ما كان لنا في الطفولة لا يُنسى، سلباً كان أم إيجاباً، بل إنّ الحياة التالية تبنى على قاعدته بفضل أبوين نجحا في تهيئة المناخ لطفلهما. من هنا يمكن الوقوف على الحالة التي وجد الصبيُّ بيرنار نفسه فيها، بأوامر من والديه. وجد مُحاصراً بجدران أربعة لأيّام طويلة، في قلب الحرب العالمية الثانية. لا يقدر على وضع قدمه خارج البيت. بقي مسجوناً، ومحمياً من كل الذي يحصل في الفضاء الخارجي حيث النيران واحتمالات الموت كثيرة. خلال تلك الظروف، كان عليه أن يجد وسيلة لقتل الوقت بأي شكل ولو عبر تمرير العينين على صفحات معجم لغوي ضخم هو «اللاروس الصغير».

من مفردة إلى مفردة ومن صفحة إلى أخرى، تعلّق الصبي بالكلمات لتصبح قوت نهاره وليله إلى أن حفظ المعجم. لقد حفظه فعلاً. بالمعنى الحرفي للكلمة.
بعد كل العُمر الماضي، ما زال بيرنار بيفو يُمسك قلماً حين يقرأ ليضع خطوطاً على بعض السطور، «حتى يترك المرء آثاره على الكتب التي مرّ عليها» ويعيد مراجعة «المفردات الغريبة» كما يفعل حديثو العهد بالقراءة.

حالة لا ينكرها بتواضع لافت رابطاً نفسه بوضع الهاوي لا المحترف «حيث لذة القراءة تأتي من اعتبارها هواية لا فرضاً».
على هذه الصورة، تأسست قواعد القراءة لدى صاحب «مهنة القراءة» (1990) بيرنار بيفو (1935) ليصير على هيئة ظاهرة في بلد فولتير استمرت طوال أربعين عاماً نجح خلالها في تحويل أمر التدقيق في بنية الكلمات إلى مسابقة وطنية سنوية في الإملاء واحترام أمر تدوين اللغة الفرنسية على نحو سليم. كأن هذه اللغة عنده عبادة. كأن اللغة وطن.
وفي سيرة حياته التالية، كانت الخطوات الأولى، بداية، عبر تأسيس الملحق الثقافي لجريدة «لو فيغارو» ومن بعدها مجلة «لير». خلال ذلك، نجح في فرض حالة القراءة على شاشة التلفزيون، في وقت الذروة وتحويل برنامج عن الكتب إلى أداة جذب تسحب الناس إلى منطقة الورق، وإلى هاجس لدى الغالبية ليذهبوا بعد المشاهدة لاقتناء الكتب التي يعرضها بيفو على الشاشة بداية من برنامج Apostrophes وختاماً بـ Bouillon de culture. هكذا تحوّلت كلمات بيفو إلى بورصة ترفع من شأن كتاب أو تخفضه. انطلقت العلاقة الوطيدة بين صاحب «مهنة الكلمات» مع الكلمات ذاتها لتصير حياة وسلطة يقبض عليها بنزاهة عالية، وهي قادرة على رفع كاتب وفتح أبواب المجد أمامه.


