلاف إلى درجة أن هناك من زايد عليك مطالباً بإبعادك عن منصب رئيس تحرير لسلسلة إبداعية بل سحب جائزة الدولة التشجيعية منك. كيف عايشت هذه التجربة؟
* كانت صدمة كبيرة بالنسبة إلي، كنت أعرف الكثير عن مساوئ الوسط الثقافي، لكنني كنت مستوراً عن القبح لأنني أقيم بعيداً عن الكعكة الثقافية، ولا أنافس أحداً في أي شيء، وكانت وجهة نظري مضادة تماماً لخطاب السلطة، وأعرف أن الأذى وارد تماماً، وكنت على استعداد لتحمله في أي وقت. كنت أتوقع السجن منذ خطوتي الأولى، فقد ورثت الكلمة باعتبارها شرفاً، ولا بد من أن تكون نظيفة مثل العمامة، مهما كان الثمن. وورثت صورة الشاعر بوصفه مناوئاً للسلطة بالضرورة، لأنه يضع قدماً في الواقع وقدماً في الحلم، وكلمة مثقف نفسها تعني في أصلها اللغوي التمرد على اعوجاج الرمح وتقويمه، والرمح في اعتقادي رمز للواقع، ولولا التمرد والتقويم لظل الإنسان في العصر الحجري. وكنت أعتقد أن تلك الأشياء مبادئ ثابتة عند المثقفين، وتكرهها السلطة حتى لو ابتسمتْ لها. لكن ما حدث كان مفزعاً، فانتظار الأذى من السلطة شيء طبيعي، أما انتظاره بسبب رأي من شاعر «حداثي طليعي»، أو من أستاذ جامعي يعمل في مجال النقد، أو مِمن تعده صديقاً حميماً، كل هذا كان نشازاً، أو نجاسة بالمعنى المعروف والمرعب في الثقافات التقليدية. ولعل أحقر ما في الأمر، أن بعض التقارير الأمنية ـــ كما سماها بعضهم ـــ لم تكن بسبب موقفي من السلطة بحد ذاته، بل كانت بسبب نبأ عن تكليفي الإشراف على سلسلة الإبداع الشعري في «هيئة الكتاب»، كرئيس تحرير لها. وقد تزامن النبأ مع إعلان حصولي على «جائزة الدولة»، التي لم أتقدم لها، بل فرض كتابي نفسه كحدث في الدراسات الاجتماعية. وبالفعل، نجحت حملة المثقفين في إبعادي عن السلسلة حتى الآن.

■ كيف تقيم تلك التجربة من منظور الحياة الثقافية اليوم؟
* الصدمة كانت معقدة، فقد هالني حجم القسوة والوحشية، والشتائم البذيئة، كما هالني حجم النفاق، وتحول ابتسامات أصدقائي إلى أنياب لمجرد أنني خرجت من ثوب الشاعر الإقليمي الذي يتسول حقوقه، إلى مشرف على سلسلة لا تعني لي شيئاً، ولم أقبلها من حيث المبدأ إلا كواجب، أو همٍّ يضاف إلى همومي.
هالني أيضاً حجم البؤس الفكري في نخبتنا، فهذا يصنفني متطرفاً إرهابياً، وهذا يصنفني سكيراً عربيداً، وهذا يلعب بجهل السلطات الأمنية ويحذّر من خطورة وجودي، لأنني سوف انحاز ضد الشعر الذي يقف مع 30 يونيو! وهكذا التزمت الصمت أمام تلك الحرب المخبولة. أما المفاجأة الكبرى، فتمثلت في عدد الشرفاء الذين استفزتهم تلك التقارير الأمنية، وتصدوا لذلك القبح الفج، ودافعوا عني بشدة، رغم حرج الموقف، وقد فاق الأمر كل توقعاتي، وكان ـ في ظني ـ سبباً في غل يد الأمن عني، وسبباً في صنع توازن بين قبحٍ ثقافي صنعته السلطة، والأدعياء، ولصوص الغنائم مهما كانت، وأين كانت، بين جمالٍ ثقافي صنعه عدد كبير من الأدباء والمثقفين الذين يتشبثون بالنزاهة كمعيار جوهري لوجودهم كمثقفين.

