تشتغل الأفغانية شابنام زرياب في منطقة سردية موازية لما أنجزه مواطناها عتيق رحيمي (أرض الرماد)، وخالد حسيني (عدّاء الطائرة الورقية)، في رسم خرائط بلادهم التي مزّقتها مطحنة الحروب المتتالية. لكنها تضيّق فتحة العدسة نحو طفولة مضطربة واكبت خلالها الحقبة الشيوعية التي فرضها الغزو السوفياتي على البلاد طوال فترة الثمانينات من القرن المنصرم. في روايتها «عازف البيانو الأفغاني» (دار دال- دمشق، ترجمة راغدة خوري)، ترصد شابنام سيرة طفلة تدعى ليلى وجدت نفسها في خضم طبقات من العنف لم تجد تفسيراً لها: لماذا يكره أبوها هؤلاء الجنود السوفيات اللطيفين، على عكس والد رفيقها «ميلاد» في المدرسة ؟ كان ميلاد قد أنقذها من شظايا قذيفة سقطت في باحة المدرسة، عندما ألقى بجسده فوقها بقصد حمايتها، لينتهي بندبة ستكون علامة فارقة فوق حاجبه الأيمن، وستتعلق الطفلة برفيقها معتبرة إياه حبّها الأبدي.

هكذا تتفتح البراءة على أسئلة صعبة لا تشبه الحياة في أفلام الكرتون التي كانت تتابعها الطفلة بشغف.

غضبُ والدها من مشاركتها في المسابقات الرياضية في المدرسة وحملها العلم الأحمر، بعد المسافة مع عائلة ميلاد، أفضل عازف بيانو في المدرسة، تشابك اللغات الفارسية والروسية والفرنسية، والصراع بينها، تبعاً للمواقف الأيديولوجية لأصحابها، سرديات بصرية تشغل هذه الروائية الشابة التي تتأرجح بين السينما والأدب. لكن الانعطافة الكبرى في حياتها ستكون بقرار عائلتها الهجرة إلى فرنسا، إثر اشتداد العنف بين الجهاديين من جهة، والشيوعيين من جهةٍ ثانية. إطلاق أسماكها المنزلية في مياه النهر كي تختلط بمياه المحيط، محطة أولى في معنى مغادرة المياه الأولى، ومواجهة عالم آخر أكثر قسوة. ستواجه عزلة لغوية في المنفى، وفروقات بيئية في العيش، وعنصريّة، وعلاقات مجهضة، وضعتها في مهبّ أسئلة أخرى، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر (2001). إذ بات اسم أفغانستان ومرادفاته أشبه باللعنة المتنقّلة «أصبح لها أصداء أخرى في أذنيَّ. إنها تبلبلني، تهيجني، تزعجني. بهذه الكلمات، وهذه الأسماء، أصبحت علاقاتي أكثر تعقيداً» تقول. هكذا تستعيد صورة بلادها من منظور آخر، بعدما تفرّقت عائلتها بين المنافي، وتحوّلت إلى «مجرد ضجيج أصوات في الهاتف». عائلة لا مرئية، مثل بلادها تماماً، عدا صورة «ميلاد» العصيّة على النسيان. سوف تتساءل باضطراب عن مصير حبيبها الأول، في ظل حكم «طالبان»، هل حطّموا البيانو الذي كان يعزف عليه؟ وهل منعوه من حلاقة ذقنه؟ خيباتها العاطفية في المنفى زيّنت لها فكرة العودة إلى كابول والبحث عن ميلاد، خصوصاً بوجود والدها في البلاد الذي سبقها في العودة إلى هناك للانخراط في العمل السياسي في ظل وجود حكومة مؤقتة، بانتهاء حقبة الغزو السوفياتي. المعضلة إذاً، تتجاوز المنفى اللغوي، نحو أسئلة جذرية تتعلّق بالفواتير المستحقة حيال مسقط الرأس.


اشتغل في منطقة سردية موازية لعتيق رحيمي وخالد حسيني


لكن ماذا تبقّى من ذكريات الطفولة؟ بلاد مدمّرة، نساء مجلّلات بالسواد، وحالات تحرّش، ووضع كابوسي مخيف، وخيبة أمل صريحة، فما أن غادرت الطائرة التي حطت في مطار كابول، حتى اضطرت إلى ارتداء الحجاب. كان بيت العائلة قد تعرّض للقصف والنهب، كما اختفت الكتب من المكتبة الضخمة. في خروجها الاول من المنزل، قررت الذهاب إلى المنتزه، هناك كانت تلتقي ميلاد. لقد تغيّر المشهد تماماً بانتشار الزي الموحّد، والمناظر الكئيبة وحطام الأمكنة، فعادت محبطة إلى المنزل «لا أريد التشويش على ذكرياتي المشرقة باكتشافات كارثية». ولكن ما هو مصير ميلاد؟ يخبرها والدها بأن والد ميلاد الجنرال الشيوعي الصلب قد قُتل بوحشيّة، فيما استعادت عائلته الإقطاعية في قرية مجاورة لكابول ابنه وزوجته. كان على ليلى أن تتعلّم اللغة الباشتونية لاقتفاء أثر ميلاد في تلك القرية التي أصبحت أحد مراكز جماعة «طالبان» المتشدّدة. بذريعة تعلّم هذه اللغة تغادر منزل والدها، وبخطة مدروسة بعناية تذهب إلى تلك القرية المخيفة وتصل إلى بيت ميلاد. تروي لها الأم أن «طالبان» عيّنت ابنها ميلاد أميراً على الجماعة باسم «مولاي سهيب رحمان خان» وقد قُتل في إحدى المعارك ضد الأميركان. «انكسرت أحلامي، ومات حبي. انتابني شعور بأني أسمع عظامي ترتجف.
نظرت إلى الصورة المعلّقة على الحائط، فتّشت عن العلامة وسط الشريط الأسود على جبهته. العلامة التي هي علامتنا». هكذا تلاشت ضربات أصابعه على البيانو، مستبدلاً إياها بسلاح ناري، كأن قدر هذه البلاد أن تعيش حطام حياة وحسب. تنهي شابنام زرياب روايتها بأمل أن تتسلل أنغام البيانو إلى الغرفة، فيما تنأى فرنسا بعيداً «وأفغانستان هربت مني». صورة حطام أفغانستان، ستتكرر في جغرافيات أخرى، بالمواصفات نفسها: صراع هويات ولغات وطوائف.