استضاف غونتر غراس وجيل دولوز وجاك دريدا وفرنسواز ساغان ومارغريت دوراس
يكفي أن يقول بيفو كلاماً إيجابياً حول إصدار ما، ليذهب الناس للحصول عليه.
ولا أهواء في المسألة، وحدها القيمة التي يحملها الكتاب، هي ما يدفع بيفو لإعلان كلمة حق في صالحها. لم يحدث أن رفع من شأن إصدار هزيل. لو فعل هذا، لكان فقد قيمة رأس المال الرمزي الذي يملكه وتوقف الناس عن متابعته. هو يعرف أن المحاباة مهنة لا عُمر طويلاً لها، تفنى سريعاً.
من هنا صار أمر ظهور أديب على شاشته، خطوة أولى في طريق مجد مُشتهى في حين بقي الاصرار على جلب كُتّاب مُكّرسين جزءاً أساسياً في بنيته. وقد نجح في جلب غونتر غراس وجيل دولوز وجاك دريدا وفرنسواز ساغان ومارغريت دوراس وحتى فرنسوا ميتران وقبلهم جميعاً ميشال فوكو.
وحين يأتي وقت الحكي عن كل هؤلاء، يقول «إنّ قلّة الذكريات ليست المشكلة، ولكن كيفية إعادة روايتها بتفاصيل لم يعد أمر استعادتها ممكناً، كأسماء الأماكن والمدن». لكن هناك مساحة لتذكّر أحداث بعينها، فتأتي مثل كتلة واحدة لا يمكن تفصيلها إلى وقائع وأحداث منفردة، مثل واقعة دخوله وخروجه من ملحق «لو فيغارو» الأدبي والسنوات التي كانت بين المرحلتين «خمسة عشر عاماً من الشغل، فترة أثرت حياتي للغاية». وقد خرج بيفو من تلك المرحلة بعد خلاف مع رئيس تحرير « لو فيغارو». مجرد اختلاف في سياسة التحرير. لكن هذا أمر ليس بالقليل عند أحد هواة احترام الذات.
وبعد كل هذا، يأتي التواضع التام. هذه عادة في قلب صاحبها. لقد كتب أكثر من سيرة وكتابه الجديد «الذاكرة تفعل ما يحلو لها» (ألبان ميشال) آخرها. يأتي الحديث عن سيرته الجديدة عبر تذكر حياته الماضية، وما كان فيها من أحداث وأداء شخصي يحضر اليوم على نحو مُساند لبعضه. خط سير واحد في تلك الحياة سارت عليه خطوات صاحبها. يكتب عبارة في مقدمة كل جزء لكاتب ما، ويذهب لاحقاً في التعليق عليها. كأن يذهب في سرد مقولة لفرنسواز ساغان ليعود مستذكراً تلك المّرات التي استضافها على الشاشة، خجله الشديد وتراجعه عن دعوتها لتناول كأس معاً. إنه يحكي هذا بلسان واحد فقد فرصاً كثيرة في دنياه.
على هذا يسير بيفو في موازة كتابه «أجل، لكن ما السؤال؟» (2012). إثراء الحياة بإعادة طرح الأسئلة، ما يمنحها استمراريتها. طرح العبارات المُفتتح بها لتكون أرضية لقول وجهات النظر حول الأفكار التي تطرحها. هكذا يُعالج إشكالية عدم قدرته على استعادة الذكريات بتفاصيلها وتواريخها وأماكنها على نحو دقيق. إنه يقول هذا من فرط تواضعه.
يبقى في نقطة التواضع المُسيطرة على نمط رؤيته للأشياء من حوله وطريقة تعامله معها، لم يقل إنه آخر نجوم البرامج الثقافية حين أعلن ختام مسيرته التلفزيونية. قال بأن هناك من سيشغل الأمكنة ذاتها وكل بشخصيته «لا أحد يشبه أحداً ولا أحد لا يمكن الاستغناء عنه».
وفي منطقة التواضع مرة جديدة وفي واقعة أتت غير مرصودة في الكتاب، حين فشلت وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة فلور بيلورا في برنامج تلفزيوني في تسمية عنوان واحد من أعمال الروائي باتريك موديانو الحاصل على جائزة «نوبل» للآداب، ثارت حولها عاصفة وحصل استياء لخصه الروائي المغربي المُتنكر لجنسيته الأصلية، الطاهر بن جلون بقوله «إنه أمر مؤسف ومعُيب على وزيرة الثقافة أن تغوص في الأدب». وحده بيرنار بيفو كان استثنائياً حين قال «عدم قراءة أعمال موديانو لا يعني أن المرء غير ذكي وغير قادر على إدارة وزارة الثقافة». إنها سيرة التواضع.