■ وصفك أحد النقاد بأنك تكتب قصيدة نثر تنبت من أرض الجنوب، إلى أي مدى ترى نفسك حاملاً لصوت بيئتك الصعيدية الضاربة في التاريخ؟ وهل يرضيك هذا الوصف أم ربما تجده ينال من فكرة كتابة قصيدة النثر الباحثة عن الإنساني والعالمي؟

متلازمة الحلم/ الموت جوهرية على مستوى تجربتي الشخصية، وعلى مستوى الجماعة التي أنتمي إليها


* الأمر معقد قليلاً، فهناك من يهتم بتصنيفي كجنوبي كي يبعدني عن المشهد. المركزية للأسف، جعلت من كل الساكنين خارج العاصمة إقليميين، في صيغة تحمل أثراً من ثنائية المتحضر والمتوحش. طبعاً هناك من المثقفين، من لا يؤمن بذلك الكلام الفارغ، لكنه موجود في الثقافة المصرية، وهناك من يستغله لنفي الآخرين وإقصائهم أو تهميشهم، وهكذا لا يرضيني الحديث عن جنوبيتي كمواطن من الدرجة الثانية. وفي المقابل، هناك التفاعل الشديد والحميم مع واقعي الذي أعيش فيه، هناك النهم في رصده وهضمه وتأمله، وهناك الرغبة في تناغمي مع نفسي، وتشكيل عالمي الشعري من الطين الذي خبرته يدي، وكل ذلك ظهر أثره في شعري، وساهم في تحقيق خصوصيتي، وخلق طعماً شعرياً خاصاً بي، ويرضيني شعور القارئ به، وهو لا يتناقض ولا يتصادم مع البعد الإنساني، طالما أنّه لا يأخذ شكل الدعاية الفجة، أو التوظيف المفتعل، أو الترصيع المجاني. لا يوجد إبداع إنساني أو عالمي، يخلو من فردية المبدع، وحضور الجماعة التي ينتمي إليها. في كل سلوك طبيعي، هناك الفردي والجماعي والإنساني.

■ تتنوع كتابة قصيدة النثر إلى حد الفوضى أو غياب الخصائص العامة التي تربط في ما بينها، ما هي مرتكزات قصيدة النثر لديك. مثلاً، يحرص سعدي يوسف على الموسيقى الداخلية بينما يتفاداها آخرون؟
* لا أشعر أنني على أرض صلبة بقدر ما هي أرض متحركة تبلغ حد التموج، ومع ذلك هناك الكثير من المبادئ التي أظنها تؤثر في تجربتي، وتترك بصمات قوية يمكن رصدها نقدياً، فأنا أحاول أن أكون منسجماً ومتناغماً مع نفسي وحياتي، أصغي للقصيدة وأتركها تتشكل كما يحلو لها في الدرجة الأولى، فالقصيدة أهم مني، والشعر أهم من الشاعر نفسه. أخاف من الجمود وتكرار نفسي، أحب المغامرة وأقدرها جداً، ولا يتعارض ذلك مع قدر من الحيطة والحذر. أحب العفوية والتلقائية والاندفاع واعتني أيضاً بالتصميم، والمعمار، والحذف. يعجبني تمرد القصيدة على النظام، ولا أؤمن بوجود إبداع من دون نظام. الشعر في تقديري سهل مثل ماء في كوب، وصعب مثل ماء في وسط المحيط. حياة قصيدة النثر في الحرية، ومصرعها أيضاً، وقدر الشاعر هو الرقص على الخيط الرهيف بين المتناقضات.

■ عملك الجديد «أحد عشر ظلاً لحجر» يشهد على تطور في مسار القصيدة لديك تتجلى فيه العودة إلى الحكي أو السرد القصصي كبديل للتشظي، هل هي عودة إلى الخلف أم معان في التحديث؟
* الحكي عندي ليس بجديد. كما أنه ليس نقيضاً للشعر، بل يرتبط بالشعر منذ البداية حيث قدمت نماذج يتعانق فيها السرد والشعر، وهو ملمح في كتابات قصيدة النثر الجديدة. هناك حكي يحاول أن يجعل من الأشياء الضئيلة الشأن أبطالاً، مثل قصيدة بطلها الشبشب وأخرى الفلاية وأحياناً البراية. فالتجربة في ديواني الجديد تعتمد على إعادة النظر في الصور المألوفة للأشياء عن طريق توسيع نظرتنا إليها، لتتحول من شيء ضئيل هامشي إلى شيء كبير يحيا في الصدارة، مما يعني في النهاية انتصاراً لكل ما هو ضئيل ومهمش، كما أنه تغيير لصورة العالم المألوفة.

■ وما سر تشبثك برمزية الحجر التي تتكرر في جملتك الشعرية وفي عناوين بعض مقالاتك كما «رفرفة الحجر» في «جريدة القاهرة»، وفي أعمالك «الشاعر والطفل والحجر»، و«أحد عشر ظلاً لحجر»؟
* للحجر قيمة تشكيلية مهمة في اللاوعي من خلال التراث الفرعوني، ولكنه موجود بقوة في ألعابنا في الطفولة، كنا نلعب الصلصال، أو «الفيبا» وهي ما تتركه السيول من مادة صلصال جامدة كنا ننحت بها بعفوية أشكالاً لا حصر لها. كما أنّ لديّ رؤية خاصة للحجر باعتباره رمزاً للإنسان، ويمثل ما هو قاس وصلب وجامد بخلاف الماء، فالحجر في هذا العمل يتحول إلى شيء حي حين يستيقظ، كما لو أنّ البطل في العمل يتخلص من حجريته ويمضي في طريق الاستنارة.

■ يخيَّل أن هناك متلازمة على طرفي نقيض في أعمالك وهي الحلم والموت. في حين يسمح الحلم بالتحليق في عوالم عجائبية وفانتازيا، يسكن الموت ثنايا الجملة الشعرية بشكل ثابت (ليس فقط في مجموعة «الموتى يقفزون من النافذة» التي يسيطر عليها موضوع الموت ابتداء من عنوان العمل).
* أتفق معك في تلك الملاحظة، وأحسب أن متلازمة الحلم/ الموت جوهرية على مستوى تجربتي الشخصية، وعلى مستوى الجماعة التي أنتمي إليها، والواقع الذي نعيشه، فتربتنا خصبة بالنسبة إلى الموت والحلم. الموت هو بطل اللحظة سواء أكان حقيقياً أم مجازياً، وهو بطل تاريخي، وكثيراً ما لعبنا معه بالخيال، بالخرافات والأساطير والأوهام والأحلام، ولعلي لا أذهب بعيداً، حين أقول إنّ الثقافة الإنسانية برمتها تدين للموت والحلم أكثر من أي شيء آخر.

■ مدهشة هي السخرية التي تصل إلى حد التهكم في قصائدك. تبدو كما لو كانت أداتك الأثيرة في النقد الذاتي وطوق النجاة من التماهي في أعراف الصعيد البالية ومقدساته الأزلية، كما هي الحال في قصيدة «قلة الأدب»: «إلى الشارع يحملها عصراً وإلى السطح ليلاً، لو كُسرت وراءه، سوف يحزن في تربته، سوف يتهمنا بالخسة والجحود، ويلم علينا الملائكة يوم القيامة».
السخرية عنصر جمالي أقدره، كما أنها عنصر أساسي في تركيبتي الشخصية، وتركيبة المصريين عموماً، وهي من الأسلحة التي فرضتها السلطات الغاشمة على امتداد القرون. وهي سلاح فني، يعرف اللغة المواربة، ويعتمد على الغمز والإيحاء وغير ذلك من الأشياء التي تزاوج بينه وبين الشعر. السخرية مرتكز من مرتكزات حياتي الفردية والجماعية، ومن الطبيعي، أن تظهر تلقائياً وقصداً في نصوصي.